4- دين أجداد نبي الإسلام صلى الله عليه و آله
سؤال:
ماذا كان دين آباء و أجداد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، وما المراد من قولهم أنّهم كانوا على دين إبراهيم الخليل عليه السلام، ولماذا لم يعتنقوا دين المسيح؟
الجواب:
على ضوء المدارك والأخبار التي وصلتنا عن الأئمّة عليهم السلام فإنّ آباء النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كانوا موحّدين جميعاً، وهذا المراد من كونهم على ملّة إبراهيم عليه السلام؛ لأنّ إبراهيم كان أحد أبطال التوحيد الرافضين للشرك والوثنية، وجهاده واضح في سبيل التوحيد والعبودية ونبذ الشرك والوثنية، ومن هنا نعتنا القرآن نحن المسلمين باتباع إبراهيم رغم تبعيتنا للشريعة الإسلامية ومراده من ذلك التوحيد الخالص.
والدين الوحيد الذي كان سائداً في الحجاز والقبائل العربية وله اتباع هو دين إبراهيم عليه السلام؛ بل كانت بعض سنن إبراهيم شائعة بين الوثنيين، وتصطلح العرب على دين إبراهيم بالديانة الحنفية؛ بينما لم تكن الديانة اليهودية والنصرانية تتمتع بذلك النفوذ في الحجاز، وكانت أقلية يهودية ونصرانية تقطن في المدينة وخيبر واليمن، وعلى أساس هذه
القرائن يمكن القول إنّ آباء النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وأجداده كانوا على دين إبراهيم عليه السلام.
5- هل كان نبي الإسلام صلى الله عليه و آله يقرأ ويكتب؟
سؤال:
كتب السيد عبد اللطيف رئيس معهد المطالعات الثقافية في مقاله بشأن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أعرب فيها عن اعتقاده المعزز بالأدلة بأنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان يقرأ ويكتب قبل البعثة وما تسالم عليه المسلمون من أنّه أمّي ظلم فاحش، فهل هذا الكلام صحيح؟
الجواب:
نرى قبل مناقشة أدلة الكاتب المذكور ضرورة توضيح مراد المسلمين من أمّية النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بغية إزالة الشبهات الواردة بهذا الشأن.
1- إننا نعتقد أنّ:النبي صلى الله عليه و آله كان أكمل البشرية علماً وعملًا، وكتابه السماوي وقوانينه وأحكامه ومواعظه ونصائحه وكافّة تعاليمه شهادة حية على علومه ومعارفه الدينية الخارقة.
2- ونعتقد أيضاً أنّ:النبي صلى الله عليه و آله كان ملماً بأسرار عالم الخلقة والقوانين كافّة التي تحكم عالم الوجود، الأمر الذي لا ينكره القاصي والداني فضلًا عن المسلمين كافّة.
3- ونعتقد أيضاً أنّ:ذلك النبي العظيم إنّما استلهم عن طريق الوحي الكمالات كافّة
وتعلم كل هذه الدروس والمعارف في مدرسة النبوة ولم يتتلمذ قط على يد معلم ويأخذ عنه العلم؛ ذلك لأنّ النبوة ليست نبوغاً فردياً واجتماعياً يمكن الحصول عليه عن طريق التعليم والتعلم، بل هي هبة إلهيّة تمنح لمن يستحقها من العباد.
4- والمسلمون على ضوء الأقرار بما ذكر يقولون:إنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان أمّياً، ويقصدون بالأمّي أنّه لم يتعلم ويتتلمذ، لا أنّه لم يكن ذا علم ومعرفة، ولعل الخطأ يكمن هنا، لأنّ «عدم التتلمذ» لا يعني عدم كسب العلم، فالأنبياء العظام لم يتعلموا لدى أحدٍ من البشر، لكنّهم كانوا أعظم المعلمين في عالم الإنسان. فآدم عليه السلام لم يتعلم لدى أحد، إلّاأنّ القرآن الكريم كان يصرّح بأنّه معلم الملائكة (ورد تفصيل هذا الموضوع في الآيات 28- 32 من سورة البقرة). فإن كان المراد من تعلم النبي سعة إطلاعه وكمال علمه عن طريق الوحي، فهذا ما صدقه جميع المسلمين، وإن كان المراد تتلمذه كالآخرين على يد اساتذة فإنّ الحياة العظيمة للنبي وصريح آيات القرآن ترفض ذلك تماماً.
