و قال لى: يا بنى، كنت أطلب من شخص عشرين سنة، و هو لا يعطينى شيئا و أنا أترك طلبه إلى أن سخره اللّه لى إلى صار يعطينى المائة دينار فما حولها فى مرة واحدة.
و فقه هذه الحكاية أنه ليس له نفس متأثرة للمنع و لا للعطاء، فلم يعز عليهما المنع، و كان طلبه من اللّه فلم يصده منع الشخص عن الطلب.
و قصد رجل من أهل الثغر أن يخرج عشرين دينار يدفعها لأبى الفقراء ثم قالت له نفسه: إخراجك أنت لها أحسن[1]و أيقن، فنام تلك الليلة فرأى النبى صلّى اللّه عليه و سلم، و هو يقول: أتتهم من أمنه اللّه، فأصبح الرجل أخذ فى جيبه عشرين دينارا، و خرج يطلب أبا الفقراء «حجاجا» فلما لقيه سلم عليه و ناوله العشرين دينارا، قال:
يا أبى، اصرف هذه على من تراه. قال له حجاج: هذا بعد أن رأيت ما رأيت، و هزّه فاستغفر الرجل منه. و قال له: يا بنى، أربعين من تجار الكارم كنت آخذ منهم للفقراء افتقروا و أنا اليوم أعطيهم، و كأن رحمة فى الوجود بسعة البر و حسن النية، و الاصطلاح لذات البين، و كفالة الضعفاء، و الإقبال بالبر على من يرد الثغر، و كان للوجود به جمال و أنس بركة، رضي اللّه عنه.
و رأيت بالثغر بقية أصحاب الشيخ «عبد الرزاق» منهم الشيخ الصالح الولى «عبد الرحمن بن الطيب» كان من أهل الإسكندرية، سلك بعد وفاة الشيخ «عبد الرزاق» إيصال الراحات لخلق اللّه، و كانت القلوب مقبلة عليه، مسخرة له، يعتمد فى إنفاقه على التساوى، و له خدام يساعدونه على التفرقة، يعم فقراء الثغر بما يفرقه، و لو أنه رغيف كل واحد إلى دينار لا يرجح أحدا على أحد، و لا يستقل
[1]-بداية اللوحة رقم: 101.
شيئا يفرقه، و كانت له كرامات و أحوال سنية، و نفع كثير للفقراء و المسلمين، رضي اللّه عنه.
و من أصحاب الشيخ «عبد الرزاق» الشيخ الصالح الولى العارف «عبد الغالب» كان كبير الشأن، و كان أصحاب الشيخ «عبد الرزاق» يعرفون له بالفضل، و كان فيه اعتدال و رسوخ[1]فى أنفاسه و سلوكه و اعتدالاته، رضي اللّه عنه.
و منهم الشيخ الصالح الولى «أبو النور» كان اسمه نورا سمجا أبيض أنقى رهيف الصورة، لطيف الشمائل، أقام عشر سنين ما شرب الماء، و لا خرج من زاويته من الرباط إلا للجمعة لا غير، بقى على ذلك سنين عديدة، و كان مشهورا بالولاية، رضي اللّه عنه.
و رأيت منهم الشيخ العارف الولى «عبد الرحمن بن الفراش» كان كبير الشأن، تعظمه الجماعة، و يميزونه، و كان له رسوخ و اعتدال و نفس فى المعرفة، رضي اللّه عنه.
و من الشيخ الصالح الولى «موسى المغربى» كان من أعيان أصحاب الشيخ، كثير المجاهدات، مستمر الخلوة، لا يخرج من زاويته فى الرباط إلى وقت الجماعة للصلاة، و لا يخرج من الرباط إلا للجمعة، أقام على هذا سنين كثيرة، رضي اللّه عنه.
و منهم الشيخ الولى العارف «أبو جعفر عمر التلمسانى» كان عظيم الشأن، قال لى: وقفت مرة على جانب البحر فدعوت للمسلمين فسمعت الجواب من صدر البحر و لك مثله مرتين أو ثلاثا، فقلت للشيخ «عبد الرزاق المهدوى».
