ونرجو ان يجعل الله سبحانه العمل بمسائل هذا الوجيز مجزيا ومبرء للذمة بفضله وكرمه انه سميع الدعاء.
11/ ذي القعدة الحرام/ 1416 ه
محمد تقي المدرسي
الصيام في الكتاب والسنة
القرآن الحكيم
1/"يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة/ 183)
هدى من الاية
الصيام عبادة مفروضة (مكتوبة) على المؤمنين في هذا العصر، كما فرض على السابقين في العصور الماضية (وهو من اركان الدين، وعلائم الايمان).
والغاية من فرض الصيام تنمية روح التقوى ليس فقط بالتمرن على حفظ النفس عن الشهوات الحلال، ليكون حفظها عن الحرام ايسر، وانما- ايضا- لان العبادة، تقرب الانسان الى الله وتزيده تقوى، كذلك النسك يزيد التقوى والحج والصلاة، وعموما
العبادة تزيد التقوى حيث يقول ربنا سبحانه
"يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة/ 21)
ونستفيد من الآية ان ذات الصيام مكتوب، وان وقوعه في شهر رمضان فرض آخر.
2/"أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنْكُم مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ اخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ" (البقرة/ 184)
هدى من الآية
ان ايام الصيام المفروض معدودة لا تزيد ولا تنقص، فانه شهر كامل، فمن استطاع الصيام في شهر الله الكريم، فقد انجز الايام، ومن تخلف عنه لسفر او مرض فعليه الصيام شهرا آخر (وهكذا سمي الصيام في غير شهر رمضان بأنه قضاء) والعدة تعني ان ما سوى شهر رمضان لا يشترط فيه سوى التكامل العددي، ولا يجب التتابع فيه، كما يجب في شهر رمضان، كما يهدينا هذا التعبير الى ان كل يوم ينقص من شهر رمضان يكتمل بغيره، اما شروط فرض
الصوم فانها ثلاثة: الشهود (الا يكون المرء على سفر) والصحة
والقدرة، فاذا كان الصيام يستنفذ طاقة الفرد كلها عند الشيخ والشيخة فيجوز ان يفتديا باطعام مسكين عن كل يوم، واذا ارادا ان يعطيا اكثر من ذلك فهو خير.
3/"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي انْزِلَ فِيهِ الْقُرْانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ اخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّة وَلِتُكَبِّرُوا اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (البقرة/ 185)
هدى من الاية
لماذا الصيام في شهر رمضان؟ لانه شهر القرآن، ولان القرآن كتاب الله الذي يهدي الى الحقائق، والى صراط مستقيم، وهو كذلك كتاب بينات يفصل القول في بعض تلك الحقائق مما يحتاج الناس اليه، وهو- الى ذلك- ميزان يفرق بين الحق والباطل.
وحين يصوم المؤمن في شهر القرآن، يستعد نفسيا لتقبل هدى القرآن وبيناته وفرقانه، اوليس الصيام ينمي التقوى، ويزيد الخشوع ويورث السكينة؟
وابتداء من رؤية الهلال وشهود شهر الصيام، يجب الامساك، وهكذا الشاهد الحاضر هو الذي يصوم.
اما المسافر فلابد ان يقضي اياما اخرى بعدة ايام الشهر التي فاتته.
كذلك المريض، والله سبحانه اسقط الصيام عن المسافر والمريض تيسيرا وتسهيلا، ولكنه فرض اياما اخر تكميلا لعدة الايام التي هي الشهر الكامل.
والصيام- وبالذات في شهر رمضان- من شعائر الله التي يكبر المسلمون ربهم بها، اوليس قد هداهم الى الحق، اوليس الاعلان عن هذا الحق ضمن شعائر عبادية ذات فوائد كبرى؟
واخيرا: الصيام شكر فالذي يمسك عن شهواته، تسليما لله يشكر ربه بذلك.
والفوائد الكبيرة التي يورثها الصيام تقتضي شكرا من العبد لربه الرحمن، الذي كتب عليه الصوم، ومنحه تلك الفوائد في العقبى كما في الدنيا.
