بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 20

وَالْعُشْرِ فِي الْخَارِجِ كَذَلِكَ يَجُوزُ اجْتِمَاعُ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ; وَذَلِكَ لِأَنَّ أَرْضَ الْخَرَاجِ مُبْقَاةٌ عَلَى حُكْمِ الْفَيْءِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِزَارِعِهَا الِانْتِفَاعُ بِهَا بِالْخَرَاجِ وَهُوَ أُجْرَةُ الْأَرْضِ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وُجُوبَ الْعُشْرِ مَعَ الْخَرَاجِ. قِيلَ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَة لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْأُجْرَةُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَمَتَى لَزِمَتْهُ الْأُجْرَةُ سَقَطَ عَنْهُ الْعُشْرُ فَكَانَ الْعُشْرُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ الْآخِذِ لِلْأُجْرَةِ; فَهَذَا الْإِلْزَامُ سَاقِطٌ عَنْهُ وَقَوْلُ الْقَائِلِ إنَّ أَرْضَ الْخَرَاجِ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِأَهْلِهَا وَإِنَّهَا مُبْقَاةٌ عَلَى حُكْمِ الْفَيْءِ خَطَأٌ; لِأَنَّهَا عِنْدَنَا مَمْلُوكَةٌ لِأَهْلِهَا، وَالْكَلَامُ فِيهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَوْلُهُ: "إنَّ الْخَرَاجَ أُجْرَةٌ" خَطَأٌ أَيْضًا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخَرَاجَ يُؤَدَّى عَنْهُمَا، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِأُجْرَةٍ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وَلَمْ يَعْتَقِدْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَرْبَابِ أَرَاضِي الْخَرَاجِ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَأَيْضًا فَإِنْ كَانَتْ أَرْض الْخَرَاجِ وَأَهْلُهَا مُقِرُّونَ عَلَى حُكْمِ الْفَيْءِ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ جِزْيَةُ رُءُوسِهِمْ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ اجْتِمَاعِ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ تَنَافِي سَبَبَيْهِمَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخَرَاجَ سَبَبُهُ الْكُفْرُ لِأَنَّهُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْجِزْيَةِ، وَسَائِرُ أَمْوَالِ الْفَيْءِ وَالْعُشْرِ سَبَبُهُ الْإِسْلَامُ، فَلَمَّا تَنَافَى سَبَبَهُمَا تَنَافَى مُسَبِّبَاهُمَا.
قَوْله تعالى: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً} رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةٌ وَالْحَسَنِ وَابْنِ مَسْعُودٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى وَمُجَاهِدٍ قَالُوا: الْحَمُولَةُ كِبَارُ الْإِبِلِ، وَالْفَرْشُ الصِّغَارُ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ وَالْحَسَنُ رِوَايَةً: الْحَمُولَةُ مَا حَمَلَ مِنْ الْإِبِلِ، وَالْفَرْشُ الْغَنَمُ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةً أُخْرَى قَالَ: الْحَمُولَةُ كُلُّ مَا حَمَلَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَالْفَرْشُ الْغَنَمُ، فَأَدْخَلَ فِي الْأَنْعَامِ الْحَافِرَ عَلَى الِاتِّبَاعِ لِأَنَّ اسْمَ الْأَنْعَامِ لَا يَقَعُ عَلَى الْحَافِرِ، وَكَانَ قَوْلُ السَّلَفِ فِي الْفَرْشِ أَحَدَ مَعْنَيَيْنِ: إمَّا صِغَارُ الْإِبِلِ وَإِمَّا الْغَنَمُ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَرَادَ بِالْفَرْشِ مَا خَلَقَ لَهُمْ مِنْ أَصْوَافِهَا وَجُلُودِهَا الَّتِي يَفْتَرِشُونَهَا وَيَجْلِسُونَ عَلَيْهَا وَلَوْلَا قَوْلُ السَّلَفِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لَكَانَ هَذَا الظَّاهِرُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِأَصْوَافِ الْأَنْعَامِ وَأَوْبَارِهَا فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ سَوَاءٌ أُخِذَتْ مِنْهَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ فِي حَالِ الْحَيَاةِ; وَيُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِاقْتِضَاءِ الْعُمُومِ لَهُ، إلَّا أَنَّهُمْ قَدْ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِالْجُلُودِ قَبْلَ الدِّبَاغِ، فَهُوَ مَخْصُوصٌ وَحُكْمُ الْآيَةِ ثَابِتٌ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا بَعْدَ الدِّبَاغِ
وقوله تعالى: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً} فِيهِ إضْمَارٌ: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمْ مِنْ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا. قَوْله تَعَالَى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} إلى {الظَّالِمِينَ} .