5- يعتقد المسلمون أنّ:النبي الأكرم صلى الله عليه و آله لم يقرأ كتاباً قبل بعثته ولم يكتب صفحة، وقد أشار القرآن إلى هذا الموضوع صراحة في الآية 48 من سورة العنكبوت:«وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ»وسيرد تفصيل هذا المطلب في الردّ على أدلة الكاتب.
هل كان النبي صلى الله عليه و آله يقرأ ويكتب بعد البعثة أم لا؟ ليس هنالك من رأي قاطع مئة بالمئة بهذا الشأن، والمشهور أنّه صلى الله عليه و آله كان عملياً لا يقرأ ولا يكتب، وكان الآخرون هم الذين يتولون كتابة الكتب والرسائل التي كان ينشئها وهذا ما تؤيده الروايات الإسلامية. نعم يعتقد بعض الأعلام أنّ عدم قراءة النبي وكتابته ليست دليلًا على عدم قدرته على الكتابة والقراءة، ذلك لأنّ القراءة والكتابة من الكمالات التي لا يستطيع أحد أن يزعم أنّ النبي صلى الله عليه و آله كان فاقداً لذلك الكمال وإن لم يستعمله.
وقد صرّح العلّامة المجلسي رحمه الله في البحار في فصل «الحديبية» أنّه ليس هنالك من شك في قدرة النبي صلى الله عليه و آله على القراءة والكتابة، فكيف لا يحيط علماً بهذه الحروف من له كل هذه
المعجزات والكرامات والعلوم والمعارف[1].
ونخوض الآن في هذا الموضوع وهو: هل تثبت أدلة ذلك الكاتب الهندي أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان متعلماً؟ وهل تثبت أنّه كان قادراً قبل وبعد البعثة على القراءة والكتابة وهل استغل تلك القدرة أم لا؟
نخوض الآن في أدلة الكاتب المذكور:
1- يقول: لقد ظن بعض المفسّرين بغية إثبات قدسية كتاب اللَّه وعدم تصرف النبي صلى الله عليه و آله فيه إلى أنّه لم يكن يحسن القراءة والكتابة، والحال من بعث من جانب اللَّه لا يتصرف مطلقاً في كلام اللَّه سواء كان متعلماً أم غير متعلم.
الجواب:إنّ هذا الكلام عجيب وليس هنالك مثل هذا الرأي في المصادر المعتبرة لعلماء الدين، وسمو الأنبياء الروحي والذي يصطلح عليه بالعصمة هو المانع الحقيقي من تصرفهم في كلام اللَّه لا فقدانهم للعلم. نعم ذهب بعض المسلمين على ضوء الآية الشريفة«الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الْأُمِّىَّ ...»[2]. إلى تفسير الأمّي بالمعنى المذكور. وقد ارتكب الكاتب خطأين في تفسيره لمعنى «الأمّي» وعلة وصف النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بهذه الصفة؛ الأول أنّه اعتقد أنّ سبب اعتبار النبي أمّياً كان حفظ القرآن من التصرف من قبل النبي صلى الله عليه و آله، والحال كانت العلة غير ذلك؛ والثاني تصوره أنّ معنى الأمّي هو عدم القراءة والكتابة، والحال معنى الأمّي عدم التتلمذ وعلى ضوء اصطلاح اللغويين (من لا يقرأ ولا يكتب»[3]والفارق بين المعنيين كبير جدّاً.
2- يقول: وصف القرآن النبي بالقول«وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ...».[4]ولعل أدنى ما يلزم من يريد تعليم الآخرين مضمون كتاب أن يمسك بالقلم ويكتب، أو على الأقل يقرأ ما خط بالقلم.