4/"وَإِذَا سَالَكَ عِبَادِي عَنِّي فَانِّي قَرِيبٌ اجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ" (البقرة/ 186)
هدى من الاية
وشهر رمضان، شهر الدعاء، وفيه ليلة القدر، حيث يفرق بها كل امر حكيم، والله قريب يناجى، وهو يجيب دعوة الداع اذا هو
دعا ربه حقا، ولم يجعل بينه وبين ربه حجب الغفلة والوهم والذنوب
وشرط استجابة الدعاء استجابة المؤمن لربه، ولمن امر الله باتباعه حيث قال ربنا سبحانه:"يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ" (الانفال/ 24)
وعقبى الاستجابة (والولاية) ثم الدعاء، الرشد وبلوغ التطلعات المشروعة بفضل الله الرحمن.
5/"احِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالانَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ ءَايَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" (البقرة/ 187)
هدى من الاية
المفطرات الرئيسية ثلاثة: 1- مباشرة النساء 2- الاكل 3- والشرب.
وحد الصيام اجتناب هذه الثلاث، ابتداءا من الفجر الى الليل، اما
في الليل فلا تحرم المباشرة، كما يجوز الاكل والشرب، وقد كانت المباشرة محرمة ليلا، ثم دعا الشبق البعض الى ممارسته، فخفف الله سبحانه عن عباده فأحله.
والهدف من المباشرة ابتغاء الذرية حسبما قدر الله، ذكرا او انثى!
والخيط الابيض الذي يحيط بالافق عند الفجر، هو حد الصيام الاول، اما حده الثاني فهو الليل عندما تغيب الشمس وتذهب حمرتها (حسب تفسير، او عند مغربها فقط، حسب تفسير ثان).
ونهى القرآن من المباشرة عند الاعتكاف في المساجد، واعتبر كل ذلك من حدود الله سبحانه التي لا يجوز الاقتراب منها.
وبيان الحدود يهدف رسم خريطة التقوى.
السنة الشريفة
1- في الحديث المأثور عن الامام الصادق- عليه السلام- قال
لكل شيء زكاة وزكاة الاجساد الصيام. ([1]1)
[1]وسائل الشيعة ج 4 ص 3 الحديث 2 الباب 1 من ابواب وجوب الصوم الشيخ الصدوق بسنده عن صفوان بن يحيى عن موسى بن بكير عن زرارة عن الامام الصادق (عليه السلام)
2- وروي عن الامام الرضا- عليه السلام- قال: انما امروا بالصوم لكي يعرفوا الم الجوع والعطش فيستدلوا على فقر الاخرة وليكون الصائم خاشعا ذليلا مستكينا مأجورا محتسبا عارفا صابرا على ما اصابه من الجوع والعطش، فيستوجب الثواب مع ما فيه من الامساك عن الشهوات، ويكون ذلك واعظا لهم في العاجل ورائضا لهم على اداء ما كلفهم، ودليلا لهم في الاجل. ([1]1)
3- وروي عن الامام أمير المؤمنين- عليه السلام- انه قال: احب من دنياكم ثلاث: الصوم في الصيف، واكرام الضيف، والضرب بالسيف.
4- والمأثور عن الامام الصادق- عليه السلام- عن ابيه عن جده عن رسول الله- صلى الله عليه وآله- في حديث قال: من صام شهر رمضان وحفظ فرجه ولسانه وكف اذاه عن الناس، غفر الله له ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر، واعتقه من النار، واحله دار القرار، وقبل شفاعته. بعدد رمل عالج من مذنبي اهل التوحيد (اي انه يصل الى مقام يشفع فيه للاخرين.[2]
[1]المصدر الحديث/ 5 عن الصدوق في كتاب علل الشرائع وكتاب عيون الاخبار باسانيده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام)
[2]المصدر ص 174 الباب 1 من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 8 عن مجالس ابن الشيخ، بسنده عن ابي عبد الله الصادق (عليه السلام)