صفحه 21

قوله {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} بدل من قوله: {حَمُولَةً وَفَرْشاً} لِدُخُولِهِ فِي الْإِنْشَاءِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْشَأَ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ ذُكُورِهَا وَإِنَاثِهَا يُسَمَّى زَوْجًا، وَيُقَالُ لِلِاثْنَيْنِ زَوْجٌ أَيْضًا كَمَا يُقَالُ لِلْوَاحِدِ خَصْمٌ وَلِلِاثْنَيْنِ خَصْمٌ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَحَلَّ لِعِبَادِهِ هَذِهِ الْأَزْوَاجَ الثَّمَانِيَةَ وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ حَرَّمُوا مِنْهَا مَا حَرَّمُوا مِنْ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِي وَمَا جَعَلُوهُ لِشُرَكَائِهِمْ عَلَى مَا بَيَّنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَلَا بُرْهَانٍ لِيُضِلُّوا النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَقَالَ: {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ثُمَّ قَالَ: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا} لِأَنَّ طَرِيقَ الْعِلْمِ إمَّا الْمُشَاهَدَةُ أَوْ الدَّلِيلُ الَّذِي يَشْتَرِك الْعُقَلَاءُ فِي إدْرَاكِ الْحَقِّ بِهِ، فَبَانَ بِعَجْزِهِمْ عَنْ إقَامَةِ الدَّلَالَةِ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ فِي تَحْرِيمِ مَا حَرَّمُوا مِنْ ذَلِكَ.
قَوْله تَعَالَى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} الْآيَةُ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَسْتَحِلُّونَ أَشْيَاءَ وَيُحَرِّمُونَ أَشْيَاءَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} مما تستحلون {إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} الْآيَةُ وَسِيَاقَةُ الْمُخَاطَبَةِ تَدُلُّ عَلَى مَا قَالَ طَاوُسٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ قَدَّمَ ذِكْرَ مَا كَانُوا يُحَرِّمُونَ مِنْ الْأَنْعَامِ وَذَمَّهُمْ عَلَى تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّهُ وَعَنَّفَهُمْ وَأَبَانَ بِهِ عَنْ جَهْلِهِمْ لِأَنَّهُمْ حَرَّمُوا بِغَيْرِ حُجَّةٍ، ثُمَّ عَطَفَ قَوْله تَعَالَى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} يَعْنِي تُحَرِّمُونَهُ إلَّا مَا ذُكِرَ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ تَقْدِيرَ الْآيَةِ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى إبَاحَةِ مَا خَرَجَ عَنْ الْآيَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْمَائِدَةِ تَحْرِيمُ الْمُنْخَنِقَةِ وَالْمَوْقُوذَةِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا، وَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ قِيلَ لَهُ: فِي ذَلِكَ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُنْخَنِقَةَ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي الْمَيْتَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ فِي قَوْلِهِ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة:3] ثُمَّ فَسَرَّ وُجُوهَهَا وَالْأَسْبَابَ الْمُوجِبَةَ لِكَوْنِهَا مَيْتَةً فَقَدْ اشْتَمَلَ اسْمُ الْمَيْتَةِ عَلَى الْمُنْخَنِقَةِ وَنَظَائِرِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّ سُورَةَ الْأَنْعَامِ مَكِّيَّةٌ، وَجَائِزٌ أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ حَرَّمَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَّا مَا قَدْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَالْمَائِدَةُ مَدَنِيَّةٌ وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ "أَوْ" إذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّفْيِ ثَبَتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ عَلَى حِيَالِهِ وَأَنَّهَا لَا تَقْتَضِي تَخْيِيرًا; لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: {إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} قَدْ أَوْجَبَ تَحْرِيمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ على حياله.
مطلب: في لحوم الحمر الأهلية
وَقَدْ احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ فِي إبَاحَةِ مَا عَدَا الْمَذْكُورَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِهَا، فَمِنْهَا لُحُومُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: قُلْت لجابر بن


