قالوا له أبو العباس الطنجى، فقال الشيخ القرشى له: يا أبا العباس، معى تفعل هذا؟!! ثم قال القرشى للقارئ: اقرأ، فوجد الكتاب مكتوبا فقرأ على عادته، و هذا الحكم من الطنجى فى حضرة القرشى عظيم، و كان من الأكابر، رضي اللّه عنه، رأيته مرارا صحبة سيدى الأستاذ و ما رجت أصحابه.
فمنهم الشيخ الولى الجليل «أبو عبد اللّه الشرقى» كان أمير أصحابه فى صحبته و تصحيحه لقواعد الصحبة، كثير الرياضيات، حسن الاستقامات، أزوجه الشيخ الطنجى ابنته، و كان الشيخ فى كفالته خدمة و إقامة، و كان الشيخ الطنجى مرفعا عن أكثر التصرفات الحسية و العلائية، و الشريفى قائم بها عنه.
و لما انتقل الشيخ الطنجى ألقى الشيخ الشريفى نفسه على شيخنا الأستاذ أبى العباس الحرار استراحة عليه، و استنادا إليه إلى أن مات الشريفى و أوصى سيدى الشيخ على أولاده و أصحابه و مكانه، و أوصانى الشيخ الأستاذ أبى العباس عليهم حين وفاته و خدمتهم بعده.
و كان هذا الشيخ[1]الشريفى إذا جاء إلى سيدى الشيخ ويرانى يقبل على و يقول لى: صفى. أقول له: لبيك يا سيدى، يقول: شعر:
صبروا على مز القضاء
و رضوا بأحكام الحكيم
فهم الذين هم أه
ل العناية من قديم
اجتهد و اصبر.
و كان من أصحاب الشيخ و أكبرهم الشيخ العارف الراسخ أبو زيد سكن بعد موت الشيخ بالميمون، و عرف بها، و هى قرية من بلاد البهناسية، كان كبير
[1]-بداية اللوحة رقم: 94.
الشأن، عظيم الاستقامة، راسخا فى أحواله و معارفه، نافذ الإدراك فى أنفاس التوحيد، هاجر و دخل العراق، و جرى له ما جريات الرجال، ثم سكن سكونا عظيما، و سكت سكوتا كثيرا، حتى قيل له عن كثرة سكوته قال: لما كثر الكلام من أهل الباطل، سكت أهل الحق.
و كان، و الحمد للّه، منه التفاتة و نظر، و لقد وردت عليه فى بلده مرة و أقمت فى ضيافته ثلاثة أيام، رأيت فى بعض لياليها كأن الشيخ أبا زيد فى صورة والدى جمال الدين؛ فسررت بذلك و أخبرته به، رضي اللّه عنه.
و كان من أصحاب الشيخ الطنجى جماعة حسنة، قد تنسموا من أنفاسه، منهم: الشيخ الولى «أبو السرور المغربى» صحبهم من برقة، و كانت له أحوال و كرامات.
و منهم: «أبو الحجاج يوسف المصرى» خادم الشيخ «الطنجى» و مباشر خدمته، و الشيخ «ميمون الزناتى» و «إسماعيل أبو طاهر» أخوهم، مات بمحلة المحدوه. و كان حافظا لأحاديث[1]الرجال، حسن النقل عنهم، رضي اللّه عنهم.
و كان للشيخ «الطنجى» زوجة صالحة، و له منها أولاد، قالت: كنت مع الشيخ و أصابتنا فاقة شديدة، ما أكلنا فيها شيئا أياما، ففتح بشىء فأخذه الشيخ و يخرج ليغيثنا بشىء عليه فأكله.
ثم دخل علينا، و معه منديل مملوء و وضعه بيننا فقلنا: يا سيدى، ما نصنع بهذا؟
أ ليس لنا أيام ما أكلنا شيئا، و لا أنت؟!! قال له: أنسيت هذا الذى تقولينه، و رأيت هذا استحسنته فاشتريته.
[1]-بداية اللوحة رقم: 95.
و كان يوما فى سفر فخرجت عليه حرامية؛ فضربوه بالسيوف ضربات عديدة، و هو لا يلتفت إليهم، و لا يظهر عليه ذرة بأثر لما اتصل به منهم، و لم تبد منه ما يدل على إحساسه بذلك، رضي اللّه عنه.
