وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ وَإِبَاحهُ لِلْجُنُبِ التَّيَمُّمَ وَإِبَاحَتُهُ لِمَنْ لَا مَاءَ مَعَهُ إِتْيَانَ أَهْلِهِ وَلَمَّا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ نَظَرْنَا هَلْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ؟ فَوَجَدْنَا
120 - مُحَمَّدَ بْنَ خُزَيْمَةَ قَدْ حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بَجْدَانَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُنَيْمَةٌ مِنْ غَنَمِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِي: " يَا أَبَا ذَرٍّ، ابْدُ فِيهَا وَكُنْتُ تُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ، فَأَمْكُثُ الْخَمْسَ أَوِ السِّتَّ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَعَا لِي بِعَسٍّ مِنْ مَاءٍ فَاسْتَتَرْتُ بِالرَّاحِلَةِ فَاغْتَسَلْتُ، فَكَأَنِّي أَلْقَيْتُ عَنِّي جَبَلًا، فَقَالَ: " يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وُضُوءٌ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكَ "
121 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " غَنَمٌ "، وَلَمْ يَقُلْ: " مِنَ الصَّدَقَةِ "، وَغَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ
122 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ السَّكَنْدَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُرَيْكُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بَجْدَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ بَشْرَتَكَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكَ "
123 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَيْسَرَةَ الْمُنَقِّرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، قَالَ: أَسْرَى بِنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنِمْنَا فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ إِلَّا بِحَرِّ الشَّمْسِ، فَاسْتَيْقَظَ مِنَّا سِتَّةٌ وَقَدْ نَسِيتُ أَسْمَاءَهُمْ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَجَعَلَ يَمْنَعُهُمْ أَنْ يُوقِظُوهُ، وَيَقُولُ: لَعَلَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ احْتَبَسَهُ فِي حَاجَتِهِ، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُكَبِّرُ حَتَّى اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَتْ صَلَاتُنَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَمْ تَذْهَبْ صَلَاتُكُمْ، ارْتَحِلُوا مِنْ هَذَا الْمَكَانِ، فَسَارَ قَرِيبًا، ثُمَّ
نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَتَمَّ صَلَاتَكُمْ " فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانًا لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا فَقَالَ: " مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ فَقَالَ: " تَيَمَّمْ بِالصَّعِيدِ فَصَلِّ، فَإِذَا قَدَرْتَ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسِلْ " فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ إِبَاحَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْجُنُبِ الَّذِي لَا يَجِدُ الْمَاءَ التَّيَمُّمَ، وَإِقَامَتُهُ فِي الطَّهَارَةِ لِلْجَنَابَةِ كَهُوَ لِلطَّهَارَةِ مِنَ الْأَحْدَاثِ سِوَاهَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَزُفَرَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ بِطَهَارَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَتَوَاتَرَتْ بِذَلِكَ الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتَعْمَلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَلِكَ بَعْدَهُ، غَيْرُ
طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَرَكَتْ ذَلِكَ وَذَهَبَتْ إِلَى أَنَّ فَرْضَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَا فِي الرِّجْلَيْنِ مَا أفَرَضَهُ فَيهِمَا، نَاسِخٌ لِذَلِكَ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا
124 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُوَانَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " مَسَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَسُئِلَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَقَبْلَ الْمَائِدَةِ أَوْ بَعْدَ الْمَائِدَةِ؟ وَاللهِ مَا مَسَحَ بَعْدَ الْمَائِدَةِ، وَلَأَنْ أَمْسَحَ عَلَى ظَهْرِ غُبَّرَ بِالْفَلَاةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْسَحَ عَلَيْهِمَا " وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ لِلَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى إِثْبَاتِ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
125 - حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، قَالَ: رَأَيْتُ جَرِيرًا تَوَضَّأَ مِنَ الْمَطْهَرَةِ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَتَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ " كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ يُعْجِبُ أَصْحَابَ عَبْدِ اللهِ لِأَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ
126 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
هَمَّامٍ، قَالَ: بَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبُجَلِيُّ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، وَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ بُلْتَ؟، فَقَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ " قَالَ الْأَعْمَشِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ
127 - حَدَّثَنا فَهْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَامِرٍ الْبُجَلِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، قَالَ: " بَالَ جَرِيرٌ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَعَابَ عَلَيْهِ قَوْمٌ، وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ الْمَائِدَةِ، فَقَالَ: مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، وَمَا رَأَيْتُ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بَعْدَ مَا أُنْزِلَتْ " وَلَمَّا كَانَ فِي مَسْحِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُفَّيْهِ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ مِنَ الِاخْتِلَافِ مَا قَدْ ذَكَرْنَا كَانَ الَّذِينَ رَوَوْا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بَعْدَ نُزُولِهَا أَوْلَى، لِأَنَّ مَعَهُمُ الْإِخْبَارَ بِالْوُقُوفِ عَلَى مَسْحِهِ بَعْدَ نُزُولِهَا، وَالَّذِينَ رَوَوْا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمْسَحْ بَعْدَ نُزُولِهَا نَفَوْا مَا قَدْ أَثْبَتَ الْأَوَّلُونَ، وَأَصْحَابُ الْإِثْبَاتِ فِي هَذَا أَوْلَى مِنْ أَصْحَابِ النَّفْيِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ جَعَلَ عَبْدَهُ حُرًّا إِنْ دَخَلَ زَيْدٌ هَذِهِ الدَّارَ، ثُمَّ مَاتَ زَيْدٌ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَهَا وَلَمْ يَدْرِ أَدَخَلَهَا قَبْلَ الْيَمِينِ أَمْ بَعْدَهَا؟ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ دَخَلَهَا قَبْلَ الْيَمِينِ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ دَخَلَهَا بَعْدَ الْيَمِينِ، أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى إِثْبَاتِ الدُّخُولِ بَعْدَ الْيَمِينِ أَوْلَى مِنَ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى نَفْيِهِ وَكَذَلِكَ الْمُخْبِرُونَ عَنِ الْمَسْحِ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ أَوْلَى مِنَ الْمُخْبِرِينَ بِنَفْيِهِ بَعْدَ نُزُولِهَا، وَتَرَكْنَا أَنْ يَنْقَضِيَ مَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْآثَارِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بِالتَّوْقِيتِ الْمَذْكُورِ فِيهِ، وَالْآثَارِ بِالْمَسْحِ الَّذِي لَا تَوْقِيتَ فِيهِ، لِأَنَّا قَدِ اسْتَقْصَيْنَا ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي كِتَابِنَا الْمُؤَلَّفِ فِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ وَأَتَيْنَا هَاهُنَا مِنْهُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الَّتِي تَكْفِي
مِنْهُ، وَتَرَكْنَا مَا سِوَاهَا وَحُجَّةٌ أُخْرَى أَنَّهُمْ لَنْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ كَانَ جَعَلَ طَهَارَةَ الْقَدَمَيْنِ إِذَا كَانَتَا فِي الْخُفَّيْنِ، كَمَا جَعَلَ غَسْلَهُمَا إِذَا كَانَتَا بَادِيَتَيْنِ طَهَارَةً لَهُمَا
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي ارْتِفَاعِ ذَلِكَ وَفِي نَسْخِهِ بِنُزُولِ الْمَائِدَةِ، فَقَالَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ مَا قَدْ حَكَيْنَاهُ عَنْهُ فِيهِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ هُوَ لُزُومُ مَا قَدْ أُجْمِعَ عَلَى وُجُوبِهِ حَتَّى يُعْلَمَ نَسْخُهُ، وَلَمْ يَحْكِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّاسِ بَعْدَ مَا أُنْزِلَتِ الْمَائِدَةُ، أَنَّهَا قَدْ نَسَخَتِ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَلَا فِي ظَاهِرِهَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ الْقَدَمَيْنِ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا أَمَرَ بِهِ فِيهِمَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ إِذَا كَانَتَا بَادِيَتَيْنِ، لَا إِذَا كَانَتَا معنيتين فِي الْخُفَّيْنِ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى أَيْدِي كُلِّ السُّرَّاقِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى خَاصٍّ مِنْهَا عَلَى مَا بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ، وَكَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ الزُّنَاةِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى الزُّنَاةِ الَّذِينَ بَيَّنَتِ فَيْهِمُ السُّنَّةُ مَا بَيَّنَتْ
تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى}
قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} فَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا عَزَّ وَجَلَّ مَا الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، هَلْ هُوَ الصَّلَاةُ فِي عَيْنِهَا أَوْ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ مِنَ الْمَسْجِدِ وَالْمُصَلَّى؟، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ
128 - قَدْ حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} ، قَالَ: " النَّوْمُ " وَهَذَا الْقَوْلُ فَلَمْ نَعْلَمْهُ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ الضَّحَّاكِ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ النَّهْيَ الَّذِي فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقَعَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي عَيْنِهَا، وَقَدْ رُوِيَ فِي تَأْوِيلِهَا وَجْهٌ غَيْرُ هَذَا وَهُوَ
