بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 161

ذكر أَصْحَاب أبي يُوسُف وَزفر وَمُحَمّد بن الْحسن

فَمِمَّنْ أَخذ الْفِقْه عَن أبي يُوسُف وَمُحَمّد جَمِيعًا أَبُو سُلَيْمَان مُوسَى بن سُلَيْمَان الْجوزجَاني وَمعلى بن مَنْصُور الرَّازِيّ رويا عَنْهُمَا الْكتب والأمالي وهما من الْوَرع وَالدّين وَحفظ الْفِقْه والْحَدِيث بالمنزلة الرفيعة
اُخْبُرْنَا عمر بن إِبْرَاهِيم قَالَ ثَنَا مكرم قَالَ ثَنَا أَحْمد بن عَطِيَّة قَالَ ثَنَا إِبْرَاهِيم بن سعيد قَالَ أحضر الْمَأْمُون مُوسَى بن سُلَيْمَان وَمعلى الرَّازِيّ فَبَدَأَ بِأبي سُلَيْمَان لسنه وشهرته بالورع فَعرض عَلَيْهِ الْقَضَاء فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ احفظ حُقُوق الله فِي الْقَضَاء وَلَا تول على أمانتك مثلي فَإِنِّي وَالله غير مَأْمُون الْغَضَب وَلَا ارضي نَفسِي لله إِن أحكم فِي عباده قَالَ صدقت وَقد أعفيناك فَدَعَا لَهُ بِخَير وَأَقْبل على مُعلى فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك فَقَالَ لَا أصلح قَالَ وَلم قَالَ لِأَنِّي رجل أداين فأبيت مَطْلُوبا وطالبا قَالَ نأمر بِقَضَاء دينك وبتقاضي ديونك فَمن أَعْطَاك قبلناه وَمن لم يعطك عوضناك مَالك عَلَيْهِ قَالَ فَفِي شكوك فِي الحكم وَفِي ذَلِك تلف أَمْوَال النَّاس قَالَ يحضر مجلسك أهل الدّين إخوانك فَمَا شَككت فِيهِ سَأَلتهمْ عَنهُ وَمَا صَحَّ عنْدك أمضيته قَالَ أَنا أرتاد رجلا أوصِي إِلَيْهِ من أَرْبَعِينَ سنة مَا أجد من أوصِي إِلَيْهِ فَمن أَيْن أجد من يُعِيننِي على قَضَاء حُقُوق الله الْوَاجِبَة عَليّ حَتَّى أئتمنه على دينك وديني فأعفاه
وَمن أَصْحَاب أبي يُوسُف وَمُحَمّد جَمِيعًا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سَمَّاعَة وَهُوَ من الْحفاظ الثِّقَات كتب النَّوَادِر عَن أبي يُوسُف وَعَن مُحَمَّد جَمِيعًا وروى الْكتب