[1]بحار الأنوار، ج 16، ص 136.
[2]سورة الاعراف، الآية 157.
[3]تفسير المنار، ج 9، ص 234.
[4]سورة آل عمران، الآية 164.
الجواب:يمكن أن يقال إنّ النبي صلى الله عليه و آله كان قادراً على القراءة والكتابة- وإن لم يستفد من تلك القدرة حتى بعد البعثة الشريفة- لكن هذه الآية لا تثبت مدعى الكاتب؛ لأنّ طريقة تعليم الأنبياء ليس على غرار معلمي المدارس؛ فالنبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان يمارس وظيفته الخطيرة (التعليم والتهذيب) من خلال حفظه للآيات القرآنية، وهذا الأسلوب في التربية والتعليم لا يتوقف على القراءة والكتابة على ورق أو سبورة.
وخطأ الكاتب هنا في أنّه تصور اسلوب الأنبياء في التربية والتعليم كنظيره لدى المعلمين والمدرسين، والحال كانت سيرة الأنبياء- لاسيما سيرة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله خلاف ذلك.
3- يقول: إنّ القرآن الكريم نصير العلم والقلم حيث قال:«الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ»[1]حتى أنزل اللَّه إحدى السور القرآنية في مكة واسماها سورة «القلم»؛ وبناءً على هذا فهل يعقل أنّ النبي اجتنب التعامل بالقلم وهو المأمور بتعليم القرآن الذي يساند القلم!
الجواب:ذكرنا سابقاً أنّ القدرة على القراءة والكتابة كمال يتصف به النبي، واستعماله وممارسته كمال آخر، إلّاأنّه صلى الله عليه و آله كان يتحفظ عن القلم على أساس بعض المصالح الكبرى.
فلو كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يطالع كتاباً ويكتب رسالة لتذرع خصوم الدعوة ومنكرو النبوة بأنّ رسالته التوحيدية وكافّة تعاليمها وأحكامها إنّما أفرزته مطالعاته ومتابعاته لكتب الماضيين ولا تمت بصلة للَّهوالوحي والعالم الآخر.
وقد أشار القرآن صراحة إلى هذه الحقيقة فقال:«وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ»[2]ورغم السيرة النبوية التي تشهد بعدم تعلمه فإنّ طائفة من اليهود اتهمته بالتعلم من غيره ومطالعته لكتب الماضين:«وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا* قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي
[1]سورة العلق، الآية 4 و 5.
[2]سورة العنكبوت، الآية 48.
السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً»[1]فلم يسلم صلى الله عليه و آله من هذه التهمة رغم مجانبته للقراءة والكتابة؛ ولو افترض مطالعته للكتب وكتابتها لكانت حربة بيد خصوم الدعوة ولقالوا فيه ما شاءوا! يذكر أنّ النبي صلى الله عليه و آله توقف لدقائق حين كان في الثانية عشرة من عمره مع قافلة قريش عند راهب خلال مسيرته إلى الشام وقد استغل المستشرقون ذلك فأقاموا الدنيا واقعدوها ليزعموا بكل وقاحة أنّ محمداً إنّما تعلم كل هذه الحقائق من ذلك الراهب خلال تلك المدة الوجيزة.
4- يقول: قال القرآن بشأن النبي صلى الله عليه و آله:«رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً»[2]فظاهر الآية يشير إلى أنّ تلاوته للقرآن من خلال القراءة لا الحفظ.
الجواب:ممّا لا شك فيه أنّ حامل الوحي (جبرئيل) لم يكن يتلو القرآن قراءة، وكان يلقيه على القلب الطاهر للنبي (دون أن تكون هناك كتابة) حيث قال تعالى:«نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ»[3]ولابدّ أن يرى هنا تلك الكتابة التي زعم الكاتب المذكوركان النبي صلى الله عليه و آله يقرأها ماذا كانت؟ فهل سلم جبرئيل الأمين النبي كتابة؟
طبعاً هذا الأمر يتعارض صراحة مع الآية المذكورة؛ ذلك لأنّ قلب النبي وروحه القدسية كانت مركز نزول القرآن؛ فإمّا كان النبي يكتب، أو كان يملي والآخرون يكتبون وكان النبي صلى الله عليه و آله يتلو من خلال القراءة؟ قطعاً أنّ النبي كان يحفظ ما تنزل عليه من آيات.
