الصلاة شعار الايمان*[1]
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ* اوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ(الانفال/ 3- 4)
ان الايمان هو الذي يتجلى في القلب وجلا، وفي العقل يقينا، وفي العمل توكلا، وفي السلوك صلاة، وفي الاقتصاد انفاقاً، واذا تأملنا هذه الصفات في فاتحة سورة الانفال، لوجدناها توصل بين الايمان، وبين حقائقه التي تتجلى في الواقع، والتي تخرجنا من ظلمات الذات الى نور الحق (معرفة الله، وذكره، وآياته، واحكامه) وهكذا يتجلى الايمان في التوكل على الله، والصلاة لله، والانفاق على عباد الله.
ولكن بم تستكمل حقائق الايمان؟ أليس بالصلاة؟
لنستمع الى رسول الله صلى الله عليه وآله حيث يقول:" من اسبغ
[1]هذا الموضوع مأخوذ من الجزء الرابع من كتاب التشريع الاسلامي للمؤلف، وقد ثبت هنا لأهميته الموضوعية ..
وضوءه، وأحسن صلاته، وادى زكاته، وكف غضبه، وسجن لسانه، واستغفر لذنبه، وادى النصيحة لاهل بيت نبيه، فقد استكمل حقائق الايمان، وابواب الجنة مفتحة له".[1]
والصلاة، هي الصلة بين قلب العبد ونور الله، وهي معراج المؤمن الى عرش الله. و (لو يعلم المصلي ما يغشاه من جلال الله، ما سره ان يرفع رأسه من السجود)[2]كما يقول امير المؤمنين عليه السلام.
وهي رمز تعبد الانسان لله، وتسليمه لامره في كافة حقول حياته.
ولذلك فان الصلاة اول ما ينظر من عمل العبد، فقد روي عن علي عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان عمود الدين الصلاة، وهي أول ما ينظر فيه من عمل ابن آدم، فان صحت نظر في عمله، وان لم تصح لم ينظر في بقية عمله.[3]
وهي اطار ذكر الله الذي هو اكبر، ولغة الخطاب المباشر بينه وبين الله، وهي بكلمة عمود الدين، ومحور احكامه، ولحظة الشهادة بالحق، وشعار القيام بالقسط.
قال ابو جعفر عليه السلام:" الصلاة عمود الدين، ومثلها كمثل عمود الفسطاط، إذا ثبت العمود ثبتت الاوتاد والاطناب، واذا مال العمود
[1]بحار الانوار/ ج 79/ ص 218/ ح 35.
[2]المصدر/ ج 82/ ص 37/ الخصال ج 2/ ص 167.
[3]المصدر/ ص 227 ..
وانكسر لم يثبت وتد ولا طنب".[1]
واقامة الصلاة رمز مدنية الايمان، حيث قال ربنا سبحانه
وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(يونس/ 87 (
وهكذا يبشر الله المؤمنين لصلاتهم وعبادتهم فقد روي عن الامام الصادق عليه السلام انه قال
" للمصلي ثلاث خصال: اذا قام في صلاته يتناثر عليه البر من اعنان السماء الى مفرق رأسه، وتحف به الملائكة من تحت قدميه الى اعنان السماء، وملك ينادي: أيها المصلي لو تعلم من تناجي ما انفتلت".[2]
علامة الايمان
والصلاة علامة الايمان وزاد المؤمن ليوم المعاد، لنستمع الى الباري عز وجل وهو يخاطب رسولهقُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ(ابراهيم/ 31)
وهكذا روي عن الامام الصادق عليه السلام: يؤتى بشيخ يوم القيامة فيدفع اليه كتابه، ظاهره مما يلي الناس لا يرى الا مساوىء فيطول ذلك عليه فيقول: يا رب! اتأمر بي الى النار؟ فيقول الجبار جل جلاله: (يا شيخ
[1]بحار الانوار/ ج 79/ ص 218/ ح 36.
[2]المصدر/ ص 215/ ح 30 ..
انا استحي ان اعذبك وقد كنت تصلي في دار الدنيا، اذهبوا بعبدي الى الجنة).[1]
والصلاة تطفىء نيران الذنوب التي يوقدها الانسان بين الصلاة والصلاة، وهكذا جاء في الاثر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله
) ما من صلاة يحضر وقتها إلا نادى ملك بين يدي الناس (ايها الناس) قوموا الى نيرانكم التي اوقدتموها على ظهوركم فأطفؤوها بصلاتكم).[2]
وهي من ابرز صفات المتقين الذين جاء القرآن هدى لهمألم* ذَلِكَ الكِتَابُ لَارَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(البقرة/ 1- 3)
وقال الله تعالىطس تِلْكَ ءَايَاتُ الْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ* هُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(النمل/ 1- 3)
اسمى الاعمال
وهي اسمى الاعمال الصالحة ومن اعظمها اجرا عند الله. قال الله تعالىإِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوْا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَاتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ(البقرة/ 277)
وهكذا روي عن الامام أمير المؤمنين عليه السلام
[1]بحار الانوار/ ج 79/ ص 204/ ح 4.