[1]-بداية اللوحة رقم: 102.
لما كان عندنا فى الثغر إنى يكلمنى الحجر فلما سافر للمهدية كتب كتابا للجماعة و قال فيه: السلام على عمر الذى كلمه الحجر، فعتبت عليه بقوله عنى كذا، قلت ما موجب العتب، قال: من يكلمه اللّه ينعت بكلام بالحجر، و كان لطيف الشمائل، لطيف الأنفاس، حسن الأخلاق، رضي اللّه عنه.
و منهم الشيخ الصالح الزاهد[1]الفقيه العالم: «وجيه الدين عوف» كان من بيت كبير، و جمعوا العلم و العمل و الرئاسة جدهم الفقيه «أبو الطاهر» عظيم الشأن، متفق على علو قدره، زاره صلاح الدين، و كان ينتفع برأيه، منهم هذا الشيخ «وجيه الدين» صحب الشيخ «عبد الرزاق» و تميز بصحبته بأخلاق الفقراء، و سلوك مسالكهم، و كان إمام جامع الثغر، رضي اللّه عنه.
و رأيت بالثغر الشيخ الصالح العارف و الولى الكبير «عبد الرحمن المغربى» كان عظيم الشأن اجتمعت فيه أنواع الولاية الاستقامة و الكرامات و الأحوال السنية، و المعارف الجلية، و الأنفاس العالية، و السياحات الهائلة، و مما حكى لى عن بعض سياحاته أنه بلغ جبل قاف، و رأى الحية الدائرة بالجبل رأسها على ذنبها.
و كان له من المنازلات و الاطلاع على المغيبات ما لا للأكثرين المشهورين فى زمانه، و صحبته و اطلعت منه على أن له مقاما عظيما، و انتفع به جمع كثير، و خلف أولادا صلحاء فقراء عباد، و كان له فى الثغر حرمة و أثر و بركة، رضي اللّه عنه.
و رأيت به الشيخ الولى الكبير «عبد الرحمن النويرى» كان عظيم الشأن، كبير الحرمة، يزوره أعيان صلحاء الثغر، رضي اللّه عنه.
[1]-بداية اللوحة رقم: 103.
و رأيت به الشيخ الصالح الكبير الولى «أبا زكريا يحيى» من أصحاب سيدى الإمام «أبى مدين» رضي اللّه عنه دخلت عليه صحبة أبى الفقراء[1]حجاج، وجدته شيخا قد كبر سنه، و كان كالفرخ، فزرناه و سألناه الدعاء، وجدناه مع هذا الحال صائما، رضي اللّه عنه.
و رأيت به الشيخ الصالح الولى اللطيف «أبا عبد اللّه المالقى» كان من الأعيان، و كان متميزا باللطافة، و يسير من الخلاعة، و له نفس فى التوحيد، و يغلب عليه شىء من المحبة، و انتفع به جماعة، و كان له قبول بالثغر، و فى بلاده، رضي اللّه عنه.
و رأيت به الشيخ الصالح العارف: «عبد القادر النقاد» سلك المعاملات على يدى الشيخ «ابن أبى شامة» ثم استولت عليه الأحوال فظهر عليه بعض ذلك و له كان ينطق فيه بالعجائب من النطق بأسرار الأحوال و المعارف، و لما تكاثر هذا منه ضاق عن حمله بعض فقهاء الثغر فأودعوه البيمارستان و الأحوال تغلب عليه، و الكشوفات.
فزاره الشيخ الكبير المعظم، فريد وقته «أبو العباس» المتفق على تفرده فى وقته، فلما جاء إليه زار البيمارستان و رأى حاله، و سمع نطقه قال: هذا عبد قادر، و حسبك من فضيلته هذا الرجل هذه الشهادة من هذا الكبير، و اصطحب معى هذا الشيخ «عبد القادر» بمصر و بالثغر زمانا و رأيت من علو أحواله و أنفاسه.