صفحه 162

والأمالي وَولى الْقَضَاء بِبَغْدَاد لأمير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون فَلم يزل نَاظرا إِلَى أَن ضعف بَصَره فِي أَيَّام المعتصم فاستعفى قَالَ يحيى بن معِين لَو كَانَ أَصْحَاب الحَدِيث يصدقون فِي الحَدِيث كَمَا يصدق مُحَمَّد بن سَمَّاعَة فِي الرَّأْي لكانوا فِيهِ على نِهَايَة
سَمِعت الشَّيْخ أَبَا بكر مُحَمَّد بن مُوسَى الْخَوَارِزْمِيّ إمامنا وأستاذنا يَقُول كَانَ سَبَب كتب ابْن سَمَّاعَة النَّوَادِر عَن مُحَمَّد أَنه رَآهُ فِي النّوم كَأَنَّهُ ينقب الأبر فاستعبر ذَلِك فَقيل لَهُ هَذَا رجل ينْطق بالحكمة فاجهد ان لَا يفوتك مِنْهُ لَفْظَة فَبَدَأَ حِينَئِذٍ فَكتب عَنهُ النَّوَادِر
وَمِمَّنْ أَخذ عَنْهُمَا جَمِيعًا هِشَام بن عبيد الله الرَّازِيّ غير أَنه لين فِي الرِّوَايَة وَفِي منزله مَاتَ مُحَمَّد بن الْحسن بِالريِّ وَدفن فِي مقبرتهم سَمِعت الشَّيْخ أَبَا بكر مُحَمَّد بن مُوسَى رَحمَه الله يذكر عَن الشَّيْخ أبي بكر الرَّازِيّ أَنه كَانَ يكره أَن يقْرَأ عَلَيْهِ الْأُصُول من رِوَايَة هِشَام لما فِيهِ من الِاضْطِرَاب فَكَانَ يَأْمر أَن يقْرَأ الْأُصُول من رِوَايَة أبي سُلَيْمَان أَو رِوَايَة مُحَمَّد بن سَمَّاعَة لصِحَّة ذَلِك وضبطهما
وَمن أَصْحَاب أبي يُوسُف خَاصَّة الْحسن بن أبي مَالك وَهُوَ ثِقَة فِي رِوَايَته غزير الْعلم وَاسع الرِّوَايَة وَكَانَ أَبُو يُوسُف يُشبههُ بجمل حمل أَكثر مِمَّا يُطيق وسير بِهِ فِي حل حمرَة تذْهب يَده هَكَذَا وَمرَّة تذْهب رجله هَكَذَا ثمَّ يرجع وَعنهُ وَعَن غَيره أَخذ ابْن شُجَاع الْعلم
وَمن أَصْحَاب أبي يُوسُف خَاصَّة أَبُو الْوَلِيد بشر بن الْوَلِيد الْكِنْدِيّ ولى الْقَضَاء بِمَدِينَة السَّلَام لِلْمَأْمُونِ وَكَانَ متحاملا على مُحَمَّد بن الْحسن منحرفا عَنهُ وَكَانَ الْحسن بن أبي مَالك ينهاه عَن ذَلِك وَيَقُول قد عمل مُحَمَّد هَذِه الْكتب فاعمل أَنْت مَسْأَلَة وَاحِدَة
وَمن أَصْحَاب أبي يُوسُف خَاصَّة بشر بن غياث المريسي وَله تصانيف وَرِوَايَات كَثِيرَة عَن أبي يُوسُف وَكَانَ من أهل الْوَرع والزهد غير أَنه رغب النَّاس عَنهُ فِي


