و بقى مشبوكا برأسه فى الطاق مأخوذا عن حسه، فجذبته من الطاق و وضعته على الأرض يابسا كأنه قرن.
فانظر- رحمك اللّه- فناء هذا الرجل عن نفسه التى لو بقى معه منها ذرة كان هذا وقت وجودها و سيرته عظيمة، و كان إذا مشى لا يلحق فى ضعف مشيه فى الظاهر، و كان القبول عليه عظيما، و غيبته عن نفسه فيه أعظم.
و كان مرة يصلى بالجماعة فى محراب مسجد و الناس خلفه، فغاب عنهم فى الصلاة فى المحراب ما عرفوا كيف غاب عنهم، رضي اللّه عنه.
و ممن رأيت شيخنا أبا العباس الطنجى، كان كثير الشأن، سمى فى المغرب فى بدايته بالحرمل، و هو اسم وحش معروف بالجدة و القوة، عظيم القدر فى أحواله و تحكماته، ظهر بالمغرب و صحبه جماعة انتفعوا بصمته و أنفاسه، و جاء إلى الحج فنزل فى مسجد بقنا من بلاد الصعيد، و كان فيها الشيخ الجليل عبد الرحيم شيخ الشيخ «أبى الحسن بن الصباغ».
فلما نزل بها قصد زيارة الشيخ «عبد الرحيم» فلما حضر بين يديه قال له الشيخ «عبد الرحيم» أنت أحمد الظنجى الذى يتكلم فى الذات و الصفات؟
فسكت الشيخ ثم قال له الشيخ «عبد الرحيم» أسألك أسئلة تجيبنى عنها: الخيمة الخضراء المضروبة بإزاء العرش فيما ذا ضربت[1]أوتادها، ثم مسلتين من جنس هذه.
قال الشيخ «عبد الرحيم» أسأله أسئلة الطنجى ما كنت اطلعت على هذه الأسئلة قبل ذكر الشيخ «عبد الرحيم» لها فعند ما سألنى كشف لى عنها و أجبته
[1]-بداية اللوحة رقم: 92.
قال: يا أحمد، عرفت محمدا قم الآن ارجع و امض إلى البيت المقدس، اعرف محمدا و تعال، قال الشيخ الطنجى: فقمت من بين يديه و رجعت عن نية الحج و توجهت للبيت المقدس، فساعة دخلت صخرة بيت المقدس. ورد علىّ العلم بالنبى صلّى اللّه عليه و سلم، الذى أشار إليه الشيخ «عبد الرحيم» فعلمت و عرفت منه ما لم أكن أعلم.
فرجعت للشيخ «عبد الرحيم» و أخبرته بما فتح اللّه به من معرفة النبوة المحمدية حسب إشارته و نفاذ همته، و انتسب بذلك النية و هذه حكاية عظيمة كون الشيخ الظنجى كان قد انتهى فى المعارف و الكشف إلى ما انتهى إليه من مواجيد أهل التوحيد إلى أن كان يتكلم فى الذات و الصفات، ثم كشف الأسئلة التى سأله الشيخ عنها و أجابه بما كشفه منها، و اطلاع الشيخ على معارف بالنبوة المحمدية لم يكن الطنجى مع هذه العطايا عرفها إلى أن أحاله الشيخ «عبد الرحيم» على التوجه لمعرفتها و علم فى المكان المعين لورود العطية و كمال هذه للخيرات و ظهور أحكامها على مقتضى الاطلاع عليها.
الشيخ الطنجى
فلقد كان الشيخ «عبد الرحيم» عظيما رضي اللّه عنه، و كان[1]الشيخ الطنجى يحضر عند القرشى بمصر فاتفق أنه حضر عنده يوما، و كان أبو العباس بن القسطلانى مريد الشيخ القرشى يقرأ بين يديه المواعيد، فقعد يوما بين يدى الشيخ القرشى ليقرأ ففتح الكتاب و سكت. فقال له الشيخ القرشى: ما لك لا تقرأ؟ قال له:
سيدى، الكتاب أبيض ما فيه شىء مكتوب، فقال الشيخ القرشى: من هاهنا؟.