صفحه 22

زَيْدٍ: إنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ قَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ عِنْدَنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنْ أَبَى ذَلِكَ الْبَحْرُ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَقَرَأَ: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} الْآيَةُ رَوَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَرَى بِلُحُومِ السِّبَاعِ وَالدَّمِ الَّذِي يَكُونُ فِي أَعْلَى الْعُرُوقِ بَأْسًا، وَقَرَأَتْ هَذِهِ الْآيَةَ: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} الْآيَةُ فَأَمَّا لُحُومُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا وَمَالِكًا وَالثَّوْرِيَّ وَالشَّافِعِيَّ يَنْهَوْنَ عَنْهُ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا ذَكَرْنَا مِنْ إبَاحَتِهِ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ قَوْمٌ,
وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ مُسْتَفِيضَةٌ فِي النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، مِنْهَا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ الْحَسَنِ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِيهِمَا أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ وَعَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ". وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ"، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ عَلِيًّا يَرْوِي النَّهْيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ عَمَّا كَانَ يَذْهَبُ إلَيْهِ مِنْ الْإِبَاحَةِ. وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُر الْأَهْلِيَّةِ". وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ محمد بن علي عَنْ جَابِرٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ" , وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ. وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ سَمِعَهُ مِنْهُ قَالَ: "أَصَبْنَا حُمُرًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَطَبَخْنَاهَا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَكْفِئُوا الْقُدُورَ". وَرَوَى النَّهْيَ عَنْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ فِي آخَرِينَ, فِي بَعْضِهَا ابْتِدَاءُ نَهْيٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْضُهَا ذِكْرُ قِصَّةِ خَيْبَرَ
وَالسَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ نَهَى عَنْهَا، فَقَالَ قَائِلُونَ: "إنَّمَا نَهَى عَنْهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ نُهْبَةً انْتَهَبُوهَا". وَقَالَ آخَرُونَ: "لِأَنَّهُ قِيلَ لَهُ إنَّ الْحُمْرَ قَدْ قَلَّتْ". وَقَالَ آخَرُونَ: "لِأَنَّهَا كَانَتْ جَلَّالَةً". فَتَأَوَّلَ مَنْ أَبَاحَهَا نَهْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَمَنْ حَظَرَهَا أَبْطَلَ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ بِأَشْيَاءَ: أَحَدُهَا مَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَحِلُّ الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ" مِنْهُمْ الْمِقْدَادُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ وَأَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ وَغَيْرُهُمَا; وَالثَّانِي مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ


صفحه 23

أَصَابُوا حُمُرًا فَطَبَخُوا مِنْهَا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَّا إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَاكُمْ عَنْهَا، فَإِنَّهَا نَجَسٌ فَاكْفَئُوا الْقُدُورَ" وَرَوَى عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَيُّوبَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ، قَالَ: فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَادِيًا فَنَادَى: إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ، قَالَ: فَأُكْفِئَتْ الْقُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ". وَهَذَا يُبْطِلُ تَأْوِيلَ مَنْ تَأَوَّلَ النَّهْيَ عَلَى النُّهْبَةِ وَتَأْوِيلَ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى خَوْفِ فَنَاءِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ بِالذَّبْحِ; لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهَا نَجَسٌ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ عَيْنِهَا لَا لَسَبَبٍ غَيْرَهَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، وَلَوْ كَانَ النَّهْيُ لِأَجْلِ مَا ذَكَرُوا لَأَمَرَ بِأَنْ يُطْعَمَ الْمَسَاكِينُ كَمَا أَمَرَ بِذَلِكَ فِي الشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ بِغَيْرِ أَمْرِ أَصْحَابِهَا بِأَنْ يُطْعَمَ الْأَسْرَى. وَفِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "لَا تَأْكُلُ الْحِمَارَ الْأَهْلِيَّ وَلَا كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ"، فَبِهَذَا أَيْضًا يَبْطُلُ سَائِرُ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ مُبِيحِهَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ, فَإِنْ صَحَّ هَذَا التَّأْوِيلُ لِلنَّهْيِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ يَوْمَ خَيْبَرَ فَإِنَّ خَبَرَ أَبِي ثَعْلَبَةَ وَغَيْرَهُ فِي سُؤَالِهِمْ عَنْهَا فِي غَيْرِ يَوْمِ خَيْبَرَ يُوجِبُ إيهَامَ تَحْرِيمِهَا لَا لِعِلَّةٍ غَيْرِ أَعْيَانِهَا وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ يُرْوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُغَفَّلٍ عَنْ رِجْلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: غَالِبُ بْنُ الْأَبْجَرِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْحُرُّ بْنُ غَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مَالِي شَيْءٌ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُطْعِمَ فِيهِ أَهْلِي غَيْرَ حُمُرَاتٍ لِي، قَالَ: "فَأَطْعِمْ أَهْلَك مِنْ سَمِينِ مَالِكِ فَإِنَّمَا كَرِهْت لَكُمْ جَوَّالَ الْقَرْيَةِ" ; فَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَ الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ بِهَذَا الْخَبَرِ وَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْهَا; لِأَنَّهُ قَالَ: "كَرِهْت لَكُمْ جَوَّالَ الْقَرْيَةِ" وَالْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ كُلُّهَا جَوَّالُ الْقُرَى، وَالْإِبَاحَةُ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ إنَّمَا انْصَرَفَتْ إلَى الْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ.
مطلب: الكلام في الحمار الوحشي إذا ألف
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ إذَا دُجِّنَ فَقَالَ أَصْحَابُنَا وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ إذَا دُجِّنَ وَأُلِفَ: "إنَّهُ جَائِزٌ أَكْلُهُ"، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: "إذَا دُجِّنَ وَصَارَ يُعْمَلُ عَلَيْهِ كَمَا يُعْمَلُ عَلَى الْأَهْلِيِّ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ". وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوَحْشَ الْأَهْلِيَّ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ جِنْسِهِ فِي تَحْرِيمِ الْأَكْلِ كَذَلِكَ مَا أُنِسَ من الوحش.
مطلب: الكلام فِي ذِي النَّابِ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي الْمِخْلَبِ من الطير
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذِي النَّابِ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي الْمِخْلَبِ مِنْ الطَّيْرِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدٌ: "لَا يَحِلُّ أَكْلُ ذِي النَّابِ مِنْ السِّبَاعِ وذي المخلب