صفحه 163

ذَلِك الزَّمَان لاشتهاره بِعلم الْكَلَام وخوضه فِي ذَلِك وَعنهُ أَخذ حُسَيْن النجار مذْهبه
وَمن أَصْحَاب أبي يُوسُف أَيْضا إِبْرَاهِيم بن الْجراح ولى الْقَضَاء بِمصْر وَهُوَ لين فِي رِوَايَته وَكَانَ أَبُو يُوسُف يَقُول لَهُ تَأْخُذ الْمَسْأَلَة من عندنَا طرية وتردها مكحلة وَقد كتب الأمالي عَنهُ عَليّ بن الْجَعْد وَغَيره
وَمن أَصْحَاب أبي يُوسُف وَزفر هِلَال بن يحيى وَالْمَعْرُوف ب هِلَال الرَّأْي وَقد ذكرنَا فِي أَخْبَار أبي يُوسُف قصَّته مَعَه عِنْد دُخُوله الْبَصْرَة
أخبرنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ أنبأ أَبُو بكر الدَّامغَانِي قَالَ أنبأ الطَّحَاوِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا بكرَة بكار بن قُتَيْبَة يَقُول سَمِعت هِلَال بن يحيى يَقُول حججْت فِي زمن هَارُون بعد موت أبي يُوسُف وَحج مَعَ هَارُون سنتئذ أَسد بن عَمْرو وَكَانَ على الْقَضَاء فَرَأَيْت هَارُون وَهُوَ يطوف طواف الْقدوم وَقد فَاتَهُ الرمل وَالنَّاس متباعدون عَنهُ وَخَلفه خَادِم فجر ثَوْبه إِن ارْجع فارمل وَكنت أَنا فِي أخريات النَّاس فناديت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك إِن مضيت كَانَ جَائِزا فَسمع ندائي فَمضى وَترك مَا أَرَادَ مِنْهُ الْخَادِم فَذكرت ذَلِك لأبي خازم فَقَالَ حَدثنِي عمر بن يحيى أَخُو هِلَال قَالَ أَنا حَاضر هَذَا كُله فَلَمَّا هم بالنداء جمعت ثوبي فأدخلته فِي فِيهِ وَقلت وَالله مَا خرجنَا عَن أمنا إِلَّا الكره مِنْهَا لذَلِك أفتريد أَن تعدمها وَاحِدًا منا قَالَ فوَاللَّه مَا صَبر أَن نَادَى بذلك قَالَ أَبُو بكر فِي حَدِيثه فَلَمَّا فرغ هَارُون من الطّواف وَالسَّعْي دخل الْكَعْبَة وَمَعَهُ أَسد بن عَمْرو وَسَائِر قواده وَبَنُو عَمه وأغلقت عَلَيْهِم فاطلعت من شقّ الْبَاب فَرَأَيْت هَارُون قَاعِدا وَأسد بن عَمْرو قَاعد قبالته وَسَائِر النَّاس من الهاشميين وَغَيرهم قيام على أَرجُلهم فَعلمت أَن لَا أحد أنبل من فَقِيه وَوَقع لأسد بن عَمْرو فِي قلبِي من الْجَلالَة مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله


صفحه 164

ثمَّ خرج هَارُون فِي موكبه وَركب أَسد ركُوب الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء فتبعته وَهُوَ على دَابَّته فَقلت لَهُ لم فرق أَبُو حنيفَة بَين الْخِيَانَة فِي التَّوْلِيَة والمرابحة قَالَ فوَاللَّه مَا عرف ذَلِك من قَول أبي حنيفَة فَقل فِي عَيْني فَأتيت يُوسُف بن خَالِد وَكَانَ حَاجا فِي تِلْكَ السّنة فَأَخْبَرته بالْخبر كُله فَقَالَ لي وَمَا يدْرِي أَسد مَا هَذَا فرق أَبُو حنيفَة بَينهمَا لِأَنَّهُ جعل التَّوْلِيَة نقل بيع لِأَنَّهَا بِالثّمن الأول فَكَأَن البَائِع نقل إِلَى الْمولى مَا ملكه بِحَق الْمَبِيع بِمَا ملكه من الثّمن الأول وَجعل الْمُرَابَحَة بيعا ثَانِيًا إِذْ كَانَ بِثمن غير الثّمن الأول ولهلال كتاب الشُّرُوط وَأَحْكَام الْوُقُوف وَكَانَ مقدما فِي علم الشُّرُوط
وَمن أَصْحَاب زفر خَاصَّة مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ من ولد أنس بن مَالك ولى الْقَضَاء بِالْبَصْرَةِ وَعبيد الله بن عبد الْمجِيد الْحَنَفِيّ وَكَانَ من أَصْحَاب البتي ثمَّ أنتقل إِلَى زفر
وَمن أَصْحَاب مُحَمَّد بن الْحسن خَاصَّة مُوسَى بن نصر الرَّازِيّ
وَمُحَمّد بن مقَاتل الرَّازِيّ أَيْضا
وَمن أَصْحَابه عَمْرو بن أبي عمر جد أبي عرُوبَة الْحَرَّانِي
وَسليمَان بن شُعَيْب الكيساني وَله النَّوَادِر عَنهُ وَعلي بن معبد
وَمن أَصْحَاب الْحسن بن زِيَاد مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي وَهُوَ الْمُقدم فِي الْفِقْه والْحَدِيث وَقِرَاءَة الْقُرْآن مَعَ ورع وَعبادَة مَاتَ فَجْأَة فِي سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَدفن فِي نَاحيَة دَار الرَّقِيق من بَغْدَاد
وَمن أَقْرَان مُحَمَّد بن عَليّ الرَّازِيّ وَكَانَ عَارِفًا بمذاهب أَصْحَابنَا وَقد طعن على مسَائِل من الْجَامِع الْكَبِير وَمن الْأُصُول مَعَ زهد وورع وسخاء وإفضال
وَمِمَّنْ تَأَخّر عَن هَذِه الطَّبَقَة أَبُو بكر أَحْمد بن عَمْرو الْخصاف وَله التصانيف المرضية فِي الشُّرُوط وَأَحْكَام الْوُقُوف وآداب الْقُضَاة وَالرّضَاع والنفقات
وَمن هَذِه الطَّبَقَة أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عِيسَى البرتي القَاضِي روى الْكتب عَن أبي سُلَيْمَان الْجوزجَاني وَكَانَ إِلَيْهِ أحد جَانِبي بَغْدَاد والجانب الاخر إِلَى إِسْمَاعِيل بن