[1]-بداية اللوحة رقم: 93.
قالوا له أبو العباس الطنجى، فقال الشيخ القرشى له: يا أبا العباس، معى تفعل هذا؟!! ثم قال القرشى للقارئ: اقرأ، فوجد الكتاب مكتوبا فقرأ على عادته، و هذا الحكم من الطنجى فى حضرة القرشى عظيم، و كان من الأكابر، رضي اللّه عنه، رأيته مرارا صحبة سيدى الأستاذ و ما رجت أصحابه.
فمنهم الشيخ الولى الجليل «أبو عبد اللّه الشرقى» كان أمير أصحابه فى صحبته و تصحيحه لقواعد الصحبة، كثير الرياضيات، حسن الاستقامات، أزوجه الشيخ الطنجى ابنته، و كان الشيخ فى كفالته خدمة و إقامة، و كان الشيخ الطنجى مرفعا عن أكثر التصرفات الحسية و العلائية، و الشريفى قائم بها عنه.
و لما انتقل الشيخ الطنجى ألقى الشيخ الشريفى نفسه على شيخنا الأستاذ أبى العباس الحرار استراحة عليه، و استنادا إليه إلى أن مات الشريفى و أوصى سيدى الشيخ على أولاده و أصحابه و مكانه، و أوصانى الشيخ الأستاذ أبى العباس عليهم حين وفاته و خدمتهم بعده.
و كان هذا الشيخ[1]الشريفى إذا جاء إلى سيدى الشيخ ويرانى يقبل على و يقول لى: صفى. أقول له: لبيك يا سيدى، يقول: شعر:
صبروا على مز القضاء
و رضوا بأحكام الحكيم
فهم الذين هم أه
ل العناية من قديم
اجتهد و اصبر.
و كان من أصحاب الشيخ و أكبرهم الشيخ العارف الراسخ أبو زيد سكن بعد موت الشيخ بالميمون، و عرف بها، و هى قرية من بلاد البهناسية، كان كبير
[1]-بداية اللوحة رقم: 94.
الشأن، عظيم الاستقامة، راسخا فى أحواله و معارفه، نافذ الإدراك فى أنفاس التوحيد، هاجر و دخل العراق، و جرى له ما جريات الرجال، ثم سكن سكونا عظيما، و سكت سكوتا كثيرا، حتى قيل له عن كثرة سكوته قال: لما كثر الكلام من أهل الباطل، سكت أهل الحق.
و كان، و الحمد للّه، منه التفاتة و نظر، و لقد وردت عليه فى بلده مرة و أقمت فى ضيافته ثلاثة أيام، رأيت فى بعض لياليها كأن الشيخ أبا زيد فى صورة والدى جمال الدين؛ فسررت بذلك و أخبرته به، رضي اللّه عنه.
و كان من أصحاب الشيخ الطنجى جماعة حسنة، قد تنسموا من أنفاسه، منهم: الشيخ الولى «أبو السرور المغربى» صحبهم من برقة، و كانت له أحوال و كرامات.
و منهم: «أبو الحجاج يوسف المصرى» خادم الشيخ «الطنجى» و مباشر خدمته، و الشيخ «ميمون الزناتى» و «إسماعيل أبو طاهر» أخوهم، مات بمحلة المحدوه. و كان حافظا لأحاديث[1]الرجال، حسن النقل عنهم، رضي اللّه عنهم.
و كان للشيخ «الطنجى» زوجة صالحة، و له منها أولاد، قالت: كنت مع الشيخ و أصابتنا فاقة شديدة، ما أكلنا فيها شيئا أياما، ففتح بشىء فأخذه الشيخ و يخرج ليغيثنا بشىء عليه فأكله.
ثم دخل علينا، و معه منديل مملوء و وضعه بيننا فقلنا: يا سيدى، ما نصنع بهذا؟
أ ليس لنا أيام ما أكلنا شيئا، و لا أنت؟!! قال له: أنسيت هذا الذى تقولينه، و رأيت هذا استحسنته فاشتريته.
[1]-بداية اللوحة رقم: 95.