[2]المصدر/ ص 209/ ح 21 ..
" لو يعلم المصلي ما يغشاه من جلال الله ما سره ان يرفع رأسه من السجود" وقال:" من اتى الصلاة عارفا بحقها غفر له".[1]
وهي افضل شكر على نعم الله الكثيرة (الكوثر) بل هي خير كثير (الكوثر) حيث يقول ربنا سبحانهإِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ* إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الابْتَرُ(الكوثر/ 1- 3)
شرط الولاية
واقامة الصلاة من شرائط الولاية، فمن تولى المسلمين وجب عليه ان يقيم الصلاة فيهم، أليس الله تعالى يقولالَّذِينَ إِن مَكَّنَّاهُمْ فِي الارْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وءَاتَوُا الزَّكَاةَ(الحج/ 41)
ويقول ايضاًإِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(المائدة/ 55)
وايضاًإِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وءَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللّهَ فَعَسَى اوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ(التوبة/ 18)
وهؤلاء هم ولاة المساجد، وسدنة بيوت الله، وهم اولى الناس بها، لا الذين يعمرون ظاهر المساجد ويسعون في خراب واقعها، ويصدون الناس عن سبيل الله.
[1]بحار الانوار/ ج 79/ ص 107/ ح 12 ..
والصلاة كذلك شرط ولاية المؤمنين لبعضهم، (بعد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر) أليست اقامة الصلاة شعارهم ورمز عبادتهم لله؟ لنصغي الى كلام الله العزيزالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَولِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ(التوبة/ 71)
وهكذا يخرج من ترك صلاته متعمدا من حزب المؤمنين، ويحشر مع المنافقين، حسب الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله
" ولا تضيعوا صلاتكم فان من ضيّع صلاته حشره الله مع قارون وفرعون وهامان، لعنهم الله واخزاهم، وكان حقا على الله ان يدخله النار مع المنافقين، فالويل لمن لم يحافظ صلاته".[1]
والصلاة من جهة اخرى تزيد التقوى وتردع مقيمها عن اتباع الشهوات، فالله تعالى يقولإِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ(العنكبوت/ 45)
وهي كذلك تذهب السيئات، وقد قال ربنا سبحانه عن الصلاةإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئات(هود/ 114)
شعار المؤمنين
والصلاة من شعائر الله التي تختصر القيم الثابتة في حياة المجتمع المؤمن،
[1]بحار الانوار/ ج 79/ ص 202/ ح 2 ..
ولابد ان تكون اطارا للمتغيرات، التي يتحاكمون فيها الى العرف والعقل عبر الشورى، هذا ما نستلهمه من قول الله تعالىوَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(الشورى/ 38)
وقوله سبحانهوَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَآءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ(الانبياء/ 73)
وهي كذلك محور اجتماعهم في يوم عيدهم ولقائهم الاسبوعي (يوم الجمعة) فحول مائدة الصلاة يتواصل المؤمنون، وانطلاقا من محور الصلاة يديرون شؤونهم ويحلون مشاكلهم، وهي الى ذلكذكر الله في ذلك اليوم المشهود، يقول الله تعالىيَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(الجمعة/ 9)
الخشوع في الصلاة
والخشوع في الصلاة علامة كمال الايمان، ومعناه حسبما يبدو من الاية التالية الا يلهي المصلي عن ذكر ربه، تجارة، ولا بيع، فاذا قام الى ربه يصلي لا يفكر في مصالحه او ملاهيه، وهذا من شروط بيوت العلم التي اذن الله لها ان ترفع وجعلها مشكاة لنوره، وهكذا قال ربنا بعد آية النور المعروفةفِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ* رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ
وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُفِيهِ الْقُلُوبُ وَالابْصَارُ(النور/ 36- 37)
وتعتبر الصلاة معراج المؤمن الى الله، كما تعتبر الضراعة فيها قمة التوجه الى الله سبحانه وهي شرط الفلاح، ومبدء فضائل الايمان. هذا ما تشير اليه الآية الكريمةقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(المؤمِنون/ 1- 2)
اقامة الصلاة
وحفظ الصلاة يعني الاهتمام بادائها في اوقاتها وبشرائطها وآدابها وهو من علائم الايمان بالله وباليوم الاخر، قال الله تعالىوَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالاخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ(الانعام/ 92)
والصلاة نافذة يطلع المؤمن من خلالها على رحاب الغيب، انها دعاء وذكر وتبتل وكلها حقائق غيبية، لذلك فان الذين يخشون الله بالغيب هم الذين يقيمون الصلاة اي يؤدونها كما أمر اللهانَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْن رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَانَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ(فاطر/ 18)
الاستعانة بالصلاة
وباقامة الصلاة، يتحدى المؤمنون محاولات الكفار الرامية الى ردهم الى الضلالة، لان الصلاة تورث اليقين في نفوس المؤمنين، وتبعث اليأس في قلوب الكفار. لنستمع الى كتاب الله العزيزوَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