صفحه 165

إِسْحَاق ثمَّ استعفى فِي أَيَّام الْمُعْتَمد ورد عَلَيْهِم الْعَهْد وَلزِمَ بَيته واشتغل بِالْعبَادَة حَتَّى مَاتَ
حَدثنَا القَاضِي أَبُو عبد الله الضَّبِّيّ قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن صَالح الْهَاشِمِي قَالَ ثَنَا أَبُو عمر مُحَمَّد بن يُوسُف القَاضِي قَالَ ركبت يَوْمًا من الْأَيَّام مَعَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق إِلَى أَحْمد بن عِيسَى البرتي وَهُوَ ملازم لبيته فرأيته شَيخا مصفارا أثر الْعِبَادَة عَلَيْهِ وَرَأَيْت إِسْمَاعِيل أعظمه إعظاما شَدِيدا وَسَأَلَهُ عَن نَفسه وَأَهله وعجائزه وَجَلَسْنَا عِنْده سَاعَة ثمَّ انصرفنا فَقَالَ لي إِسْمَاعِيل يَا بني تعرف هَذَا الشَّيْخ قلت لَا قَالَ هَذَا البرتي القَاضِي لزم بَيته واشتغل بِالْعبَادَة هَكَذَا تكون الْقُضَاة لَا كَمَا نَحن
وَمن هَذِه الطَّبَقَة أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن ابي عمرَان أستاذ أبي جَعْفَر الطَّحَاوِيّ وَكَانَ شيخ أَصْحَابنَا بِمصْر فِي وقته وَأخذ الْعلم عَن مُحَمَّد بن سَمَّاعَة وَبشر بن الْوَلِيد وأضرابهما وَله كتاب مَجْمُوع يعرف بالحجج هُوَ من حسان الْكتب وَقيل إِنَّه كَانَ ضريرا
وَمن أقرانه عَليّ بن مُوسَى القمي وَقد تكلم على كتب الشَّافِعِي ونقضها وَله تصانيف كَثِيرَة مُبتَدأَة
وَمن هَذِه الطَّبَقَة أَبُو عَليّ الدقاق الرَّازِيّ صَاحب كتاب الْحيض وَكَانَت قِرَاءَته على مُوسَى بن نصر الرَّازِيّ وَعَن أبي عَليّ أَخذ الْعلم أَبُو سعيد البرذعي
وَمن الْمُتَأَخِّرين عَن هَذِه الطبعة أَبُو خازم عبد الحميد بن عبد العزيزالقاضي أَصله من الْبَصْرَة وَأخذ الْعلم عَن بكر الْعمي وَعَن الشُّيُوخ الْبَصرِيين وَهُوَ جليل الْقدر ولى الْقَضَاء بِالشَّام والكوفة والكرخ من مَدِينَة السَّلَام وَكَانَ عبد الله بن سُلَيْمَان خاطبه فِي بيع ضَيْعَة ليتيم تجاور بعض ضيَاعه فَكتب إِلَيْهِ إِن رأى الْوَزير أعزه الله أَن يَجْعَلنِي أحد رجلَيْنِ إِمَّا رجلا صين الحكم بِهِ أَو صين الحكم عَنهُ وَالسَّلَام وَعنهُ أَخذ الْفُقَهَاء أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ وَأَبُو طَاهِر الدباس وَقد لقِيه أَبُو الْحسن الْكَرْخِي وَحضر مَجْلِسه وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى البرذعي