و كان يوما فى سفر فخرجت عليه حرامية؛ فضربوه بالسيوف ضربات عديدة، و هو لا يلتفت إليهم، و لا يظهر عليه ذرة بأثر لما اتصل به منهم، و لم تبد منه ما يدل على إحساسه بذلك، رضي اللّه عنه.
و ممن رأيته الشيخ الصالح الولى «أبو الحجاج يوسف بن سليمان» من أهل أقلوسنا من بلاد البهنسا، كان كبير الشأن، يظهر سر الولاية عليه لمن يراه، و كان من أصحاب الشيخ «القرشى» رضي اللّه عنه.
و ممن رأيته ببلاد البهنسا الشيخ الصالح الولى: «أبو كريم» كان بالأرجنوس من بلاد البهنسا، عظيم الشأن، كثير الكرامات و المكاشفات، و انتفع به جمع كثير، و كان طريقته التجريد و الزهد، و قطع الأسباب، و مما كان يفعله فى بدايته إذا طلع نيل مصر، و عمرت الأرض بجميع أكثر الحشرات المؤذية للجزائر العالية من الحيات و غيرها.
فكان يفتش أى جزيرة وجدها مملوءة ثعابين[1]و عقارب يطلع إليها، و يرقد بينهم و لا يبرح بينهم إلى أن يجد من نفسه الثبوت و السكون مع اللّه تعالى بعدم الالتفات إليهم أو الخوف منهم خرج، رضي اللّه عنه.
و الشيخ الصالح الولى «عبد الحميد بن الرقام» كان عليه رونق الولاية، و له فتوح، و كان الأكثرون يقولون: إنه يطلع على كنوز الأرض، و لا يأخذ منها شيئا، رضي اللّه عنه.
و منهم الشيخ الصالح الولى «أبو العمران موسى العسكورى» كان من الأولياء.
[1]-بداية اللوحة رقم: 96.
و الشيخ الصالح الولى «أبو الحارث» كان من الأولياء هولا، كانت بدايتهم على يد الشيخ «أبى كريم» ثم تزايدوا بعد ذلك خيرا كثيرا.
و ممن رأيته ببلاد البهنسا الشيخ الصالح الولى «عبد العظيم الشرونى» سافر للمغرب، و صحب الشيخ الكبير «عبد العزيز المهدوى» من أكابر أصحاب الأستاذ الكبير، قطب العارفين «أبى مدين» رضي اللّه عنه، و كان الشيخ «عبد العظيم» مشهورا بالبركة و الخلق الجميل، و له كرامات تعرفها أصحابه، و خلف ابن أخته الشيخ الصالح «عبد المؤمن» كبير الشأن كثير الزهد و الورع، حسن الأخلاق و السعى فى الإصلاح بين الناس، و السعى فى ضروراتهم، و كان له قبول عظيم، طاهر القلب، و حصل به نفع كثير، رضي اللّه عنه.
و رأيت ببلاد البهنسا الشيخ الصالح الولى «عبد الوهاب البدهلى» كثير المكاشفات، و ظاهره فيه و له مع الاستقامة، رضي اللّه عنه.
و رأيت ببلفيا رجلا مولها، و عند أكثر الناس مجنون له كشف، و مما جرى له أنه كان يوما[1]و معه دابة عليها أردب قمح فجاء إلى بحر من بحور البلاد طلب المعدية فلم يجدها، فساق الدابة إلى البحر، فعدت البحر و عليها الأردب القمح، و هو راكب فوق القمح إلى أن طلع للبر الذى طلبه.
و رأيت بمسلوطا رجلا كبير الشأن، يسمى «عبد الملك» كان قد انتسب لسيدى الأستاذ فى أحزوقته، كثير السياحات فى البرارى و الجبال، دخل و رأى عجائب أهل الرواق.
[1]-بداية اللوحة رقم: 97.
