احكام الخمس
نويسنده: آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي( دام ظله)
تاريخ وفات مؤلف: الفقه و الاصول
موضوع: احكام خمس
زبان: عربي
تعداد جلد: 1
ناشر: انتشارات المدرسى
مكان چاپ: تهران
سال چاپ: 1418
نوبت چاپ: اول
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
الخمس من الفرائض الالهية، ومسائله موضع إبتلاء جملة كبيرة من المؤمنين. وقد وفقنا الله سبحانه خلال هذا العام لبحث مسائله بصورة تفصيلية مع الأخوة الفضلاء في طهران. وكذلك وفقنا لكتابته ضمن سلسلة الوجيز التي نستعين الله على إتمامها لتشمل اكثر الابواب الفقهية المبتلى بها.
أسأل الله أن يفيد بها المؤمنين، وأن يجعل العمل بها مجزياً لديه، إنه ولي التوفيق.
محمد تقي المدرسي
طهران
5/ صفر الخير/ 1418 ه
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
لماذا الخمس؟
حينما شرح القرآن الكريم فريضة الخمس ربط السياق بينها وبين الايمان بالله والجهاد حيث قال الله سبحانه
وَاعْلَمُوا انَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَانَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللّهِ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(الانفال/ 41).
فالخمس- إذا- والجهاد صنوان وهما من حقائق الايمان. أوليس الايمان هو التسليم لله ولما أمر به الله سبحانه .. فمن إختار الايمان كان عليه تصديق ايمانه بالخمس.
وفي آيات الزكاة نجد أيضاً العلاقة بينها وبين الصلاة. كما نجد في آيات الجهاد أمراً صريحاً بالانفاق مما يهدي إلى أن قوام الدين بالصلاة؛ والانفاق والجهاد.
ولكن لماذا؟ لأن حقيقة الدين تجاوز الهوى الى الهدى، والتعالي فوق جواذب الدنيا إلى درجات الآخرة. وهذه الحقيقة
تتجلى عند المؤمن بمقاومة حب المال. وتطهير نفسه من جاذبية الدنيا، وتزكيتها من الشحّ وذلك بالانفاق. وهكذا سميَّ الانفاق في سبيل الله بالزكاة لإنها تزكي النفس. فقال الله سبحانه
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(التوبة/ 103).
وسميت بالصدقة في قوله سبحانهيَمْحَقُ اللّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(البقرة/ 276). لأن من يعطي ماله إبتغاء وجه الله، يصدّق بالدين، وبما نزل على الرسول من ثواب المتصدِّقين.
وسمي الانفاق في سبيل الله بالجهاد، فقال سبحانه
انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِامْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(التوبة/ 41).
لأن العطاء الخالص لله يعكس مجاهدة للنفس وشهواتها واخلادها الطبيعي إلى الارض، وما فيها من الشهوات العاجلة.
بينما الدين هو الخلاص من هوى النفس الى هدى الله، ومن دون هذا الخلاص يتثاقل المرء إلى الدنيا وشهواتها، ويعيش في زنزانة الذات وشح النفس، بينما المنفق في سبيل الله يتحرر من ذلك، ويكون من المفلحين حيث يقول الله سبحانه
وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسهِ فَأُوْلَئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(الحشر/ 9).
وهكذا كانت الصدقة المطلوبة قسمين؛ صدقة السرّ حيث يقاوم المؤمن بها حب الشهرة. وصدقة العلن حيث يقاوم لومة العاذلين الذين يخالفون الانفاق في سبيل الله، ممن يبخل ويأمر
غيره بالبخل فقال سبحانهالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(البقرة/ 274 (.
وكان شرط قبول الصدقة والانفاق في سبيل الله أن يكون خالصاً لوجهه حيث قال الله سبحانهإِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُوراً(الانسان/ 9).
وقد نهى ربنا عن العطاء الذي يرافقه المنّ والأذى فقال سبحانهالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواْ مَنّاً وَلآ أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِم وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(البقرة/ 262). وقال سبحانهيَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَاصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(البقرة/ 264).
ولأن الصدقة لله. والعطاء الحق انما هو ما يكون خالصاً لوجهه الكريم. حيث قال سبحانهلَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَانْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ الَّا ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(البقرة/ 272).
لذلك فإن مورد الانفاق عند المؤمن يتميز كلياً عن موارد إنفاق المرائين، فإذا انفق المرائي لمن يرجو منه جزاءً وشكوراً. أويرجو منه تذللًا وخضوعاً. فإن المؤمن ينفق للفقراء الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، حيث يقول سبحانهلِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ احْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لا يَسْالُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ(البقرة/ 273).
وبقدر ما إمتدح القرآن الكريم المنفقين ذم البخلاء، الذين يمنعون عن المحتاجين الماعون، قال سبحانه
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ* الَّذِينَ
هُمْ يُرَآءُونَ* وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ(الماعونِ/ 4- 7).
وذم الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل فقال سبحانه
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ(الحديد/ 24 (.
أما الذين يكنزون الذهب والفضّة فقد بشرهم الله بعذاب أليم.
حيث قال سبحانه
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنزْتُمْ لَانفُسِكُمْ فذُوقُوا مَاكُنْتُمْ تَكْنِزُونَ(التوبة/ 34- 35).
وأول ما يتضرر بالبخل هو الانسان نفسه، حيث أنه يحرمها من جزاء المنفقين في يوم القيامة، كما ويحرمها من فوائد التطهير والتزكية في الدنيا. فقال سبحانه
هَآ أَنتُمْ هَؤُلآءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم(محمد/ 38).
وقد واجه الكتاب تلك الوساوس الشيطانية التي يثيرها ابليس في النفس، ويزينها أتباعه في المجتمع، حيث يزعمون أن الانفاق على الفقراء إنما هو إنفاق على من أراد الله لهم الحرمان، وإلا كان الله يجعلهم أغنياء، فقالواوَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشَآءُ الله أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(يس/ 47 (.
وذهب الغرور ببعضهم الى درجة القول بأن الله فقير وأنهم اغنياء، فقال الله سبحانه
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(آل عمران/ 181 (.
وهكذا كان ثواب المنفقين في سبيل الله عظيماً، لانهم طردوا الشيطان من داخل أنفسهم، وواجهوا وساوسه في القلب، وثقافته في المجتمع، وتحدوا شح النفس، فضاعف الله لهم الثواب.
وقال سبحانه
مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِاْئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(البقرة/ 261).
ونعود ونسأل لماذا الخمس؟ والجواب لأنه إنفاق في سبيل الله، والانفاق صدقة وجهاد وتطهير للنفس من شحها، وتزكية لها من حب الدنيا، وبالتالي الخمس حقيقة يتجلى بها إيمان الانسان بالله العظيم سبحانه.