فبإذن اللَّه لم يكن بحاجة لأن يكتب أو يملي ويكتب له آخر، وكتاب الوحي إنّما كانوا يكتبون القرآن لهم وللآخرين لا للنبي صلى الله عليه و آله. ومن هنا لم يرد في التواريخ والسير أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان يكتب القرآن، أو يأمر بأن يكتبوا له القرآن ويقرأه. وعلى هذا الأساس فإنّ
[1]سورة الفرقان، الآية 5 و 6.
[2]سورة البينة، الآية 2.
[3]سورة الشعراء، الآية 193 و 194.
المراد من تلاوة الصحف المطهرة في الآية هي التلاوة حفظاً، وتلاوة الصحيفة والذي يصطلح عليه ب «تلاوة الكتاب» تستعمل بكلا المعنيين- كتابة وحفظاً- في العرف واللغة.
وبناءً على هذا فلفظ «التلاوة» ليس دليلًا على القراءة والكتابة، ومن ذلك أننا نقول لمن يقرأ حفظاً لبعض أشعار المتنبي أنّه قرأ بضع أبيات من القصيدة الفلانية، كما نقول قرأ فلان البيان الذي اصدرته المؤسسة الدينية بمناسبة كذا وكذا، والحال لم يقرأه من خلال كتابة وكان يحفظه حفظاً. والآية المذكورة على غرار سائر الآيات النازلة بشأن النبي والتي تصفه بأنّه«يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ...»[1]وتتضح هذه الحقيقة سيما بالإلتفات إلى سيرة النبي الذي كان ديدنه تلاوة القرآن حفظاً.
5- ذكر الكاتب المذكور طائفة من الروايات والنصوص التاريخية تحت عنوان (النبي معلم) في أنّ النبي صلى الله عليه و آله ساند العلم والمعرفة والكتابة؛ على سبيل المثال أوجب طلب العلم وجعله فريضة على كل مسلم ومسلمة، حتى فضل طلاب العلم على المستغرقين في العبادات المندوبة، فبنى المراكز التعليمية «الصفة» التي كان يتعلم فيها المسلمون، وطلب من أسرى معركة بدر اطلاق سراحهم مقابل تعليم كل أسير منهم لعشرة من المسلمين.
ثم خلص بعد ذلك إلى هذه النتيجة: هل هناك من يعتقد أنّ ذاك الزعيم الذي يعيش كل هذا الحرص على العلم والتعليم أن يحرم نفسه من معطيات القراءة والكتابة؟!
الجواب:كل ما نقله الكاتب المحترم من الشواهد التاريخية والمصادر الإسلامية صحيح، لكنها لا تثبت مدّعاه (في أنّ النبي صلى الله عليه و آله كان يقرأ ويكتب قبل وبعد البعثة)؛ ذلك أن هنالك عدّة طرق وأساليب ليست خافية على احد في مساندة الإسلام للعلم والمعرفة.
والبحث هل استغل النبي الأكرم صلى الله عليه و آله قبل وبعد البعثة تلك القدرة ليمارس القراءة والكتابة خلافاً لما صرحت به الآية 48 من سورة العنكبوت؟ وهل كان اسلوب تعليم النبي على غرار المعلمين المعاصرين الذين يدرسون من خلال الكتاب؟ أم كان اسلوبه التعليمي على ضوء تلاوة الآيات القرآنية وتعليم الحلال والحرام وافاضة التعاليم الإسلامية واسداء النصح والإرشاد؟ للوقوف على المزيد بشأن (أمّية) النبي صلى الله عليه و آله يمكن الرجوع إلى كتاب (بين يدي مدرسة الوحي) الذي يخوض بالتفصيل في هذه القضية.
[1]سورة آل عمران، الآية 164.