تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}
قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} ، فَقَوْلُهُ: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} نِهَايَةٌ لِمَا نُهُوا عَنْهُ لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ مِنَ الْمَحِيضِ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} وَكَمَا قَالَ: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ} وَكَانَتْ هَذِهِ نِهَايَاتٌ لِمَا قَدَّرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا مَا ذَلِكَ الطُّهْرُ؟ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا إِبْرَاهِيمَ بْنَ مَرْزُوقٍ
173 - قَدْ حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} ، قَالَ: " حَتَّى يَطْهُرْنَ مِنَ الدَّمِ، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ، قَالَ: اغْتَسَلْنَ " وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَانْقِطَاعُ الدَّمِ وَلَيْسَ بَطُهْرٍ فِي نَفْسِهِ لِأَنَّهَا وَإِنْ خَرَجَتْ بِهِ مِنَ الْحَيْضِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مُبَاحٍ لِزَوْجِهَا جِمَاعُهَا، وَغَيْرُ مُبَاحٍ لَهَا الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلَ بِالْمَاءِ أَوْ تَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى {حَتَّى يَطْهُرْنَ} وَاللهُ أَعْلَمُ، أَيْ: حَتَّى يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَتَطَهَّرْنَ بِمَا يَطْهُرْنَ بِهِ مِنَ الْمَاءِ أَوِ الصَّعِيدِ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي حَالِ حَيْضِهَا لَوِ اغْتَسَلَتْ لَمْ تَخْرُجْ بِذَلِكَ الْغُسْلِ إِلَى طَهَارَةٍ، وَهِيَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ عَنْهَا تَكُونُ طَاهِرًا بِالْغُسْلِ بِالْمَاءِ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُ هَذَا فِي اللُّغَةِ وَفِي الْكَلَامِ الْمُسْتَعْمَلِ الْمُتَعَارَفِ مِنْهَا، وَهُوَ قَوْلُهُمْ
لِلْمُطَلَّقَةِ: إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا قَدْ حَلَّتْ لِلرِّجَالِ لَيْسَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ وَطْئَهَا قَدْ حَلَّ لَهُمْ، وَلِأَنَّهَا صَارَتْ بِذَلِكَ زَوْجَةً لِبَعْضِهِمْ، وَلَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ قَدْ حَلَّ لَهُمْ تَزْوِيجُهَا الَّذِي بِهِ تَحِلُّ لَهُمْ حَتَّى تَعَالَى ذَلِكَ إِلَى لُغَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي عِدَّتِهَا: " إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي " وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ " لَيْسَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ قَدْ حَلَّ صَارَ حَلَالًا كَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا، وَلَكِنْ عَلَى مَعْنَى فَقَدْ حَلَّ لَهُ أَنْ يَحِلَّ أَيْ: يَبْعَثُ بِهَدْيٍ فَيَحِلُّ بِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعَثَ بِهَدْيٍ بِغَيْرِ كَسْرٍ وَلَا عَرَجٍ وَلَا عَدْوٍ فَيُجْزِئُ عَنْهُ لَمْ
يَكُنْ بِذَلِكَ حَلَالًا فَلَمَّا كَانَ الْكَسْرُ وَالْعَرَجُ هُمَا يُبِيحَانِهِ أَنْ يَبْعَثَ بِهَدْيٍ يَحِلُّ بِهِ قِيلَ لَهُمَا: أَيُّهُمَا حَلَّ لَهُ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي كَانَ الِاغْتِسَالُ فِي حَالِ حَيْضِهَا لَا يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ، وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ عَنْهَا وَصَارَتْ فِي حَالِ مَنْ يُطَهِّرُهَا اغْتِسَالُهَا قُبِلَ لِمَا صَارَتْ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ طُهْرُهَا
تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} الْآيَةِ
قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} فَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا ذَلِكَ الطُّهْرَ وَلَا كَيْفِيَّتَهُ، وَأَمَّا التَّطْهِيرُ فَكَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا، وَأَمَّا كَيْفِيَّتُهُ فَمُبَيَّنٌ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
174 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ صَدَقَةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: دَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ سَكَنٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَغْسِلُ إِحْدَانَا إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْمَحِيضِ؟ قَالَ: " تَأْخُذُ سِدْرَهَا وَمَاءَهَا فَتَوَضَّأُ وَتَغْسِلُ رَأْسَهَا وَتُدَلِّكُهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ شُئُونَ شَعْرِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَى جَسَدِهَا، تَأْخُذُ مِنْ صَبِّهَا أَوْ فِرْصَتِهَا فَتَطْهُرُ بِهَا " فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟، فَقَالَ: " تَطَهَّرِي بِهَا " قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَرَفْتُ الَّذِي يَكْنِي عَنْهُ، فَقُلْتُ لَهَا: تَتَبَّعِي بِهَا آثَارَ الدَّمِ وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاءُ مَعْدُومًا فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ بَيَّنَ لَنَا فِي الْجُنُبِ فِي حَالِ وُجُودِ الْمَاءِ مَا قَدْ بَيَّنَهُ لَنَا فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُنَنِهِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} ، وَكَانَ قَدْ أَوْجَبَ عَلَى الْحَائِضِ عِنْدَ طُهْرِهَا مِنْ حَيْضِهَا