و مما جرى له فى سياحاته أن صبية من الحان مؤمنة صالحة سائحة، كانت من بنات بعض ملوك الجن، صحبته فقال لها: ما يجوز لى صحبتك إلا بأمر مشروع، فاتفق معها على إن حضر القاضى الجان عقد بينهما عقد النكاح على الوجه المشروع، و لم يكن لهما مقصود سوى جواز الصحبة، و أقاما بجبل المقطم سائحا مدة، يقتات فيها بورق الأشجار، و غاب عن بلده «سملوطا» سنين ثم جاء إلى قبالتها فى بر الشرق أقام بمسجد خراب على ساحل البحر مدة يرى بلده و أهله و لا يعدى لهم، يأكل مما يطرحه البحر ليأكله من أوراق الخضر و غيره، إلى أن أمر بالاجتماع بهم على البلدة، و عمر مكانا حسنا و تأهل و اشتهر بالولاية، و قال سيدى الأستاذ عنه: إن عاش يكون من الأبدال، و مات ببلده، رضي اللّه عنه.
و ممن رأيته فى المنية الشيخ «أبا عبيد اللّه جبريل» كان من الرجال المشهورين، هو الذى ربى الشيخ الجليل العالم المجد «الإخميمى» و علمه القرآن، و لو لم يكن كرامة إلا نشأة هذا الشيخ مجد الدين[1]ببركته، و خلف هذا الشيخ «جبريل» أولادا علماء و صلحاء.
و كان هذا الشيخ «مجد الدين» قد ظهر ظهورا عظيما بالفقر النظيف، و الصلف اللطيف، و القراءة الحسنة، و التجويد، و تألفت القلوب عليه إلى أن رغب فيه الشيخ الإمام العالم العامل الفقيه «تقى الدين أبو الطاهر» خطيب مصر، صاحب الشيخ «القرشى» و أزوجه ابنته رغبة فيه، و أقامه فى الخطابة بمصر، و استمر بها بعده استمرارا حسنا باجتماع قلوب الكافة عليه.
[1]-بداية اللوحة رقم: 94.
و كان حسن الأخلاق، كثير المشى فى حوائج الناس، و الدخول معهم فى مصالحهم مرغوبا لذلك، يمشى فى حاجة الكبير و الصغير، و الحر و العبد، و المسلم و الكافر، تحبه سائر الطوائف و الملل، تردد مرارا لرجل كان من أولى الأمر.
و كان فيه جبروت؛ فلم يقبل له شفاعة و لا أجابه لقضاء حاجة، فتردد ما يزيد على عشرة مرات فى نهار واحد، و كلما قصد بالمشى إليه، يمشى إليه مع من يقصده، فقال له فى الأخيرة، لما زاد عليه: يا شيخ كم تأتينى و أنا لا أقبل لك قصدا و أنت لا تنقطع؟!! فتبسم «مجد الدين» و قال: المقصود هو اللّه سبحانه، و أنت لا تمنع و لا تعطى، فاعتذر له و استغفر، و قضى جميع الحوائج التى كان تردد له بسببها، و كان للوجود به جمالا، رضي اللّه عنه.
و ممن رأيته بثغر الإسكندرية الشيخ الإمام القدوة «مالك» كان عظيم الشأن، يعظمه جميع رجال الثغر، متفق على ترجيحه و عظم قدره، رضي اللّه عنه[1].
و الشيخ الجليل القدوة «أبو عبد اللّه بن أبى شامة» كان عظيم الشان، كثير الاعتدال، كثير الورع و الزهد، عظيم الحرمة، يرجع الناس فى أمورهم إليه، تزوره الملوك، و سائر الناس، انتفع به جمع كبير، و له حكايات مستفاضة من كرامات و تأثيرات جلية من نوع التسخيرات، و عموم الراحات، و التوسط بين الناس و إلهامه النافذ، و شهرته عظيمة، رضي اللّه عنه.
أبو القاسم القبارى
و رأيت بها الشيخ الزاهد الورع «أبا القاسم القبارى» و شهرته عظيمة، رضي اللّه عنه، و اتفاق العالم عليه، كان من أهل الإسكندرية، تعبد بها على طريق الورع الشديد، أنشأ بستانا على خليج الإسكندرية، اقتصر عليه، و سكن فيه.
[1]-بداية اللوحة رقم: 99.