صفحه 166

وَمن هَذِه الطَّبَقَة أَبُو سعيد أَحْمد بن الْحُسَيْن البرذعي أَخذ الْعلم عَن أبي عَليّ الدقاق وَعَن مُوسَى بن نصر فَأخذ عَنهُ أَبُو الْحسن الْكَرْخِي وَأَبُو طَاهِر الدباس وَأَبُو عمر والطبري وأضرابهم وَكَانَ قدم بَغْدَاد حَاجا فَدخل الْجَامِع ووقف على دَاوُد بن عَليّ صَاحب الظَّاهِر وَهُوَ يكلم رجلا من اصحاب أبي حنيفَة وَقد ضعف فِي يَده الْحَنَفِيّ فَجَلَسَ فَسَأَلَهُ عَن بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد فَقَالَ يجوز فَقَالَ لَهُ لم قلت قَالَ لأَنا أجمعنا على جَوَاز بيعهنَّ قبل الْعلُوق فَلَا نزُول عَن هَذَا الْإِجْمَاع إِلَّا بِإِجْمَاع مثله فَقَالَ لَهُ أجمعنا بعد الْعلُوق قبل وضع الْحمل أَنه لَا يجوز بيعهَا فَيجب أَن نتمسك بِهَذَا الْإِجْمَاع وَلَا نزُول عَنهُ إِلَّا بِإِجْمَاع مثله فَانْقَطع دَاوُد وَقَالَ نَنْظُر فِي هَذَا وَقَامَ أَبُو سعيد فعزم على الْقعُود بِبَغْدَاد والتدريس لما رأى من غَلَبَة أَصْحَاب الظَّاهِر فَلَمَّا كَانَ بعد مُدَّة رأى فِي النّوم كَأَن قَائِلا يَقُول لَهُ {فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء وَأما مَا ينفع النَّاس فيمكث فِي الأَرْض} فانتبه بدق الْبَاب وَإِذا قَائِل يَقُول لَهُ قد مَاتَ دَاوُد بن عَليّ صَاحب الْمَذْهَب فَإِن أردْت أَن تصلي عَلَيْهِ فأحضر وَأقَام أَبُو سعيد سِنِين كَثِيرَة يدرس ثمَّ خرج إِلَى الْحَج فَقتل فِي وقْعَة القرامطة مَعَ الْحَاج
وَصَارَ التدريس بِبَغْدَاد بعد أبي حَازِم وَأبي سعيد إِلَى أبي الْحسن عبيد الله بن الْحُسَيْن الْكَرْخِي وَإِلَيْهِ أنتهت رئاسة أَصْحَاب أبي حنيفَة وانتشر أَصْحَابه فِي الْبِلَاد وولوا الحكم فِي الْآفَاق ودرسوا وَكَانَ أَبُو الْحسن مَعَ غزارة علمه وَكَثْرَة رواياته عَظِيم الْعِبَادَة كثر الصَّوْم وَالصَّلَاة شَدِيد الْوَرع صبورا على الْفقر وَالْحَاجة عزوفا عَمَّا فِي أَيدي النَّاس
حَدثنَا أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن مُحَمَّد بن عَلان الوَاسِطِيّ وَمَا رَأَتْ عَيْنَايَ فِي مَعْنَاهُ مثله قَالَ لما أَصَابَهُ الفالج فِي آخر عمره حَضرته فِي بَيته وَحضر أَصْحَابه أَبُو بكر الدَّامغَانِي وَأَبُو عَليّ الشَّاشِي وَأَبُو عبد الله الْبَصْرِيّ فَقَالُوا هَذَا مرض يحْتَاج إِلَى نَفَقَة وعلاج وَهُوَ مقل ولانحب أَن نبذله للنَّاس فَنحب أَن نكتب إِلَى