التَّطَهُّرَ بِقَوْلِهِ: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} كَمَا أَوْجَبَ عَلَى الْجُنُبِ التَّطَهُّرَ بِقَوْلِهِ: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ الطُّهْرَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} ، وَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّ
الْجُنُبَ يَتَيَمَّمُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، فَلَمَّا كَانَتِ الْحَائِضُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ عَنْهَا فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا فِي حَالِ وُجُودِ الْمَاءِ كَالْجُنُبِ كَانَتْ كَهُوَ فِي حَالِ عَدَمِ الْمَاءِ، وَكَمَا كَانَ الصَّعِيدُ خَلَفًا لِهُ فِي الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ، كَانَ لِذَلِكَ الصَّعِيدُ خَلَفًا لَهَا فِي الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ، وَزُفَرَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ
تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ}
قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا فِي كِتَابِهِ مَا ذَلِكَ الْإِتْيَانُ؟ فَنَظَرْنَا فِيهِ مَا هُوَ؟ فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ
175 - قَدْ حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ فِي قَوْلِهِ: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} قَالَ: مِنْ حَيْثُ تَطَهَّرَتْ
176 - حَدَّثَنَا أَبُو شُرَيْحٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: " {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} ، قَالَ: أُمِرُوا أَنْ يَأْتُوا مِنْ حَيْثُ نُهُوا عَنْهُ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى إِبَاحَةِ إِتْيَانِهِنَّ طَاهِرَاتٍ مِنْ حَيْثُ نُهُوا عَنْ إِتْيَانِهِنَّ فِي حَالِ الْحَيْضِ وَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} عَلَى إِيجَابِ إِتْيَانِهِنَّ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ عَلَى إِطْلَاقِ ذَلِكَ لَهُمْ مِنْهُنَّ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنِ الْبَيْعِ بَعْدَ النِّدَاءِ لِلْجُمُعَةِ: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ} ، لَيْسَ عَلَى إِيجَابِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ عَلَى إِبَاحَتِهِ إِيَّاهُ لَهُمْ بَعْدَ حَظْرِهِ الَّذِي كَانَ حَظَرَهُ عَلَيْهِمْ، وَكَمَا قَالَ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ لِصَيْدِ الْبَرِّ عَلَى الْمُحْرِمِينَ: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} وَلَيْسَ عَلَى إِيجَابِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ عَلَى إِبَاحَتِهِ ذَلِكَ لَهُمْ، وَعَلَى مَعْنَى إِطْلَاقِهِ لَهُمْ مَا قَدْ كَانَ حَظَرَهُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ
يَحِلُّوا وَسَنَأْتِي بِذَلِكَ وَبِالرِّوَايَاتِ فِيهِ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ كِتِابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى وَاللهُ الْمُوَفِّق ُ
تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}
قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} ، فَكَانَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} مِنَ الْمُحْكَمِ، لِأَنَّهُ مَعْقُولٌ أَنَّهُمُ التَّوَّابُونَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَكَانَ قَوْلُهُ: {وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} مِنَ الْمُتَشَابِهِ الْمُحْتَمِلِ لِلتَّأْوِيلِ فَطَلَبْنَا الْقَوْلَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ
177 - فَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} قَالَ: " التَّوَّابِينَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمُتَطَهِّرِينَ بِالْمَاءِ " فَفِي هَذَا أَنَّ الطَّهَارَةَ الَّتِي أَحَبَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ
178 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، فِي قَوْلِهِ: " {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} ، قَالَ: مِنَ الذُّنُوبِ، فَفِي هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ الطَّهَارَةَ الَّتِي أَحَبَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ هِيَ الطَّهَارَةُ مِنَ الذُّنُوبِ
179 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عِاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: " التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} فَإِذَا أَحَبَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدًا لَمْ يَضُرَّهُ ذَنْبُهُ " فَهَذَا أَمْثَلُ التَّأْوِيلِ الْمَرْوِيِّ فِي ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَذَهَبَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي
التَّطْهِيرِ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى أَنْ جَعَلُوهُ كَقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ عَلَى التَّطْهِيرِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَمِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُدَنِّسُ بَنِي آدَمَ وَلَمَّا اخْتَلَفُوا فِي هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا هَذَا الِاخْتِلَافَ، طَلَبْنَا الْوَجْهَ فِيهِ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَوَجَدْنَا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ: {رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا}
وَرُوِيَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا
180 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ ضَبَابٍ، عَنْ عِبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عِبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ أَهْلَ قِبَا أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرُوا لَهُ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ، فَقَالَ: " إِنَّ اللهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فَدُومُوا {رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}
181 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَيَّارًا أَبَا الْحَكَمِ يَذْكُرُ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى أَهْلِ قِبَاءَ، قَالَ: " إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فِي الطَّهُورِ خَيْرًا {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} أَفَلَا تُخْبِرُونَنِي؟ " فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عَلَيْنَا فِي التَّوْرَاةِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى هِيَ هَذِهِ الطَّهَارَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْأُخْرَى
182 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَدَقَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُيَيْنَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا أُنْزِلَتْ {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ خَيْرًا فِي الطَّهُورِ فَمَا طَهُورُكُمْ؟ " قَالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَنَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَنَسْتَنْجِئُ بِالْمَاءِ قَالَ: " هُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ "
تَأْوِيلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}
قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ إِلَى قَوْلِهِ: إِنْ شَاءَ} فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى ظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى كُلِّ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ مِمَّنْ لِهُ عَهْدٌ وَذِمَّةٌ
وَانْتِحَالُ كِتَابٍ، وَمِمَّنْ لَا عَهْدَ لَهُ وَلَا ذِمَّةَ وَلَا انْتِحَالَ كِتَابٍ، غَيْرَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ تَنَازَعُوا فِي الْمُرَادِ بِالْمُشْرِكِينَ مَنْ هُمْ؟ فَقَالَ مَالِكٌ فِي آخَرِينَ ومِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ كُلُّ مُشْرِكٍ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ، فَلَا يُخَلَّى بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَبَيْنَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي سَمَّى الله عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا غَيْرِهِ مِنْ مَسَاجِدِ اللهِ الَّتِي لَمْ يُسَمِّهَا فِيهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي آخَرِينَ سِوَاهُمْ: الْمُرَادُ بِالْمُشْرِكِينَ هُوَ جَمِيعُهُمْ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: أُخْلِيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ دُخُولِ كُلِّ مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ خَاصَّةً وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَزُفَرُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: الْمُرَادُ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَذْكُورِينَ فِيهَا مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ ذَا عَهْدٍ وَلَا ذِمَّةٍ، وَسَوَّوْا فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَبَيْنَ مَا سِوَاهُ مِنْ سَائِرِ مَسَاجِدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ
183 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} : " إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا أَوْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ " فَهَذَا مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ مِنَ التِّلَاوَةِ فِي قِرَاءَةِ جَابِرٍ، وَمُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ لَيْسَ مِنْهَا، وَلَكِنَّهُ يَعْنِي بِهِ الْمُرَادَ فِيهَا، وَعَلَى أَيِّ الْمَعْنَيَيْنِ كَانَ ذَلِكَ فَإِنَّ أَهْلَ الْجِزْيَةِ وَالْعَبِيدَ مِنْ أَهْلِ الْكُفَّارِ عِنْدَهُ غَيْرُ دَاخِلِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ خَالَفَ جَابِرًا فِي مَذْهَبِهِ هَذَا، وَهُوَ الْوَجْهُ عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَاعَهْدَ لَهُ مِنَ الْكُفَّارِ مَطْلُوبُونَ بِالزَّوَالِ عَنِ الْكُفْرِ الَّذِي هُمْ فِيهِ، وَبِالْقَتْلِ عَلَيْهِ أَنْ يَزُولُوا عَنْهُ، فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ سَبِيلَهُ لَمْ يُخَلَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دُخُولِ مَسَاجِدِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ كَانَتْ سَبِيلُهُ مِنْهُمْ خِلَافَ ذَلِكَ فَهُوَ مُخَالِفٌ لَهُمْ فِي حُكْمِهِمْ وَمُخَلًّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ دُخُولِ مَا يَدْخُلُهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ مَسَاجِدِهِمْ وَمِمَّا سِوَاهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى
184 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لَهُمْ فِيهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَوْمٌ أَنْجَاسٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ أَنْجَاسِ النَّاسِ شَيْءٌ، إِنَّمَا أَنْجَاسُ النَّاسِ
