فعليكم باختيار أفضل ما عندكم، سواء ما حصلتم عليه بالجهد، كالمال والبناء وما صنعتم بأيديكم، او مالم تصرفوا فيه جهداً، كالزرع والضرع .. المهم أن تختاروا أفضل أموالكم لتقدموه لله، ولا تتوجهوا نحو الخبيث لتختاروه للإنفاق. وفكّروا لو انعكس الأمر، وكنتم أنتم الفقراء، فهل كنتم تقبلون بهذا الخبيث؟.
3/ آثار الإنفاق
ثم يحذِّرنا القرآن من الاستجابة لايحاءات الشيطان الذي ينادينا من داخل أنفسنا بأن لاتنفقوا لأنكم سوف تصبحون فقراء لو أنفقتم
الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللّهُ يَعِدُكُم مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ* يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ اوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلآَّ اوْلُواْ الأَلْبَابِ(البقرة/ 268- 269)
كلا .. إنّ الإنفاق يدوِّر الثروة بين الناس، ويسبّب إنتعاش الإقتصاد، وبالتالي استفادة الجميع، وحتى يدعوكم الله الى العطاء، فإنه يدعوكم الى أفضل منه. ومن جهة أخرى، فإن الشيطان يخوِّفكم من الفقر، فتمسكون أيديكم فيكرهكم الناس، وتنتشر البغضاء، وتتولد منها الفحشاء، أوليس الأفضل هو الإنفاق حتى تنتشر المحبة والوئام بدل الحقد والكراهية.
إن تأثير العطاء في الرخاء الاقتصادي، تأثير فطري ترعاه سنة الله في الحياة، سواءً علم الناس بالعطاء والانفاق أم لا، لأن علم الناس بذلك او جهلهم ليس له أثر في مدى تأثير العطاء والانفاق في نمو الاقتصاد.
4/ كتمان الإنفاق
ويكفي أن الله يعلم بذلك، إذ هو الذي يضاعف الثروة بالإنفاق لا الناس، يقول الله تعالى
وَمَآ أَنْفَقْتُم مِن نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِن نَذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ(البقرة/ 270)
وهكذا مهَّدت هذه الآية للحديث عن كتمان الانفاق، فمادام الإنفاق في سبيل الله وليس بهدف الاستعلاء على الناس، فهو عمل صالح ولا يضره علم الناس به، ولكن كتمانه أفضل لأنه يبعد العمل عن هواجس النفس ووساوس الشيطان
إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُم مِن سَيِّاتِكُم وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(البقرة/ 271)
ولأن الإنفاق ينبغي أن يكون في سبيل الله، فليست القيادة الاسلامية إلّا قناة للمال المُنفَق توصله الى مستحقيه، وهي ليست مسؤولة عن إنفاق الاغنياء أكثر من ذلك، إنما المسؤول الأول عن أعمال الشخص هو ذاته، لأن فوائده وأضراره تصيبه مباشرة
لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَانْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ الَّا ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(البقرة/ 272)
5/ مصارف الإنفاق
ويبقى السؤال: أين ننفق الأموال؟. ولمن؟
تجيب الآية الكريمة على ذلك
لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ احْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لا يَسْالُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ(البقرة/ 273)
والكلمة الأخيرة هي: أن على الانسان ان لايضع حداً لإنفاقه في سبيل الله، بل عليه ان ينفق كلما وجد ثغرة في المجتمع ويكون مِن
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(البقرة/ 274)
الإنفاق والصدقات في السنة الشريفة
وقد قام الرسول العظيم صلى الله عليه وآله، وأئمة الهدى من بعده بترغيب المسلمين في الإنفاق والتصدق، وقد رويت عنهم أحاديث جمة في هذا المجال نقتطف بعضاً منها وهي التي تبين لنا الخطوط العامة في الإنفاق والصدقات
آثار الصدقة
1- قال رسول الله صلى الله عليه وآله:"
الصدقة تدفع ميتة السوء".[1]
2- وقال ايضاً:"
تصدّقوا فإن الصدقة تزيد في المال كثرة، فتصدّقوا رحمكم الله."[2]
3- وروى زرارة عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال في حديث:"
استنزلوا الرزق بالصدقة، من أيقن بالخلف جاد بالعطية، إنّ الله ينزل المعونة على قدر المؤنة."[3]
[1]وسائل الشيعة، ج 6، كتاب الزكاة، أبواب الصدقة، الباب 1، ص 255، ح 2
[2]المصدر، الباب 1، ص 257، ح 8
[3]المصدر، ح 11.
4- وقال الامام الصادق عليه السلام:"
داووا مرضاكم بالصدقة، وادفعوا البلاء بالدعاء، واستنزلوا الرزق بالصدقة، فإنها تفك من بين لحى سبعمأة شيطان ..."[1]
5- وقال النبي صلى الله عليه وآله:"
خير مال المرء وذخائره الصدقة."[2]
6- وقال صلى الله عليه وآله ايضاً:"
باكروا بالصدقة، فمن باكر بها لم يتخطاها البلاء."[3]
كمال الايمان
7- قال المفضّل بن عمر: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام يقول:"
لا يكمل إيمان العبد حتى يكون فيه اربع خصال: يحسن خلقه، وتسخو نفسه، ويمسك الفضل من قوله، ويخرج الفضل من ماله."[4]
يد الله
8- قال رسول الله صلى الله عليه وآله:"
الأيدي ثلاثة فيد الله العلياء، ويد المُعطي التي تليها، ويد السائل السُفلى، فأعط الفضل ولا تعجز نفسك".[5]
ولو بالقليل
9- عن الامام الصادق عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:"
تصدّقوا ولو بصاع من تمر، ولو ببعض صاع، ولو بقبضة، ولو بتمرة، ولو
[1]وسائل الشيعة، ج 6، كتاب الزكاة، أبواب الصدقة، الباب 3، ص 260، ح 1
[2]المصدر، الباب 1، ص 257، ح 14
[3]المصدر، الباب 1، ص 257، ح 15
[4]المصدر، الباب 1، ص 259، ح 21
[5]المصدر، الباب 5، ص 263، ح 4.
بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن أحدكم لاقي الله فقائل له: ألم أفعل بك؟. ألم أجعلك سميعاً بصيراً؟. ألم أجعل لك مالًا وولداً؟ فيقول: بلى، فيقول الله تبارك وتعالى: فانظر ما قدمت لنفسك. فينظر قدّامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يجد شيئاً يقي به وجهه من النار.[1]
لقمة بلقمة
10- قال الامام الرضا عليه السلام:"
ظهر في بني اسرائيل قحط شديد سنين متواترة، وكان عند امرأة لقمة من خبز، فوضعته في فمها لتأكله، فنادى السائل: يا أمة الله الجوع، فقالت المرأة: أتصدّق في مثل هذا الزمان، فأخرجتها من فيها ودفعته الى السائل، وكان لها ولد صغير يحتطب في الصحراء فجاء الذئب فحمله، فوقعت الصيحة، فعَدَت الأم في أثر الذئب، فبعث الله عز وجل جبرئيل فأخرج الغلام من فم الذئب فدفعه الى أمه، ثم قال لها: يا أمة الله أرضيت؟. لقمة بلقمة.[2]
الله يتلقفها
11- روي عن ابي عبد الله الصادق عليه السلام: إن الله يقول: ما من شيء إلّا وقد وكّلت به من يقبضه غيري إلّا الصدقة فإني أتلقفها بيدي تلقفاً، حتى أن الرجل يتصدَّق بالتمرة، او بشق تمرة فأربيها له كما يربي
الرجل فلوه وفصيله، فيأتي يوم القيامة وهو مثل احُد وأعظم من احُد.[3]
[1]وسائل الشيعة، ج 6، كتاب الزكاة، أبواب الصدقة، الباب 7، ص 264، ح 1
[2]المصدر، الباب 7، ص 264، ح 4
[3]المصدر، ص 265، ح 7.
بكّروا بها
12- روي عن أبي ولّاد أنه قال: سمعتُ أبا عبد الله عليه السلام يقول:"
بكّروا بالصدقة، وارغبوا فيها، فما من مؤمن يتصدق بصدقة يريد بها ما عند الله ليدفع الله بها عنه شرّ ما ينزل من السماء الى الارض في ذلك اليوم، إلّا وقّاه الله شر ما ينزل من السماء الى الارض في ذلك اليوم."[1]
ترد القضاء
13- جاء في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام:"
يا علي، الصدقة ترد القضاء الذي قد ابرِم إبراماً. يا علي صلة الرحم تزيد في العمر. يا علي لا صدقة وذو رحم محتاج. يا علي لا خير في القول إلّا مع الفعل، ولا في الصدقة إلّا مع النية."[2]
تدفع ميتة السوء
14- قال الامام الصادق عليه السلام:" مرَّ يهودي بالنبي صلى الله عليه وآله فقال: السام عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: عليك. فقال أصحابه: إنما سلَّم عليك بالموت، قال: الموت عليك. قال النبي صلى الله عليه وآله: وكذلك رددت، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله: ان هذا اليهودي
يعضّه أسود[3]في قفاه فيقتله. فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله، ثم لم يلبث أن انصرف، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ضعه، فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود.
[1]وسائل الشيعة، ج 6، كتاب الزكاة، أبواب الصدقة، الباب 8، ص 267، ح 3
[2]المصدر، الباب 8، ص 267، ح 4
[3]الأسود يطلق على الحية والعقرب.
فقال: يا يهودي أي شيء عملت اليوم؟. فقال: ما عملتُ عملًا إلّا حطبي هذا احتملته فجئت به وكان معي كعكتان فأكلتُ واحدة وتصدّقت بواحدة على مسكين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بها دفع الله عنه، وقال: الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان؟[1]
15- قال محمد بن مسلم: كنتُ مع أبي جعفر عليه السلام في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله فسقطت شرفة من شُرف المسجد فوقعت على رجل فلم تضره وأصابت رجله، فقال أبو جعفر عليه السلام: سلوه أي شيء عمل اليوم، فسألوه فقال: خرجت وفي كمي تمر، فمررت بسائل فتصدقت عليه بتمرة، فقال أبو جعفر عليه السلام: بها دفع الله عنك.[2]
تدفع النحوس
16- روي عن ابي عبد الله عليه السلام أنه قال:" كان بيني وبين رجل قسمة أرض. وكان الرجل صاحب نجوم، وكان يتوخّى ساعة السعود فيخرج فيها وأخرج أنا في ساعة النحوس، فاقتسمنا فخرج لي خير القسمين، فضرب الرجل يده اليُمنى على اليُسرى، ثم قال: ما رأيتُ كاليوم قط، قلت: ويل الآخر وما ذاك؟ قال: إني صاحب نجوم أخرجتك في ساعة النحوس وخرجت أنا في ساعة السعود ثم قسّمنا فخرج لك خير القسمين،
فقلت: ألا احدِّثك بحديث حدّثني به ابي؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سرّه أن يدفع الله عنه نحس يومه فليفتتح يومه بصدقة يذهب
[1]وسائل الشيعة، ج 6، كتاب الزكاة، أبواب الصدقة، الباب 9، ص 268، ح 3
[2]المصدر، الباب 9، ص 269، ح 6.