الأنبياء، كما أنّ هنالك الكثير من جهات الشبه بينهما، وبالتالي جعلت جميع الشرائع بمثابة شريعة واحدة مرتبطة مع بعضها تكاملت بمرور الزمان وتكاملت المجتمعات لتعرض في نهاية المطاف على البشرية بصيغة دين جامع يغني البشرية عن أي تشريع وتقنين. ومن هنا أعلن القرآن الكريم منذ اليوم الأول أن ليس هنالك أكثر من دين شرّع للبشرية، هوالدين الإسلامي[1]. وسوف لن يقبل من أي إنسان تبعيته لغير هذا الدين[2].
كما فند القرآن الكريم أفكار تلك الطائفة التي نسبت إبراهيم بطل التوحيد إلى اليهودية أو النصرانية وصرّح بأنّه كان مسلماً[3].
وبناءً على هذا فالشرايع السماوية في الحقيقة شريعة واحدة وقد تكاملت أثر تكامل المجتمعات البشرية وظهور المتطلبات العصرية، لتتبلور في خاتمة المطاف بتلك الشريعة التي بعث بها خاتم الأنبياء، والواقع نستطيع أن نشبه هذه الشرايع بالصفوف التي تبدأ بالمدرسة الابتدائية وتنتهي بدراسة الدكتوراه.
أدلّة ختم النبوة:
تعتبر مسألة خاتمية النبي الأكرم صلى الله عليه و آله للأديان من وجهة نظر علماء المسلمين من
[1]«إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام» (سورة آل عمران، الآية 19).
[2]«وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الإِسلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ» (سورة آل عمران، الآية 85).
[3]«ما كَانَ إِبراهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصرانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفَاً مُسْلِماً وَما كَانَ مِنَ المُشرِكِينَ» (سورة آلعمران، الآية 67). والمراد من الإسلام في هذه الآيات التسليم لإرادة اللَّه بحيث لا يرى لنفسه من ولي غير اللَّه.
ضروريات الدين الإسلامي المقدّس، والتي يدركها حتى الفرد الأجنبي بفعل اتصاله بالمجتمعات الإسلامية، ويستحيل وجود فرد يعيش في الأوساط الإسلامية ولم تطرق سمعه قضية ختم النبوّة، وهذا بحدّ ذاته أحد الأدلة على اختتام النبوّة بنبي الإسلام صلى الله عليه و آله.
ولو أغضضنا الطرف عن ضرورية هذه المسألة وإجماع المسلمين في أنحاء العالم كافّة عليها، فهنالك بعض الآيات القرآنية التي أشارت صراحة إلى هذه المسألة ومنها الآية الشريفة:«مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّنْ رِّجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً»[1]. وللوقوف على مفاد الآية لابدّ من توضيح للفظ «الخاتم»؛ فالخاتم في اللغة العربية تطلق على الأشياء التي تختتم بها آخر الرسالة. فالختم في الماضي يعادل توقيع اليوم، كما يعمدون في الوقت الراهن إلى ختم الوثائق والكتب المهمّة بالإضافة إلى التوقيع، كما نرى الختم شائعاً اليوم لدى دوائر الدولة والشخصيات الرسمية. ويدل الختم بالإضافة إلى صحة سند ما ورد في الكتاب على اختتام السند أو الوثيقة، وبالتالي فإنّ اعتبار الكتاب يتوقف على ختمه. كما كانوا في السابق يستفيدون من القير أو الطين الخاص[2]لأحكام غلق العلب التي تضم بداخلها بعض الأشياء كالعسل والخل وأنواع السوائل، ثم يختمونه ليكون دليلًا على عدم التلاعب به[3].
وخلاصة القول فقد قيل في المصادر العربية بشأن تفسير الخاتم: ما يختم به. وإن اطلق اللفظ في العربية على الخاتم المعروف فذلك لأنّهم كانوا يختمون به في السابق، ولاسيما السلاطين والملوك وزعماء القبائل الذين كانوا يخطون أسماءهم على خواتمهم ويختمون به. وحين عزم النبي الأكرم صلى الله عليه و آله على توسيع دعوته ومكاتبة السلاطين والملوك وإيفاد السفراء، أمر أن يعدوا له خاتماً وينقش عليه«محمد رسول اللَّه»وكان يختم به كل كتبه.[4]
[1]سورة الأحزاب، الآية 40.
[2]ويقال له في اللغة (ختام) وهذا هو المراد من الآية «وَخِتامُهُ مِسْك» أي أنّ ذلك الشيء الذي تختم به أبوابسوائل الجنّة تفوح منه رائحة المسك.
[3]مقدمة ابن خلدون، ج 1، ص 220.
[4]الطبقات الكبرى، ج 1، ص 258.