عَلَى أَنْفُسِهِمْ "، فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي فِي الْكُفَّارِ الْمَعْدُومَةَ فِي الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ مُفَرِّقَةٍ بَيْنَ أَحْكَامِهِمْ وَأَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ فِي دُخُولِ الْمَسَاجِدِ وَالْجُلُوسِ فِيهَا " وَلَمَّا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ هَذَا الِاخْتِلَافَ وَسَارَعُوا فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ الَّتِي تَلَوْنَا هَذَا التَّنَازُعَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُمْ، نَظَرْنَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ فِيهَا شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ فَإِذَا
185 - إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: قدْ حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ الْبَهْرَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: " بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ مِمَّنْ يُؤَذِّنُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنَى أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَيَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَالْحَجُّ الْأَكْبَرُ الْحَجُّ، وَإِنَّمَا قِيلَ الْحَجُّ الْأَكْبَرُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ، فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ فَلَمْ يَحُجَّ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشْرِكٌ، وَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْعَامِ الَّذِي نَبَذَ فِيهِ أَبُو بِكْرٍ إِلَى الْمُشْرِكِينَ {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} " وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُوَافُونَ بِالتِّجَارَةِ فَيَنْتَفِعُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ، فَلَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قُطِعَ عَنْهُمْ مِنَ التِّجَارَةِ الَّتِي كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُوَافُونَ بِهَا، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ} ، فَبِمَا أَجِدُ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَتْبَعُهَا وَهِيَ الْجِزْيَةُ وَلَمْ تَكُنْ تُوجَدُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَجَعَلَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عِوَضًا مِمَّا مَنَعَهُمْ مِنْ مُوَافَاةِ الْمُشْرِكِينَ بِتِجَارَتِهِمْ، فَقَالَ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}
فَلَمَّا أَحَلَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ عَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ أَعَاضَهُمْ أَفْضَلَ مِمَّا كَانُوا يَأْخُذُونَ عَلَيْهِ بِمَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُوَافُونَ بِهِ مِنَ التِّجَارَةِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَا
186 - قَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} ، قَالَ: قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: " كُنَّا نُصِيبُ مِنْ مَتَاجِرِ الْمُشْرِكِينَ، فَوَعَدَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُغْنِيَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ عِوَضًا لَهُمْ بِأَنْ لَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ "، فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ مَعَ أَوَّلِ بَرَاءَةٍ وَمَعَ آخِرِهَا فِي التَّأْوِيلِ وَقَدْ رُوِيَ فِيمَا أُذِّنَ بِهِ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ بِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا
187 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ، وَبِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ الْبَزَّارُ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ مُحَرَّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: " كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حَيْثُ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادَى بِأَرْبَعٍ حَتَّى صَحِلَ صَوْتِي: أَنَّهُ لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَلَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ فَإِنَّ أَجَلَهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا فُضَّتِ الأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ "
188 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُقْسِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَعَثَ أَبَا بِكْرٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا، فَبَيْنَا أَبُو بِكْرٍ فِي بَعْضَ الطَّرِيقِ، إِذْ سَمِعَ رُغَاءَ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَزِعًا، وَظَنَّ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا عَلِيٌّ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهُ عَلَى الْمَوْسِمِ، وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يُنَادِيَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، فَانْطَلَقْنَا، فَقَامَ عَلِيٌّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَقَالَ: " ذِمَّةُ اللهِ وَرَسُولِهِ بَرِيئَةٌ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَلَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ " قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يُنَادِي بِهَا، فَإِذَا بُحَّ قَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَذَّنَ بِهَا "