صفحه 24

مِنْ الطَّيْرِ". وَقَالَ مَالِكٌ: "لَا يُؤْكَلُ سِبَاعُ الْوَحْشِ وَلَا الْهِرُّ الْوَحْشِيُّ وَلَا الْأَهْلِيُّ وَلَا الثَّعْلَبُ وَلَا الضَّبُعُ وَلَا شَيْءٌ مِنْ السِّبَاعِ، وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ سِبَاعِ الطَّيْرِ الرُّخْمِ وَالْعُقْبَانِ وَالنُّسُورِ وَغَيْرِهَا مَا أَكَلَ الْجِيَفَ مِنْهَا وَمَا لَا يَأْكُلُ". وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: "الطَّيْرُ كُلُّهُ حَلَالٌ إلَّا أَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ الرَّخْمَ". وَقَالَ اللَّيْثُ: "لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْهِرِّ وَأَكْرَهُ الضَّبُعَ". وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "لَا يُؤْكَلُ ذُو النَّابِ مِنْ السِّبَاعِ الَّتِي تَعْدُو عَلَى النَّاسِ الْأَسَدُ وَالنَّمِرُ وَالذِّئْبُ، وَيُؤْكَلُ الضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ، وَلَا يُؤْكَلُ النِّسْرُ وَالْبَازِيُّ وَنَحْوُهُ لِأَنَّهَا تَعْدُو عَلَى طُيُورِ النَّاسَ". وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّ عِكْرِمَةَ سُئِلَ عَنْ الْغُرَابِ قَالَ: دَجَاجَةٌ سَمِينَةٌ، وَسُئِلَ عَنْ الضَّبُعِ فَقَالَ: نَعْجَةٌ سَمِينَةٌ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ". وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو داود قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ"، وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالْمِقْدَادُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُمَا. فَهَذِهِ آثَارٌ مُسْتَفِيضَةٌ فِي تَحْرِيمِ ذِي النَّابِ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي الْمِخْلَبِ مِنْ الطَّيْرِ، وَالثَّعْلَبِ وَالْهِرِّ وَالنِّسْرِ وَالرَّخْمُ دَاخِلَةٌ فِي ذَلِكَ، فَلَا مَعْنَى لِاسْتِثْنَاءِ شَيْءِ مِنْهَا إلَّا بِدَلِيلٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ، وَلَيْسَ فِي قَبُولِهَا مَا يُوجِبُ نَسْخَ قَوْله تَعَالَى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهِ إخْبَارٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْمُحَرَّمُ غَيْرَ الْمَذْكُورِ وَأَنَّ مَا عَدَاهُ كَانَ بَاقِيًا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَكَذَلِكَ الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ هَذَا حُكْمُهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ خَاصَّةٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى تَحْرِيمِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ غَيْرِ مَذْكُورَةٍ فِي الْآيَةِ فَجَازَ قَبُولُ الْأَخْبَارِ الْآحَادِ فِي تَخْصِيصِهَا
وَكَرِهَ أَصْحَابُنَا الْغُرَابَ الْأَبْقَعَ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الْجِيَفَ، وَلَمْ يَكْرَهُوا الْغُرَابَ الزَّرْعِيَّ لِمَا رَوَى قَتَادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "خَمْسُ فَوَاسِقَ يَقْتُلهُنَّ الْمُحْرِمُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ" وَذَكَرَ أَحَدُهَا الْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، فَخَصَّ الْأَبْقَعَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الْجِيَفَ، فَصَارَ أَصْلًا فِي كَرَاهَةِ أَشْبَاهِهِ مِمَّا يَأْكُلُ الْجِيَفَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "خَمْسٌ يَقْتُلهُنَّ الْمُحْرِمُ" يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ هَذِهِ الْخَمْسِ وَأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا مَقْتُولَةً غَيْرَ مُذْكَاةٍ، وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَلُ لَأَمَرَ بِذَبْحِهَا وَذَكَاتِهَا لِئَلَّا تَحْرُمَ بِالْقَتْلِ.
فَإِنْ قِيلَ بِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عن أبي الزبير