129 - أَنَّ عَبْدَ اللهِ حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: دَعَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلِيًّا، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَأَصَابُوا مِنَ الْخَمْرِ، فَقَدَّمُوا عَلِيًّا فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقَرَأَ: {قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} فَخَلَطَ فِيهَا فَنَزَلَتْ: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} ، فَهَذَا الْحَدِيثُ عَلَى السُّكْرِ مِنَ الشَّرَابِ، وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَالنَّهْيُ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي عَيْنِهَا وَقَدْ رُوِيَ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ
الْآيَةِ أَيْضًا مَا
130 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، قَالَ: " اللهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} فَدَعَا عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} ، وَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ نَادَى: لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانٌ، فَدَعَا عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ، فَدَعَا عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَ: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: انْتَهَيْنَا " فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مِثْلُ مَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَنَّ السُّكْرَ الْمُرَادَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ السُّكْرُ مِنَ الْخَمْرِ، وَأَنَّ النَّهْيَ الَّذِي فِيهَا وَقَعَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي عَيْنِهَا، وَكَانَ خَبَرُ عُمَرَ لِاتِّصَالِهِ أَوْلَى مِمَّا رَوَيْنَاهُ عَنِ الضَّحَّاكِ، وَفِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ نَسْخٌ لِهَذَا الْمَعْنَى فِي خَبَرِ عُمَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَلَّا يَقْرَبَ الصَّلَاةَ مَعَ شَاغِلٍ لَهُ عَنْهَا، لِتَكُونَ الصَّلَاةُ إِذَا دَخَلَ فِيهَا هَمَّهُ، لَا هَمَّ لَهُ غَيْرُهَا، وَلَا شَاغِلَ لَهُ عَنْهَا
تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ}
قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} ، فَأَحَطْنَا عِلْمًا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الصَّلَاةَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ، فَقَوْلُهُ: {إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} وَلَا يَكُونُ فِي
الصَّلَاةِ بِعَيْنِهَا عُبُورُ سَبِيلٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَمِمَّا رُوِيَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ مَا
131 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} ، قَالَ: " لَا تَدْخُلِ الْمَسْجِدَ وَأَنْتَ جُنُبٌ، إِلَّا وَأَنْتَ عَابِرَ سَبِيلٍ " فَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مُسَافِرٌ دُونَ مُقِيمٍ، وَلَا مُقِيمٌ دُونَ مُسَافِرٍ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَاهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ عَنَى بِهِ الْمُسَافِرَ
132 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي مِحْلِزٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} ، قَالَ: " هُوَ الْمُسَافِرُ
133 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَزْدِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْأَزْدِيِّ، عَنْ سَلْمٍ الْعَلَوِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فِي قَوْلِهِ: {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي} ، قَالَ: " يَجْتَازُ وَلَا يَجْلِسُ " وَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى الضَّرُورَةِ مِنْهُ إِلَى ذَلِكَ وَعَلَى أَلَّا طَرِيقَ لَهُ إِلَى مَا يُرِيدُ إِلَّا فِيهِ كَمَا قَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ،
134 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} ، قَالَ: إِذَا لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا غَيْرَهُ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى مَوْضِعِ الْمَاءِ الَّذِي يَغْتَسِلُ بِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ كَمَا قَدْ رُوِيَ فِيهِ عَنْ مُجَاهِدٍ، فَإِنَّهُ
135 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ " {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} ، قَالَ: مُسَافِرِينَ لَا يَجِدُونَ مَاءً
وَلَمَّا كَانَتِ الْمَسَاجِدُ إِنَّمَا بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ، وَلِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَلِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا، لَا لِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِ النَّاسِ، وَنُهِيَتِ الْحَائِضُ عَنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، إِذْ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَفْعَلَ فِيهِ مَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ مَنْ أَجْلِهِ، حَتَّى قِيلَ لَهَا إِذَا كَانَتْ حَاجَّةً فَحَاضَتْ: افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