وبناءً على ما تقدم فإنّ المعنى الابتدائي للخاتم ليس ما يتختم به في اليد، بل مفاده الأولي الوسيلة التي يختم بها الكتاب والوثيقة والسند، وإن اطلق على الخاتم المعروف لأنّهم كانوا يستفيدون منه في عملين. وتنتشر اليوم العديد من الأختام في البلدان العربية التي تصنع من الفلزات والجلاتين والتي تستعمل في ختم الكتب والوثائق الرسمية.
وعلى هذا الأساس يتضح معنى«خاتم النبيين»؛ لأنّ مفاد ذلك أنّ محمد صلى الله عليه و آله شخصية ختمت به أبواب النبوّة التي فتحت بوجه البشرية منذ زمان آدم حتى زمانه، وقد انتهى هذا الفيض الإلهي إثر غنى المجتمع البشري عن نبي ودين جديد، وكما يعلن بالختم انتهاء مضامين الكتاب، فقد أعلن ببعث نبي الإسلام صلى الله عليه و آله انتهاء هذا الفيض واختتام هذه النبوّة الإلهية. وكأن وجوده بمثابة الختم الذي اختتم به هذا الباب وإلى الأبد.
التصرف المستهجن في معنى الخاتم:
يبدو من المضحك ما أوردته بعض الفرق الضالة بشأن «خاتم النبيين» حيث حاولت اغواء اتباعها في أنّ المراد من «خاتم» في الآية هو هذا الخاتم، والهدف من تشبيه النبي بالخاتم بيان مكانته بين سائر الأنبياء؛ فكما يكون الخاتم زينة لليد، فإنّ نبي الإسلام كان زينة لسائر الأنبياء. ويبدو هذا التفسير على درجة من الضعف بحيث عمد زعيم هذا المسلك في بعض كتبه إلى تفسير الخاتم بمعناه الصحيح وهجر ذلك التأويل الشاذ[1]. طبعاً لا يحق لمفسّر القرآن أن يبتدع ما يشاء من معانٍ للمفردات القرآنية، ويتحتم عليه مراعاة الاستعمالات اللغوية السائدة لدى العرب؛ والحال لم ترد لفظة الخاتم في العربية بمعنى الزينة قط، فلا يقال أبداً: إنّ فلان خاتم أخوته، على أنّه زينتهم، ولو كان الهدف كون النبي زينة الأنبياء لانبغى أن تكون الاستعمالات الشائعة من هذا القبيل ليقال إنّ نبي الإسلام
[1]إشراقات، ص 292.
«تاج» و «اكليل» الأنبياء. لقد فهم المسلمون هذا المعنى من لفظ الخاتمية فبل أربعة عشر قرناً، كما ورد مثل هذا الاستعمال في الروايات الإسلامية.
فقد قال الإمام الصادق عليه السلام:«إنّ اللَّه ختم بنبيّكم النبيين، فلا نبي بعده، وختم بكتابكم الكتب فلا كتاب بعده، وأنزل فيه تبيان كل شيء»[1]. كما تصرف البعض الآخر عبثاً في لفظ «الخاتم» فزعم أنّ الخاتم في الآية بمعنى الختم، لكن الهدف من وصف النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بخاتم الأنبياء هو تصديق من سبقه من الأنبياء؛ فكما يفيد الختم صحة مضامين الكتاب، فإنّ نبي الإسلام يصدق دعوة جميع الأنبياء.
ولا يبدو هذا التغيير الأجوف أحسن من سابقه، صحيح أنّ الختم يشهد بصحة الكتاب، إلّا أنّ العرب لم تقل للشاهد خاتم، بحيث يقال الخاتم للشخص الذي يختم الرسالة أو يشهد على حادثة.
وناهيك عمّا سبق فإنّ تصديق الأنبياء ليس من مهام نبي الإسلام، وكل نبي لاحق لا يصدق النبي قبله فحسب، بل يصدق جميع من سبقه من الأنبياء. فقد قال اللَّه تعالى على لسان المسيح عليه السلام:«وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ...»[2]، كما ينبغي أن نلتفت إلى أنّ الآيات القرآنية الدالّة على الخاتمية لا تقتصر على الآية المذكورة، وهنالك العديد من الآيات التي صرحت بخاتمية رسالة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وقد آثرنا عدم التعرض لها مراعاة للإختصار.
[1]الوافي، ج 2، ص 144.
[2]سورة الصف، الآية 6.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
3- هل كانت الشرائع السابقة ناقصة؟
سؤال:
نعلم أنّ الدين الإسلامي هو الدين الجامع والشامل للبشرية جمعاء ويلزم من هذا أنّ الأديان السابقة كافّة بالنسبة للإسلام ناقصة، وهنا يرد هذا السؤال: كيف أنزل اللَّه للأقوام السابقة ديناً ناقصاً، واللَّه تبارك وتعالى منزّه عن إرسال دين ناقص؟!