صفحه 25

قال: سَأَلْت جَابِرًا: هَلْ يُؤْكَلُ الضَّبُعُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: أَصَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ لَهُ: مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ قَاضٍ عَلَى ذَلِكَ لِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي استعمال ذلك.
مطلب في الكلام على الضب
وَاخْتُلِفَ فِي أَكْلِ الضَّبِّ، فَكَرِهَهُ أَصْحَابُنَا، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: "لَا بَأْسَ بِهِ". وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا مَا رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْن وَهْبِ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ قَالَ: "نَزَلْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الضِّبَابِ، فَأَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ فَطَبَخْنَا مِنْهَا، فَإِنَّ الْقُدُورَ لَتَغْلِي بِهَا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ " فَقُلْنَا ضِبَابٌ أَصَبْنَاهَا، فَقَالَ: "إنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مُسِخَتْ دَوَابَّ الْأَرْضِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ فَأَكْفِئُوهَا! " وَهَذَا يَقْتَضِي حَظْرَهُ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُبَاحَ الْأَكْلِ لَمَا أَمَرَ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ الطَّائِيُّ أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ نَافِعٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الضَّبّ وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ أُهْدِيَ لَهَا ضَبٌّ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَتْهُ عَنْ أَكْلِهِ فَنَهَاهَا عَنْهُ، فَجَاءَ سَائِلٌ فَقَامَتْ لِتُنَاوِلَهُ إيَّاهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَتُطْعِمِينَهُ مَا لَا تَأْكُلِينَ! " فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ تُوجِبُ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ الضَّبِّ وَقَدْ رَوَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ الضَّبِّ وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَتِهِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا تَرَكَ أَكْلَهُ تَقَذُّرًا. وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ قَالَ: "لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ"، وَأَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَكَلَهُ بِحَضْرَةِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَنْهَهُ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: إنَّ هَذِهِ الضِّبَابَ طَعَامُ عَامَّةِ هَذِهِ الرِّعَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ لَيَمْنَعُ غَيْرَ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانَ عِنْدِي مِنْهَا شَيْءٌ لَأَكَلْته، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يُحَرِّمْهُ وَلَكِنَّهُ قَذِرُهُ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بَحْرُ عَنْ أَبِي هَارُونَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "إنْ كَانَ أَحَدُنَا لَتُهْدَى إلَيْهِ الضِّبَّةُ الْمَكْنُونَةُ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ الدَّجَاجَةِ السَّمِينَةِ" فَاحْتَجَّ مُبِيحُوهُ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ، وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى حَظْرِهِ; لِأَنَّ فِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَهُ تَقَذُّرًا وَأَنَّهُ قَذِرَهُ، وَمَا قَذِرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ نَجِسٌ وَلَا يَكُونُ نَجِسًا إلَّا وَهُوَ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ. وَلَوْ ثَبَتَتْ الْإِبَاحَةُ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ لَعَارَضَتْهَا أَخْبَارٌ وَمَتَى وَرَدَ الْخَبَرَانِ فِي شَيْءٍ وَأَحَدُهُمَا مُبِيحٌ