و أما كراماته فعجائب يضيق الوقت عن ذكرها، و مات بالثغر، و خلف أولادا صلحاء أعيانا، رضى اللّه عنهم[2].
[1]-بداية اللوحة رقم: 104.
[2]-بداية اللوحة رقم: 105.
و رأيت به الشيخ الصالح الولى العابد «أبو عبد اللّه العصائر» كان من أصحاب الشيخ «ابن أبى شامة» ظهر بالثغر بخير كثير، و انتفع به جمع كبير، و كان كبير الاستقامة، و خلّف خلفا حسنا.
منهم الشيخ الصالح «أبو الفضل» قام مقامه فى رباطه و ظهر خيره و انتفع الناس به.
و رأيت به الشيخ الصالح العارف «أبو الربيع سليمان المراكشى» من أصحاب الشيخ الإمام «أبى محمد صالح» كان له بالصغر ظهور و بركة، رضي اللّه عنه.
و رأيت بالثغر الشيخ الإمام القدوة العارف الكبير «أبو الفتح» كان عظيم الشأن شهرته عظيمة، أذن له السيد «أحمد الرفاعى» نفع اللّه به بالتوجه لديار مصر بإشارة عليه، ظهر حكمها، فلما وصل الثغر ظهرت عليه الأحوال السنية، و المعارف الجلية، و الهمة العلية.
و استجابت له البلاد، و انقادت له أعيان الناس، و كان له لسان ناطق و إشارات علية، و نفاذ همة، و اتسعت دائرته، وزارته الملوك، و حديثه مشهور.
أبو اسحق إبراهيم القليبى
و ما رأينا من جاء من جهة العراقين مثله، و خلف جماعة رجال أولياء، ظهرت عنهم الكرامات، منهم: الشيخ الصالح الولى «أبو إسحاق إبراهيم القليبى» بلده من بلاد الغربية، استقر بها بعد وفاة الشيخ هو و إخوة الإمام العارف الكبير «عبد السلام».
و اشترى بها بستانا حسنا، و اجتمعت عليهم الفقراء، و اتسعت عليهم البركات، و اتصلت[1]بالفقراء عنهم أنواع الراحات، و بسط لهذا الشيخ «عبد السلام» فى آخر عمره بسطا كثيرا، و اتسعت دائرته، و استجاب له خلق كثير، و كان بينى و بينه صحبة، و اجتماعات.
و مما جرى له عندى أنى كنت بالقاهرة فى ضيافة شخص، و كان بمصر قد جاء إليها فى حاجة لبعض أصحابه، فبينا نحن فى دار الشخص الذى نحن فى ضيافته، و إذا بالباب يضرب؛ فخرج بعض الخدام للباب و رجع، قال: يا سيدى، الشيخ «عبد السلام» قلت له: أسرع إلى خدمته و ادخل به، و إذا هو دخل علىّ و عنده سكر حال، سلم علىّ.
و قال: طلبتك بمصر فلم أجدك، قلت: يا سيدى، و كيف عرفت هذا المكان حين جئت إلىّ فيه؟!! و ما هو مكان معهود؟!! فنظر إلىّ نظرة منكر لهذا التعجب، ثم قال لى: مر لى أحد هؤلاء يحضر لى نارا، فخرج الخادم فصدف دابة عليها حمل حلفة و قضاب، فأخذ الجميع و دخل و وضعها فى صحن الدار، فقال لى الشيخ:
مره يضرم فيها نارا، فأضرم الخادم فيه نارا إلى أن اشتعلت و عمت جميع ما كان فيها من الوقود.
قام الشيخ من جوارى و دخل الناس، و بقى فى وسطها قائما و النار تتوقد و تلعب ألسنتها بذيل ثوبه إلى أن خمدت جاء إلىّ و اعتنقنى، أجده باردا كالرصاص[2]، و كانت كراماته و أحواله كثيرة، رضي اللّه عنه، و نتج له جماعة كثيرة و أولاد صلحاء.
[1]-بداية اللوحة رقم: 106.
[2]-لا سند لمثل هذه الروايات.