الجواب:
تفيد أدلة عمومية وشمولية الدين الإسلامي أن لا سبيل بعد بزوغ شمس الإسلام الذي يروم تكامل البشرية مادياً ومعنوياً سوى باتباع هذا الدين. طبعاً كان كل دين من الأديان السابقة في عهده منهجاً حقاً لتكامل الإنسان وشده إلى اللَّه وقد طوى الإنسان مسيرته نحو السمو والتكامل الروحي والمعنوي في ظل تلك الأديان؛ إلّاأنّ ابلاغ الدين الإسلامي- بصفته الدين العالمي وخاتم الأديان- أصبح من غير الصحيح اتباع أي من الأديان السابقة، وليس لغير هذا الدين من سبيل لإيصال الأمّة إلى تكاملها المطلوب. ولكن كان كل دين في زمانه أكمل دين للناس.
وللتوضيح أكثر نقول:إنّ مجموع الأديان السماوية بمثابة مختلف الصفوف في كلية
يخوضها الطالب الجامعي في دراسته؛ فالذي يتعلمه الطالب الجامعي في السنوات الأولى رغم أنّه أساس وصحيح فهو إعداد للصفوف والمراحل المتقدمة والتي تعدّ مكملة للمراحل السابقة. وبناءً على هذا فإنّ دروس كل مرحلة تعدّ أفضل البرامج بالنسبة للطالب في تلك المرحلة، ولو لم يكن لك (كأن تطبق دروس المراحل المتقدمة في السنوات الأولى) فسوف لن تكون النتيجة سوى ضياع الوقت؛ والعكس صحيح لو طبقت الدروس الأولى وعرضت على طلبة المراحل المتقدمة.
فهل هنالك من يستطيع القول إنّ دروس المرحلة الأولى ناقصة، أم لابدّ من القول أنّ برامج ودروس كل مرحلة تعدّ أرقى الدروس بالنسبة للطالب في تلك المرحلة، وكل ما يتعلمه هو إعداد المرحلة المتقدمة. وعلى هذا الأساس نحكم بأنّ الأديان السابقة كانت كاملة في وقتها لهداية المجتمع وإيصاله إلى الكمال المطلوب. وبالطبع فإنّ نسخ الإسلام لما سبقه من أديان وكونه الدين الجامع والشامل بالنسبة لسائر الأديان لا يعني أنّ تلك الأديان لم تكن على حق أو كانت ناقصة وغير صحيحة؛ ذلك لاستحالة نقصان الدين الذي يصدر عن اللَّه الحكيم لهداية البشر، بل كل دين في عصره كامل وحق وكافٍ لإيصاله الأمّة آنذاك إلى مرتبة السمو والكمال.
لكن لابدّ من التفكير في الإنسان المتكامل والذي ينشد بلوغ ذروة الكمال المادي والمعنوي وفسح المجال أمامه ليسلك سبيلًا يمكنه من نيل ذلك التكامل. وعلى هذا الضوء توالت الأديان السماوية الواحد تلو الآخر لتهذيب الإنسان في مختلف المراحل لتختتم بالديانة الإسلامية التي تتربع على عرش تكامل الأديان.
4- دين أجداد نبي الإسلام صلى الله عليه و آله
سؤال:
ماذا كان دين آباء و أجداد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، وما المراد من قولهم أنّهم كانوا على دين إبراهيم الخليل عليه السلام، ولماذا لم يعتنقوا دين المسيح؟
الجواب:
على ضوء المدارك والأخبار التي وصلتنا عن الأئمّة عليهم السلام فإنّ آباء النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كانوا موحّدين جميعاً، وهذا المراد من كونهم على ملّة إبراهيم عليه السلام؛ لأنّ إبراهيم كان أحد أبطال التوحيد الرافضين للشرك والوثنية، وجهاده واضح في سبيل التوحيد والعبودية ونبذ الشرك والوثنية، ومن هنا نعتنا القرآن نحن المسلمين باتباع إبراهيم رغم تبعيتنا للشريعة الإسلامية ومراده من ذلك التوحيد الخالص.
والدين الوحيد الذي كان سائداً في الحجاز والقبائل العربية وله اتباع هو دين إبراهيم عليه السلام؛ بل كانت بعض سنن إبراهيم شائعة بين الوثنيين، وتصطلح العرب على دين إبراهيم بالديانة الحنفية؛ بينما لم تكن الديانة اليهودية والنصرانية تتمتع بذلك النفوذ في الحجاز، وكانت أقلية يهودية ونصرانية تقطن في المدينة وخيبر واليمن، وعلى أساس هذه