136 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عِنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرَفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: " مَا يُبْكِيكِ، لَعَلَّكِ نَفِسْتِ " فَقُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: " فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ "
137 - حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: " مَا لَكِ تَبْكِينَ؟ " قَالَتْ: أَبْكِي لِأَنَّ النَّاسَ حَلُّوا وَلَمْ أَحْلِلْ، وَطَافُوا بِالْبَيْتِ وَلَمْ أَطُفْ، وَهَذَا الْحَجُّ قَدْ حَضَرَ كَمَا تَرَى، فَقَالَ: " هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، ثُمَّ حِجِّي وَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ وَلَا تُصَلِّي " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَمُنِعَتْ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، وَخُولِفَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ سَائِرِ أَفْعَالِ الْحَجِّ الَّتِي تُفْعَلُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا كَانَتِ الْحَائِضُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَنْعِ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ كَانَ الْجُنُبُ فِي ذَلِكَ مِثْلَهَا، وَكَانَ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ مِنْ عُبُورِ السَّبِيلِ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَا
عِنْدَ الضَّرُورَةِ إِلَى دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْحَاجَةِ مِنْهُ إِلَى ذَلِكَ، كَهُوَ إِذَا أَجْنَبَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَلَا يَجِدُ مَاءً إِلَّا مِنْ بِئْرٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَيَتَيَمَّمُ لِيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ طَاهِرًا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ طَهَارَةَ ضَرُورَةٍ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْمَاءِ، فَيَغْتَسِلَ بِهِ الْغُسْلَ الَّذِي يُطَهِّرُهُ مِنْ جَنَابَتِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، وَلَا طَرِيقَ لَهُ إِلَيْهِ إِلَّا مِنَ الْمَسْجِدِ لَمْ يُبَحْ لَهُ أَنْ يَجْتَازَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ بِالتَّيَمُّمِ الَّذِي ذَكَرْنَا لِيَكُونَ مُجْتَازًا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى طَهَارَةِ تَيَمُّمٍ، لَا عَلَى جَنَابَةٍ لَمْ يَتَطَهَّرْ مِنْهَا، وَهَذَا عِنْدَنَا مَعْنَى حَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى
138 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَلِيٍّ، {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} ، " قَالَ: نَزَلَتْ فِي الْمُسَافِرِ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ فَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي " هَكَذَا وَجَدْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِنَا، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَنَا فَيَتَيَمَّمُ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي، وَلَوْلَا أَنَّ الْآثَارَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْبَابِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ {لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} بَيَّنَتْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الصَّلَاةُ فِي عَيْنِهَا لَكِانَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا هُوَ مَوْطِنُهَا الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ، وَهُوَ الْمَسَاجِدُ، لِأَنَّهُ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} ، {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} ، {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} إِذَا كُنْتُمْ سُكَارَى وَ {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} إِذَا كُنْتُمْ جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ فِي الْجَنَابَةِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا فِي تَيَمُّمِ الْجُنُبِ عِنْدَ إِرَادَتِهِ دُخُولَ الْمَسْجِدِ لِلضَّرُورَةِ، قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ سِوَاهُمْ وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ مِمَّنْ لَمْ نَجِدْ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ مَا يُوَافِقُ مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، كَأَنَّهُ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَا جُنُبًا حَتَّى تَغْتَسِلُوا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ يَعْنِي: إِذَا كَانُوا أَبْنَاءَ
سَبِيلٍ مُسَافِرِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا عَلَيْهِمْ إِذَا كَانُوا كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} الْآيَةُ وَهَذَا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ فِي الْمَعْنَى، وَالْمُتَقَدِّمُونَ كُلُّهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٌ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِمَّنْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ عَلَى خِلَافِ هَذَا التَّأْوِيلِ
تَأْوِيلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ}
قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} ،