صفحه 26

وَالْآخَرُ حَاظِرٌ فَخَبَرُ الْحَظْرِ أَوْلَى; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَظْرَ وَارِدٌ لَا مَحَالَةَ بَعْدَ الْإِبَاحَةِ; لِأَنَّ الْأَصْلَ كَانَ الْإِبَاحَةُ وَالْحَظْرُ طَارِئٌ عَلَيْهَا وَلَمْ يَثْبُتُ وُرُودُ الْإِبَاحَةِ عَلَى الْحَظْرِ فَحُكْمُ الْحَظْرِ ثابت لا محالة.
مطلب: في الكلام على هوام الأرض
وَاخْتُلِفَ فِي هَوَامِّ الْأَرْضِ، فَكَرِهَ أَصْحَابُنَا أَكْلَ هَوَامِّ الْأَرْضِ الْيَرْبُوعِ وَالْقُنْفُذِ وَالْفَأْرِ وَالْعَقَارِبِ وَجَمِيعِ هَوَامِّ الْأَرْضِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْحَيَّةِ إذَا ذُكِّيَتْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ مِنْهُ الذَّكَاةَ وَقَالَ اللَّيْثُ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْقُنْفُذِ وَفِرَاخِ النَّحْلِ وَدُودِ الْجُبْنِ وَالتَّمْرِ وَنَحْوِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: "لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الضِّفْدَعِ"، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ خُشَاشِ الْأَرْضِ وَعَقَارِبِهَا وَدُودِهَا; لِأَنَّهُ قَالَ: مَوْتُهُ فِي الْمَاءِ لَا يُفْسِدُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "كُلُّ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَسْتَقْذِرُهُ فَهُوَ مِنْ الْخَبَائِثِ، كَالذِّئْبِ وَالْأَسَدِ وَالْغُرَابِ وَالْحَيَّةِ وَالْحِدَأَةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْفَأْرَةِ لِأَنَّهَا تَقْصِدُ بِالْأَذَى فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ مِنْ الْخَبَائِثِ، وَكَانَتْ تَأْكُلُ الضَّبُعَ وَالثَّعْلَبَ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْدُوَانِ عَلَى النَّاسِ بِأَنْيَابِهِمَا فَهُمَا حَلَالُ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ اللَّهُ تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [لأعراف:157] قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو ثَوْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عِيسَى بْنِ نُمَيْلَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْت عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَسُئِلَ عَنْ أَكْلِ الْقُنْفُذِ، فَتَلَا: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} الْآيَةُ، فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "خَبِيثَةٌ مِنْ الْخَبَائِثِ" فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنْ كَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا فَهُوَ كَمَا قَالَ فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبِيثَةً مِنْ الْخَبَائِثِ فَشَمِلَهُ حُكْمُ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] وَالْقُنْفُذُ مِنْ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ، فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ حَشَرَاتِهَا فَهُوَ مُحَرَّمٌ قِيَاسًا عَلَى الْقُنْفُذِ. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عن سعيد بن خالد عن سعيد بن الْمُسَيِّبِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: ذُكِرَ طَبِيبُ الدَّوَاءِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذكر الضفدع يكون في الدواء، فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِأَنَّهُ نَهَاهُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَيَجْعَلَهُ فِي الدَّوَاءِ، وَلَوْ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ لَمَا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْ قَتْلِهِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَارٌ مُسْتَفِيضَةٌ رَوَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو سَعِيدٍ وَعَائِشَةُ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ قَالَ: "يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَامِ الْحِدَأَةَ وَالْغُرَابَ وَالْفَأْرَةَ وَالْعَقْرَبَ" وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ: "وَالْحَيَّةُ"، فَفِي أَمْرِهِ بِقَتْلِهِنَّ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهِنَّ


صفحه 27

لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِمَّا تُؤْكَلُ لَأَمَرَ بِالتَّوَصُّلِ إلَى ذَكَاتِهَا فِيمَا تَتَأَتَّى فِيهِ الذَّكَاةُ مِنْهَا، فَلَمَّا أَمَرَ بِقَتْلِهَا وَالْقَتْلُ إنَّمَا يَكُونُ لَا عَلَى وَجْهِ الذَّكَاةِ ثَبَتَ أَنَّهَا غَيْرُ مَأْكُولَةٍ، وَلَمَّا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ كَانَ سَائِرُ مَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ مِثْلَهَا، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ كَالْعَقْرَبِ وَالْحَيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْيَرْبُوعُ لِأَنَّهُ جِنْسٌ مِنْ الْفَأْرِ. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي اعْتِبَارِهِ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَسْتَقْذِرُهُ وَأَنَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مِنْ الْخَبَائِثِ، فَلَا مَعْنَى لَهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ نَهْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ قَاضٍ بِتَحْرِيمِ جَمِيعِهِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ مَا قَدْ تَنَاوَلَهُ الْعُمُومُ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ وَإِنَّمَا جَعَلَ كَوْنَهُ ذَا نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَذَا مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ عِلْمًا لِلتَّحْرِيمِ، فَلَا يَجُوزُ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ بِمَا لَمْ تَثْبُتْ بِهِ الدَّلَالَةُ. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّ خِطَابَ اللَّهِ تَعَالَى لِلنَّاسِ بِتَحْرِيمِ الْخَبَائِثِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَخْتَصَّ بِالْعَرَبِ دُونَ الْعَجَمِ، بَلْ النَّاسُ كُلُّهُمْ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ دَاخِلُونَ فِي الْخِطَابِ، فَاعْتِبَارُ مَا يَسْتَقْذِرُهُ الْعَرَبُ دُونَ غَيْرِهِمْ قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ خَارِجٌ عَنْ مُقْتَضَى الْآيَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ يَخْلُو مِنْ أَنْ يُعْتَبَرَ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ يَسْتَقْذِرُونَهُ جَمِيعُهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ، فَإِنْ كَانَ اُعْتُبِرَ الْجَمِيعُ فَإِنَّ جَمِيعَ الْعَرَبِ لَمْ يَكُنْ يَسْتَقْذِرُ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَلَا الْأَسَدَ وَالذِّئَابَ وَالْفَأْرَ وَسَائِرَ مَا ذُكِرَ، بَلْ عَامَّةُ الْأَعْرَابِ تَسْتَطِيبُ أَكْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا كَانَ جَمِيعُ الْعَرَبِ يَسْتَقْذِرُونَهُ. وَإِنْ أَرَادَ مَا كَانَ بَعْضُ الْعَرَبِ يَسْتَقْذِرُهُ فَهُوَ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخِطَابَ إذَا كَانَ لِجَمِيعِ الْعَرَبِ فَكَيْفَ يَجُوزُ اعْتِبَارُ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ؟ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا صَارَ الْبَعْضُ الْمُسْتَقْذَرُ كَذَلِكَ كَانَ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الْبَعْضِ الَّذِي يَسْتَطِيبُهُ. فَهَذَا قَوْلٌ مُنْتَقِضٌ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ. وَزَعَمَ أَنَّهُ أَبَاحَ الضَّبُعَ وَالثَّعْلَبَ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَأْكُلُهُ، وَقَدْ كَانَتْ الْعَرَبُ تَأْكُلُ الْغُرَابَ وَالْحِدَأَةَ وَالْأَسَدَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ أَكْلِ ذَلِكَ. وَأَمَّا اعْتِبَارُهُ مَا يَعْدُو عَلَى النَّاسِ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ يَعْدُو عَلَى النَّاسِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْحِدَأَةِ وَالْحَيَّةِ وَالْغُرَابِ وَقَدْ حَرَّمَهَا، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْعَدْوَ عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَإِنَّ الضَّبُعَ قَدْ يَعْدُو عَلَى الْإِنْسَانِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَقَدْ يَتْرُكُ الْأَسَدُ الْعَدْوَ عَلَيْهِمْ فِي حَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ جَائِعًا، وَالْجَمَلُ الْهَائِجُ قَدْ يَعْدُو عَلَى الْإِنْسَانِ وَكَذَلِكَ الثَّوْرُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَإِبَاحَتِهِ، وَالْكَلْبُ وَالسِّنَّوْرُ لَا يَعْدُوَانِ عَلَى النَّاسِ وَهُمَا محرمان.
مطلب: في لحوم الإبل الجلالة
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي لُحُومِ الْإِبِلِ الْجَلَّالَةِ، فَكَرِهَهَا أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيُّ إذَا لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ غَيْرَ الْعَذِرَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ: "لَا بَأْسَ بِلُحُومِ الْجَلَّالَةِ كَالدَّجَاجِ"; حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