و ممن رأيته الشيخ الصالح الولى «أبو الحجاج يوسف بن سليمان» من أهل أقلوسنا من بلاد البهنسا، كان كبير الشأن، يظهر سر الولاية عليه لمن يراه، و كان من أصحاب الشيخ «القرشى» رضي اللّه عنه.
و ممن رأيته ببلاد البهنسا الشيخ الصالح الولى: «أبو كريم» كان بالأرجنوس من بلاد البهنسا، عظيم الشأن، كثير الكرامات و المكاشفات، و انتفع به جمع كثير، و كان طريقته التجريد و الزهد، و قطع الأسباب، و مما كان يفعله فى بدايته إذا طلع نيل مصر، و عمرت الأرض بجميع أكثر الحشرات المؤذية للجزائر العالية من الحيات و غيرها.
فكان يفتش أى جزيرة وجدها مملوءة ثعابين[1]و عقارب يطلع إليها، و يرقد بينهم و لا يبرح بينهم إلى أن يجد من نفسه الثبوت و السكون مع اللّه تعالى بعدم الالتفات إليهم أو الخوف منهم خرج، رضي اللّه عنه.
و الشيخ الصالح الولى «عبد الحميد بن الرقام» كان عليه رونق الولاية، و له فتوح، و كان الأكثرون يقولون: إنه يطلع على كنوز الأرض، و لا يأخذ منها شيئا، رضي اللّه عنه.
و منهم الشيخ الصالح الولى «أبو العمران موسى العسكورى» كان من الأولياء.
[1]-بداية اللوحة رقم: 96.
و الشيخ الصالح الولى «أبو الحارث» كان من الأولياء هولا، كانت بدايتهم على يد الشيخ «أبى كريم» ثم تزايدوا بعد ذلك خيرا كثيرا.
و ممن رأيته ببلاد البهنسا الشيخ الصالح الولى «عبد العظيم الشرونى» سافر للمغرب، و صحب الشيخ الكبير «عبد العزيز المهدوى» من أكابر أصحاب الأستاذ الكبير، قطب العارفين «أبى مدين» رضي اللّه عنه، و كان الشيخ «عبد العظيم» مشهورا بالبركة و الخلق الجميل، و له كرامات تعرفها أصحابه، و خلف ابن أخته الشيخ الصالح «عبد المؤمن» كبير الشأن كثير الزهد و الورع، حسن الأخلاق و السعى فى الإصلاح بين الناس، و السعى فى ضروراتهم، و كان له قبول عظيم، طاهر القلب، و حصل به نفع كثير، رضي اللّه عنه.
و رأيت ببلاد البهنسا الشيخ الصالح الولى «عبد الوهاب البدهلى» كثير المكاشفات، و ظاهره فيه و له مع الاستقامة، رضي اللّه عنه.
و رأيت ببلفيا رجلا مولها، و عند أكثر الناس مجنون له كشف، و مما جرى له أنه كان يوما[1]و معه دابة عليها أردب قمح فجاء إلى بحر من بحور البلاد طلب المعدية فلم يجدها، فساق الدابة إلى البحر، فعدت البحر و عليها الأردب القمح، و هو راكب فوق القمح إلى أن طلع للبر الذى طلبه.
و رأيت بمسلوطا رجلا كبير الشأن، يسمى «عبد الملك» كان قد انتسب لسيدى الأستاذ فى أحزوقته، كثير السياحات فى البرارى و الجبال، دخل و رأى عجائب أهل الرواق.
[1]-بداية اللوحة رقم: 97.