صفحه 167

سيف الدولة ونطلب مِنْهُ مَا ينْفق عَلَيْهِ فَفَعَلُوا ذَلِك وأحس أَبُو الْحسن بِمَا هم فِيهِ فَسَأَلَ عَن ذَلِك فَأخْبر بِهِ فَبكى وَقَالَ اللَّهُمَّ لاتجعل رِزْقِي إِلَّا من حَيْثُ عودتني فَمَاتَ قبل أَن يحمل سيف الدولة شَيْئا ثمَّ ورد كتاب سيف الدولة وَمَعَهُ عشرَة أُلَّاف دِرْهَم ووعد أَن يمد ذَلِك بأمثاله فَتصدق بِهِ
حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن مُحَمَّد بن عَلان قَالَ كَانَ أَبُو الْحسن شَدِيد المقت لمن ينظر فِي الْقَضَاء وَكَانَ إِذا ولى أحد من أَصْحَابه هجره وأبعده فولى الحكم من أَصْحَابه أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن مُحَمَّد التنوخي وَكَانَ مقدما فِي الْفِقْه وَالْكَلَام مَعَ مَعْرفَته بِالْعَرَبِيَّةِ وقوته فِي الشّعْر فهجره أَبُو الْحسن وَقطع مَا كتبه مُكَاتبَة وَكَانَ يدْخل بَغْدَاد فَلَا يُمكنهُ الدُّخُول عَلَيْهِ فَإِذا سُئِلَ فِي بَابه يَقُول كَانَ يعاشرني على الْفقر وَالْحَاجة وَبَلغنِي أَنه الان ينْفق على مائدته فِي كل يَوْم دَنَانِير وَمَا عَلمته ورث مِيرَاثا وَلَا أتجر فربح وَمَا أعرف لهَذِهِ النَّفَقَة وَجها
قَالَ لنا الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن مُحَمَّد الوَاسِطِيّ فلعهدي بِهِ وَقد دخل آخر دخلة دَخلهَا بَغْدَاد وَحضر الْمجَالِس وكلم ابْن أبي هُرَيْرَة وَكَانَ ينْقل مَا يجْرِي بَينهمَا إِلَى أبي الْحسن رَحمَه الله فَكَأَنَّهُ لَان قلبه لأبي الْقَاسِم التنوخي فخوطب فِي أَن يَأْذَن لَهُ فِي الدُّخُول عَلَيْهِ فَسكت قَالَ فَرَأَيْت أَبَا الْقَاسِم وَقد دخل مَجْلِسه وَعَلِيهِ ثِيَابه ومرقعته وَقد انكب فباس رَأسه وَقعد بَين يَدَيْهِ فَتَبَسَّمَ فِي وَجهه وَمَا كلمة بِحرف وودعه أَبُو الْقَاسِم وَخرج وَلَو ذكرنَا مَا عندنَا من أَخْبَار أبي الْحسن وأخبار أبي خازم لاحتجنا إِلَى كتاب مُفْرد وَإِنَّمَا ذكرنَا مَا لَا بُد مِنْهُ وَتوفى أَبُو الْحسن لَيْلَة النّصْف من شعْبَان سنة أَرْبَعِينَ وثلاثمائة وَصلى عَلَيْهِ القَاضِي أَبُو تَمام الْحسن بن مُحَمَّد الْهَاشِمِي الزَّيْنَبِي وَكَانَ من أَصْحَابه وَقيل إِن مولده سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
حَدثنِي الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم الوَاسِطِيّ قَالَ حضر ابو عبد الله بن الدَّاعِي جَنَازَة أبي الْحسن الْكَرْخِي وَأَرَادَ أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه هَذَا الشَّيْخ إِمَام أَصْحَاب


