الإنسان وتقييم غرائزه سوف تتمكن من إدارة المجتمع الراهن والمجتمعات القادمة على أحسن ما يرام. هذا بشأن القوانين الثابتة.
إضافة إلى الغرائز الثابتة والمتجذرة لدى الإنسان هنالك بعض الأمور التي تتأثر بالظروف الزمانية والمكانية وتتغير تبعاً لتغيرها. وعليه فلابدّ أن تكون المقررات ذات الصلة بهذه الأمور متغيّرة؛ وعلى هذا الأساس فإنّ الإسلام لم يضع أحكاماً معينة لهذا النوع من المواضيع، فهي متكيفة والظروف المستجدة. طبعا تغير هذه المواضيع وتبدلها لا يعني عدم شمولها بأي قانون، بل لابدّ من استخراج هذا القسم من المقررات من خلال سلسلة من المبادئ الكلية. ونستعين ببعض الأمثلة لتوضيح حقيقة الموضوع:
مثلًا لا يمكن للحكومة الإسلامية أن تتخذ موقفاً معيناً في ارسائها لعلاقاتها مع البلدان الخارجية، فقد تتطلب الظروف أحياناً التعامل والانطلاق من الصداقة والود وإشاعة أواصر الصداقة وتعزيز العلاقات التجارية، بينما تقتضي بعض الظروف حالة من التشدد بما في ذلك قطع العلاقات وايقاف التبادلات التجارية وتعليقها لمدّة من الوقت، ولعل أبرز مصداق لذلك قضية تحريم التنباك التي لجأ إليها أحد كبار المراجع إزاء دولة استعمارية محتكرة.
كما ليس للإسلام من أحكام خاصة بشأن المسائل الدفاعية ونوع الأسلحة الحربية وكيفية التعامل مع استقلال البلاد وسيادتها والحيلولة دون طمع الأعداء فيها: بل لابدّ أن تتعامل الحكومة الإسلامية مع بعض المقررات والأحكام على ضوء الأوضاع والظروف القائمة وتتخذ كل ما من شأنه ضمان مفاهيم الإسلام.
وعلى هذا الأساس فإنّ الإسلام وضع أصلًا كلياً بشأن تقوية البنيّة الدفاعية دون الخوض في نوع الأسلحة والتكتيك فقال:«وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ...»[1]. وقوله في ذيل الآية من ضرورة أعداد القوّة يهدف إلى بيان المصداق السائد آنذاك، وذلك لأنّ أقوى وسيلة آنذاك كانت الخيول. كما لم يضع مقررات بشأن القضايا المرتبطة بالثقافة
[1]سورة الأنفال، الآية 60.
وتطوير العلوم وكيفية حفظ الأمن القومي وبسط الإستقرار و ... وأوكل ذلك إلى الحكومة الإسلامية. فقد اكتفى الإسلام بالحث على تعلم العلوم النافعة وطالب بتنمية الثقافة الإسلامية والإنسانية، ذلك لأنّ وسائل طلب العلم وكيفية النهوض به متغيرة على ضوء الظروف الزمانية والمكانية وتطور الأوضاع. وهنا لابدّ من الإلتفات إلى أنّ تشخيص الأحكام الثابتة من المتغيرة من اختصاص مراجع الدين، ولا يمكن لأيشخص ابداء وجهة نظره بهذه الأمور دون الرجوع إلى العلماء الأعلام.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
2- القرآن وختم النبوة
كيف يشهد القرآن على ختم النبوّة بنبي الإسلام؟
سؤال:
يسأل أغلب الأفراد أنّ مسلمي العالم يجمعون على أساس كتابهم السماوي على أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله هو خاتم الأنبياء وآخر السفراء الذين بعثوا لهداية البشر، وان دينه وكتابه و قرآنه هو آخر الأديان والكتب السماوية. نرجو أن تبيّن لنا أين صرح القرآن بختم النبوّة بغية غلق الباب على الشكوك التي ربّما تساور أذهان الأفراد المغرضين.
الجواب:
لابدّ من الإلتفات بادئ ذي بدء إلى أنّ الشرائع السماوية وإن بدت للوهلة الأولى كشرائع مختلفة فيتصور الإنسان أنّ أدياناً متعددة عرضت على البشرية وأنّها منفصلة عن بعضها البعض الآخر ولا تشترك في بعض المبادئ والأصول؛ إلّاأنّ حقيقة الأمر خلاف ذلك؛ فالواقع هنالك وحدة في شريعة نبي اللَّه نوح عليه السلام.[1]مع الشريعة التي نادى بها خاتم
[1]قد يشق على البعض أنّ أولى الشرائع السماوية حمل لواءها نبي اللَّه نوح عليه السلام ويتساءلون كيف يكون نبي اللَّهنوح عليه السلام حامل أول شريعة سماوية وقد سبقه الكثير من الأنبياء الذين بعثوا لهداية البشر. ولعل الأمر يبدو واضحاً بأنّ من سبقه من الأنبياء لم تكن له شريعة؛ فالمقصود من الشريعة مجموعة القوانين الفردية والأجتماعية التي تسوق الإنسان إلى التكامل المادي والمعنوي. وانزال الشريعة يتطلب حالة من الإستعداد لدى البشر بغية إدراك مفاهيم الدين وتطبيق تعاليمه، وما لم يتوفر ذلك فإنّ بعث الشريعة سيكون ضرباً من اللغو والعبث. ومن هنا لم تكن أغلب أهداف الأنبياء قبل نوح تتبنى أكثر من الدعوة إلى الأمور الفطرية التي يدركها كل إنسان مهما كان بسيطاً، فضعف الإستعداد البشري وانعدام الحياة الاجتماعية جعل الأنبياء لا يحملون شريعة معينة تتضمن بعض القوانين والمفاهيم، فأقتصرت دعوتهم على العبودية والتوحيد والتحلي بمكارم الأخلاق والابتعاد عن الظلم والجور و ... وهي الأمور التي تحاكي الفطرة ويسهل إدراكها.