و مما جرى له فى سياحاته أن صبية من الحان مؤمنة صالحة سائحة، كانت من بنات بعض ملوك الجن، صحبته فقال لها: ما يجوز لى صحبتك إلا بأمر مشروع، فاتفق معها على إن حضر القاضى الجان عقد بينهما عقد النكاح على الوجه المشروع، و لم يكن لهما مقصود سوى جواز الصحبة، و أقاما بجبل المقطم سائحا مدة، يقتات فيها بورق الأشجار، و غاب عن بلده «سملوطا» سنين ثم جاء إلى قبالتها فى بر الشرق أقام بمسجد خراب على ساحل البحر مدة يرى بلده و أهله و لا يعدى لهم، يأكل مما يطرحه البحر ليأكله من أوراق الخضر و غيره، إلى أن أمر بالاجتماع بهم على البلدة، و عمر مكانا حسنا و تأهل و اشتهر بالولاية، و قال سيدى الأستاذ عنه: إن عاش يكون من الأبدال، و مات ببلده، رضي اللّه عنه.
و ممن رأيته فى المنية الشيخ «أبا عبيد اللّه جبريل» كان من الرجال المشهورين، هو الذى ربى الشيخ الجليل العالم المجد «الإخميمى» و علمه القرآن، و لو لم يكن كرامة إلا نشأة هذا الشيخ مجد الدين[1]ببركته، و خلف هذا الشيخ «جبريل» أولادا علماء و صلحاء.
و كان هذا الشيخ «مجد الدين» قد ظهر ظهورا عظيما بالفقر النظيف، و الصلف اللطيف، و القراءة الحسنة، و التجويد، و تألفت القلوب عليه إلى أن رغب فيه الشيخ الإمام العالم العامل الفقيه «تقى الدين أبو الطاهر» خطيب مصر، صاحب الشيخ «القرشى» و أزوجه ابنته رغبة فيه، و أقامه فى الخطابة بمصر، و استمر بها بعده استمرارا حسنا باجتماع قلوب الكافة عليه.
[1]-بداية اللوحة رقم: 94.
و كان حسن الأخلاق، كثير المشى فى حوائج الناس، و الدخول معهم فى مصالحهم مرغوبا لذلك، يمشى فى حاجة الكبير و الصغير، و الحر و العبد، و المسلم و الكافر، تحبه سائر الطوائف و الملل، تردد مرارا لرجل كان من أولى الأمر.
و كان فيه جبروت؛ فلم يقبل له شفاعة و لا أجابه لقضاء حاجة، فتردد ما يزيد على عشرة مرات فى نهار واحد، و كلما قصد بالمشى إليه، يمشى إليه مع من يقصده، فقال له فى الأخيرة، لما زاد عليه: يا شيخ كم تأتينى و أنا لا أقبل لك قصدا و أنت لا تنقطع؟!! فتبسم «مجد الدين» و قال: المقصود هو اللّه سبحانه، و أنت لا تمنع و لا تعطى، فاعتذر له و استغفر، و قضى جميع الحوائج التى كان تردد له بسببها، و كان للوجود به جمالا، رضي اللّه عنه.
و ممن رأيته بثغر الإسكندرية الشيخ الإمام القدوة «مالك» كان عظيم الشأن، يعظمه جميع رجال الثغر، متفق على ترجيحه و عظم قدره، رضي اللّه عنه[1].
و الشيخ الجليل القدوة «أبو عبد اللّه بن أبى شامة» كان عظيم الشان، كثير الاعتدال، كثير الورع و الزهد، عظيم الحرمة، يرجع الناس فى أمورهم إليه، تزوره الملوك، و سائر الناس، انتفع به جمع كبير، و له حكايات مستفاضة من كرامات و تأثيرات جلية من نوع التسخيرات، و عموم الراحات، و التوسط بين الناس و إلهامه النافذ، و شهرته عظيمة، رضي اللّه عنه.
أبو القاسم القبارى
و رأيت بها الشيخ الزاهد الورع «أبا القاسم القبارى» و شهرته عظيمة، رضي اللّه عنه، و اتفاق العالم عليه، كان من أهل الإسكندرية، تعبد بها على طريق الورع الشديد، أنشأ بستانا على خليج الإسكندرية، اقتصر عليه، و سكن فيه.
[1]-بداية اللوحة رقم: 99.
و كان يأكل من مغله، و كان البستان ضعيف الحال، كان يزرع فيه الفول أكثر أكله منه، و ينسج ما يلبسه منه، و حديثه طويل عظيم.