صفحه 168

أبي حنيفَة ومتقدمهم غير مدافع فَإِن صليت عَلَيْهِ وَكَبرت على مذْهبه فَتقدم فَقَالَ أَنا لَا أُخَالِف مَذَاهِب آبَائِي وَغَضب وَقدمُوا القَاضِي أَبَا تَمام فصلى عَلَيْهِ وَحمله أَصْحَابه على أَعْنَاقهم وَكَانَ المتولى لغسله إِبْرَاهِيم بن شهَاب وَأَبُو عبد الله ابْن رزام وَدفن بحذاء مَسْجده فِي درب الْحسن بن زيد على نهر الوسطيين
وَمن أقرانه أَبُو طَاهِر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُفْيَان وَكَانَ أَكثر أَخذه عَن القَاضِي أبي خازم ويوصف بِالْحِفْظِ وَمَعْرِفَة الرِّوَايَات بَخِيلًا بِعِلْمِهِ ضنينا بِهِ وَولى الْقَضَاء بِالشَّام وَخرج إِلَى هُنَاكَ فَمَاتَ بهَا
وَمن هَذِه الطَّبَقَة بل يتقدمهم فِي المولد وَالسّن أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ وَهُوَ أَحْمد ابْن مُحَمَّد بن سَلمَة الطَّحَاوِيّ وَكَانَ مُقيما بِمصْر وَإِلَيْهِ انْتَهَت رئاسة أَصْحَاب أبي حنيفَة هُنَاكَ أَخذ الْعلم عَن أبي جَعْفَر بن أبي عمرَان وَعَن أبي خازم القَاضِي وَعَن جمَاعَة آخَرين وَكَانَ فِي أصل تفقهه يتفقه على مَذْهَب الشَّافِعِي فَحَدثني الشَّيْخ أَبُو بكر مُحَمَّد بن مُوسَى الْخَوَارِزْمِيّ قَالَ كَانَ سَبَب انْتِقَاله إِلَى مَذَاهِب أَصْحَابنَا أَن أَبَا إِبْرَاهِيم الْمُزنِيّ قَالَ لَهُ يَوْمًا وَالله لَا جَاءَ مِنْك شَيْء فَغَضب أَبُو جَعْفَر من ذَلِك وأنف لنَفسِهِ وانتقل إِلَى أبي جَعْفَر بن أبي عمرَان فَأول مَا صنف من كتبه مختصرة الَّذِي هُوَ على تَرْتِيب كتاب الْمُزنِيّ فَلَمَّا فرغ مِنْهُ قَالَ رحم الله أَبَا إِبْرَاهِيم لَو كَانَ حَيا لكفر عَن يَمِينه وَلأبي جَعْفَر كتب جليلة مثل إختلاف الْعلمَاء وَمَا عمل مثله أحد وَكتابه الْكَبِير فِي الشُّرُوط وَكتابه فِي أَحْكَام الْقُرْآن وَفِي شرح مَعَاني الْآثَار وَغير ذَلِك من الْكتب الجليلة وَكَانَت وَفَاته سنة إِحْدَى وَعشْرين وثلاثمائة ومولده سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
وَمن هَذِه الطَّبَقَة أَبُو عَمْرو الطَّبَرِيّ وَكَانَ مُقيما بِبَغْدَاد يدرس وَالشَّيْخ أَبُو الْحسن الْكَرْخِي يدرس وَله شرح الجامعين جَمِيعًا وَشهد عِنْد القَاضِي أَحْمد ابْن عبد الله الْخرقِيّ