و منهم[1]الشيخ الولى العارف «أبو محمد البلتاجى» كان كبير أصحاب الشيخ «أبى الفتح» كلهم يعترفون له بالحرمة، كثير الأعمال، آثار الولاية ظاهرة عليه، يعرف أصحاب شيخه له أحوالا سنية، يتميز بها على غيره، و كان له قبول كثير، رضي اللّه عنه.
بعض من رأيتهم من الأولياء و كراماتهم
و منهم الشيخ العالم الولى العارف «عبد القادر الإسكندرانى» رضي اللّه عنه، توفى بمصر، كان مشهورا بالأحوال السنية، و المكاشفات السرية، و النطق بالحكم و المعارف، رضي اللّه عنه.
و منهم الشيخ «ضرغام المسيرى» كان فى مسير من أعمال الغربية كبير الشأن، انتفع به جميع كبير، له لسان ناطق بالحكمة و المعارف، متميز بين الأكابر، رضي اللّه عنه.
و منهم «عمران» كان خادم الشيخ، مشهورا بالولاية و الكفالة، يخدمه الشيخ، بعثه للرواق حتى أحضر له أهله للثغر لما حسنت إقامته فيه، رضى اللّه عنهم أجمعين.
و رأيت به الشيخ الصالح الولى الكبير المحترم «أبا عبد اللّه الشاطبى» الكبير خادم الشيخ «أبى العباس الكبير» المعروف بالرأس، كان يسكن أولا برأس خارجة فى البحر، بنى فيها بنفسه مكانا عمره، شرى جيره و لبنه بنفسه إلى أن تكمل خارجا فى البحر، يخاض إليه بأحجار كبار منصوبة فعرف به، ثم بعد ذلك كثرت شهرته و اتسعت دائرته، و انتقل إلى محرس سوار و عمره و أنشأ صهاريج.
[1]-بداية اللوحة رقم: 107.
و كان مكانه قد صار كعبة الثغر[1]لا بد لكل أحد منه من الملوك، و أكابر الناس، و سائر العالم متفق على سيادة هذا الشيخ و تفرده فى وقته و أحواله عظيمة، و كراماته كثيرة، و مكانه إلى الآن كعبة يعظم به كل من يتولاه، و كان هذا الشيخ الشاطبى يخدم الشيخ «أبا العباس» خدمة كفاة، و له حرمة عظيمة، قال الشيخ عنه: ما خطرت حاجة فى وقت من الأوقات إلا و يأتينى بها محمد الشاطبى من غير قول، و حصلت فى وقت لهذا الشيخ فترة خاطر ترك الشيخ أبا العباس، و جاء إلى عند سيدى الأستاذ «أبى العباس الحرار» بمصر.
فلما جاءنا تعجبنا و تعجب الناس، قال لنا الشيخ: هذا الرجل احترموه و لا تعارضوه مهما أراد يفعل، فتكلف الشاطبى بجميع الخدم مدة إقامته عندنا، إلى أن تألم أهل الثغر لعدم الشيخ «أبى العباس» الرأس له و صياعه بعده، فجاء إليه من الثغر الشيخ الوجيه «ابن عوف» و سأله العود للشيخ؛ فودع سيدنا الأستاذ، و مضى لشيخه و أقام به، و أوصى له بالمكان بعده و كفله إلى أن مات، رضي اللّه عنه.
و اشتهر «أبو عبد اللّه الشاطبى» الكبير خادم الشيخ، و أقبل عليه العالم، و كان على يده للفقراء راحات و اجتماعات، و انبسط فى السماعات، و سخر له الخلق، و كان أهلا للبسط الاستقامة و الزهد، و عدم الادخار، ثوبه لا يملكه، و رسم الخدمة ما خرج عنه، فلما كبر بسطه بالسماعات ضاقت صدور بعض فقرء الثغر عن حمله تكلموا، فلما بلغه كلامهم أخذ مفتاح المحرس و راح اجتمع بالفقيه الربعى الحاكم.
[1]-بداية اللوحة رقم: 108.