فمما جرى له أن شخصا كان جالسا بجانبه فرأى على طرف ثوب الشيخ «القبارى» شيئا إما ترابا أو غيره، فنفضه عن ثوبه، فأنكر عليه و ألزمه بأن يأخذ منه قطعة فضة سوداء أجرة نفضه لما كان على طرف ثوبه.
و كان الملوك يجيئون إليه فلا يلتفت إليهم، و لا يظهر عنه لهم إكرام إلا القدر الذى يضطر أن يفعله مع أقل الخلق، يفعله معهم، من كلام أو رد سلام، لا غير.
و اشتهر فى بلاد الإسلام، و بلاد الروم بما كان عليه من الزهد و الورع و التدقيق الذى ما سمع بمثله، رضي اللّه عنه.
و رأيت بها الشيخ[1]الصالح الولى، أبا الفقراء «حجاجا» كان من أعيان أصحاب الشيخ «عبد الرزاق» الكبير، صاحب الشيخ القطب «أبو مدين» و كان طريقه إيصال الراحة للفقراء إلى أن سمى «أبا الفقراء» و سخر له أبناء الدنيا يتقاضا منهم ما يتقاضاه و يصرفه على الفقراء و الأرامل و الأيتام.
و كان فى رباط الشيخ «عبد الرزاق» متكفل بجميع من فيه من إخوته أصحاب الشيخ، و كانوا رجالا معتبرين، سماطهم ممدود بالطبيخ و المخزن مملوء بالقمح، و يخرج يدور على فقراء الثغر يمشى لبيوتهم، و منهم من يجىء إليه.
و شهدت القلوب بصدق نيته، و حسن معاملته للّه تعالى، فركنوا إليه، فكانت الأموال ترد عليه، و هو يخرج و يعم حتى إنه دخل عليه فى يوم عاشوراء ألف دينار حصلها و جاء إليه منها ما جاء، دار البلد على الفقراء و جاء عشية إلى باب الرباط و جيبه لم يبق فيه منها شىء.
[1]-بداية اللوحة رقم: 100.
و قال لى: يا بنى، كنت أطلب من شخص عشرين سنة، و هو لا يعطينى شيئا و أنا أترك طلبه إلى أن سخره اللّه لى إلى صار يعطينى المائة دينار فما حولها فى مرة واحدة.
و فقه هذه الحكاية أنه ليس له نفس متأثرة للمنع و لا للعطاء، فلم يعز عليهما المنع، و كان طلبه من اللّه فلم يصده منع الشخص عن الطلب.
و قصد رجل من أهل الثغر أن يخرج عشرين دينار يدفعها لأبى الفقراء ثم قالت له نفسه: إخراجك أنت لها أحسن[1]و أيقن، فنام تلك الليلة فرأى النبى صلّى اللّه عليه و سلم، و هو يقول: أتتهم من أمنه اللّه، فأصبح الرجل أخذ فى جيبه عشرين دينارا، و خرج يطلب أبا الفقراء «حجاجا» فلما لقيه سلم عليه و ناوله العشرين دينارا، قال:
يا أبى، اصرف هذه على من تراه. قال له حجاج: هذا بعد أن رأيت ما رأيت، و هزّه فاستغفر الرجل منه. و قال له: يا بنى، أربعين من تجار الكارم كنت آخذ منهم للفقراء افتقروا و أنا اليوم أعطيهم، و كأن رحمة فى الوجود بسعة البر و حسن النية، و الاصطلاح لذات البين، و كفالة الضعفاء، و الإقبال بالبر على من يرد الثغر، و كان للوجود به جمال و أنس بركة، رضي اللّه عنه.
و رأيت بالثغر بقية أصحاب الشيخ «عبد الرزاق» منهم الشيخ الصالح الولى «عبد الرحمن بن الطيب» كان من أهل الإسكندرية، سلك بعد وفاة الشيخ «عبد الرزاق» إيصال الراحات لخلق اللّه، و كانت القلوب مقبلة عليه، مسخرة له، يعتمد فى إنفاقه على التساوى، و له خدام يساعدونه على التفرقة، يعم فقراء الثغر بما يفرقه، و لو أنه رغيف كل واحد إلى دينار لا يرجح أحدا على أحد، و لا يستقل
[1]-بداية اللوحة رقم: 101.