الأنبياء، كما أنّ هنالك الكثير من جهات الشبه بينهما، وبالتالي جعلت جميع الشرائع بمثابة شريعة واحدة مرتبطة مع بعضها تكاملت بمرور الزمان وتكاملت المجتمعات لتعرض في نهاية المطاف على البشرية بصيغة دين جامع يغني البشرية عن أي تشريع وتقنين. ومن هنا أعلن القرآن الكريم منذ اليوم الأول أن ليس هنالك أكثر من دين شرّع للبشرية، هوالدين الإسلامي[1]. وسوف لن يقبل من أي إنسان تبعيته لغير هذا الدين[2].
كما فند القرآن الكريم أفكار تلك الطائفة التي نسبت إبراهيم بطل التوحيد إلى اليهودية أو النصرانية وصرّح بأنّه كان مسلماً[3].
وبناءً على هذا فالشرايع السماوية في الحقيقة شريعة واحدة وقد تكاملت أثر تكامل المجتمعات البشرية وظهور المتطلبات العصرية، لتتبلور في خاتمة المطاف بتلك الشريعة التي بعث بها خاتم الأنبياء، والواقع نستطيع أن نشبه هذه الشرايع بالصفوف التي تبدأ بالمدرسة الابتدائية وتنتهي بدراسة الدكتوراه.
أدلّة ختم النبوة:
تعتبر مسألة خاتمية النبي الأكرم صلى الله عليه و آله للأديان من وجهة نظر علماء المسلمين من
[1]«إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام» (سورة آل عمران، الآية 19).
[2]«وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الإِسلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ» (سورة آل عمران، الآية 85).
[3]«ما كَانَ إِبراهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصرانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفَاً مُسْلِماً وَما كَانَ مِنَ المُشرِكِينَ» (سورة آلعمران، الآية 67). والمراد من الإسلام في هذه الآيات التسليم لإرادة اللَّه بحيث لا يرى لنفسه من ولي غير اللَّه.
ضروريات الدين الإسلامي المقدّس، والتي يدركها حتى الفرد الأجنبي بفعل اتصاله بالمجتمعات الإسلامية، ويستحيل وجود فرد يعيش في الأوساط الإسلامية ولم تطرق سمعه قضية ختم النبوّة، وهذا بحدّ ذاته أحد الأدلة على اختتام النبوّة بنبي الإسلام صلى الله عليه و آله.
ولو أغضضنا الطرف عن ضرورية هذه المسألة وإجماع المسلمين في أنحاء العالم كافّة عليها، فهنالك بعض الآيات القرآنية التي أشارت صراحة إلى هذه المسألة ومنها الآية الشريفة:«مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّنْ رِّجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً»[1]. وللوقوف على مفاد الآية لابدّ من توضيح للفظ «الخاتم»؛ فالخاتم في اللغة العربية تطلق على الأشياء التي تختتم بها آخر الرسالة. فالختم في الماضي يعادل توقيع اليوم، كما يعمدون في الوقت الراهن إلى ختم الوثائق والكتب المهمّة بالإضافة إلى التوقيع، كما نرى الختم شائعاً اليوم لدى دوائر الدولة والشخصيات الرسمية. ويدل الختم بالإضافة إلى صحة سند ما ورد في الكتاب على اختتام السند أو الوثيقة، وبالتالي فإنّ اعتبار الكتاب يتوقف على ختمه. كما كانوا في السابق يستفيدون من القير أو الطين الخاص[2]لأحكام غلق العلب التي تضم بداخلها بعض الأشياء كالعسل والخل وأنواع السوائل، ثم يختمونه ليكون دليلًا على عدم التلاعب به[3].
وخلاصة القول فقد قيل في المصادر العربية بشأن تفسير الخاتم: ما يختم به. وإن اطلق اللفظ في العربية على الخاتم المعروف فذلك لأنّهم كانوا يختمون به في السابق، ولاسيما السلاطين والملوك وزعماء القبائل الذين كانوا يخطون أسماءهم على خواتمهم ويختمون به. وحين عزم النبي الأكرم صلى الله عليه و آله على توسيع دعوته ومكاتبة السلاطين والملوك وإيفاد السفراء، أمر أن يعدوا له خاتماً وينقش عليه«محمد رسول اللَّه»وكان يختم به كل كتبه.[4]
[1]سورة الأحزاب، الآية 40.
[2]ويقال له في اللغة (ختام) وهذا هو المراد من الآية «وَخِتامُهُ مِسْك» أي أنّ ذلك الشيء الذي تختم به أبوابسوائل الجنّة تفوح منه رائحة المسك.
[3]مقدمة ابن خلدون، ج 1، ص 220.
[4]الطبقات الكبرى، ج 1، ص 258.
وبناءً على ما تقدم فإنّ المعنى الابتدائي للخاتم ليس ما يتختم به في اليد، بل مفاده الأولي الوسيلة التي يختم بها الكتاب والوثيقة والسند، وإن اطلق على الخاتم المعروف لأنّهم كانوا يستفيدون منه في عملين. وتنتشر اليوم العديد من الأختام في البلدان العربية التي تصنع من الفلزات والجلاتين والتي تستعمل في ختم الكتب والوثائق الرسمية.
وعلى هذا الأساس يتضح معنى«خاتم النبيين»؛ لأنّ مفاد ذلك أنّ محمد صلى الله عليه و آله شخصية ختمت به أبواب النبوّة التي فتحت بوجه البشرية منذ زمان آدم حتى زمانه، وقد انتهى هذا الفيض الإلهي إثر غنى المجتمع البشري عن نبي ودين جديد، وكما يعلن بالختم انتهاء مضامين الكتاب، فقد أعلن ببعث نبي الإسلام صلى الله عليه و آله انتهاء هذا الفيض واختتام هذه النبوّة الإلهية. وكأن وجوده بمثابة الختم الذي اختتم به هذا الباب وإلى الأبد.
التصرف المستهجن في معنى الخاتم:
يبدو من المضحك ما أوردته بعض الفرق الضالة بشأن «خاتم النبيين» حيث حاولت اغواء اتباعها في أنّ المراد من «خاتم» في الآية هو هذا الخاتم، والهدف من تشبيه النبي بالخاتم بيان مكانته بين سائر الأنبياء؛ فكما يكون الخاتم زينة لليد، فإنّ نبي الإسلام كان زينة لسائر الأنبياء. ويبدو هذا التفسير على درجة من الضعف بحيث عمد زعيم هذا المسلك في بعض كتبه إلى تفسير الخاتم بمعناه الصحيح وهجر ذلك التأويل الشاذ[1]. طبعاً لا يحق لمفسّر القرآن أن يبتدع ما يشاء من معانٍ للمفردات القرآنية، ويتحتم عليه مراعاة الاستعمالات اللغوية السائدة لدى العرب؛ والحال لم ترد لفظة الخاتم في العربية بمعنى الزينة قط، فلا يقال أبداً: إنّ فلان خاتم أخوته، على أنّه زينتهم، ولو كان الهدف كون النبي زينة الأنبياء لانبغى أن تكون الاستعمالات الشائعة من هذا القبيل ليقال إنّ نبي الإسلام
[1]إشراقات، ص 292.
«تاج» و «اكليل» الأنبياء. لقد فهم المسلمون هذا المعنى من لفظ الخاتمية فبل أربعة عشر قرناً، كما ورد مثل هذا الاستعمال في الروايات الإسلامية.
فقد قال الإمام الصادق عليه السلام:«إنّ اللَّه ختم بنبيّكم النبيين، فلا نبي بعده، وختم بكتابكم الكتب فلا كتاب بعده، وأنزل فيه تبيان كل شيء»[1]. كما تصرف البعض الآخر عبثاً في لفظ «الخاتم» فزعم أنّ الخاتم في الآية بمعنى الختم، لكن الهدف من وصف النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بخاتم الأنبياء هو تصديق من سبقه من الأنبياء؛ فكما يفيد الختم صحة مضامين الكتاب، فإنّ نبي الإسلام يصدق دعوة جميع الأنبياء.
ولا يبدو هذا التغيير الأجوف أحسن من سابقه، صحيح أنّ الختم يشهد بصحة الكتاب، إلّا أنّ العرب لم تقل للشاهد خاتم، بحيث يقال الخاتم للشخص الذي يختم الرسالة أو يشهد على حادثة.
وناهيك عمّا سبق فإنّ تصديق الأنبياء ليس من مهام نبي الإسلام، وكل نبي لاحق لا يصدق النبي قبله فحسب، بل يصدق جميع من سبقه من الأنبياء. فقد قال اللَّه تعالى على لسان المسيح عليه السلام:«وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ...»[2]، كما ينبغي أن نلتفت إلى أنّ الآيات القرآنية الدالّة على الخاتمية لا تقتصر على الآية المذكورة، وهنالك العديد من الآيات التي صرحت بخاتمية رسالة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وقد آثرنا عدم التعرض لها مراعاة للإختصار.
[1]الوافي، ج 2، ص 144.
[2]سورة الصف، الآية 6.