بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 115

و رأيت به الشيخ الصالح الولى العابد «أبو عبد اللّه العصائر» كان من أصحاب الشيخ «ابن أبى شامة» ظهر بالثغر بخير كثير، و انتفع به جمع كبير، و كان كبير الاستقامة، و خلّف خلفا حسنا.

منهم الشيخ الصالح «أبو الفضل» قام مقامه فى رباطه و ظهر خيره و انتفع الناس به.

و رأيت به الشيخ الصالح العارف «أبو الربيع سليمان المراكشى» من أصحاب الشيخ الإمام «أبى محمد صالح» كان له بالصغر ظهور و بركة، رضي اللّه عنه.

و رأيت بالثغر الشيخ الإمام القدوة العارف الكبير «أبو الفتح» كان عظيم الشأن شهرته عظيمة، أذن له السيد «أحمد الرفاعى» نفع اللّه به بالتوجه لديار مصر بإشارة عليه، ظهر حكمها، فلما وصل الثغر ظهرت عليه الأحوال السنية، و المعارف الجلية، و الهمة العلية.

و استجابت له البلاد، و انقادت له أعيان الناس، و كان له لسان ناطق و إشارات علية، و نفاذ همة، و اتسعت دائرته، وزارته الملوك، و حديثه مشهور.

أبو اسحق إبراهيم القليبى‌

و ما رأينا من جاء من جهة العراقين مثله، و خلف جماعة رجال أولياء، ظهرت عنهم الكرامات، منهم: الشيخ الصالح الولى «أبو إسحاق إبراهيم القليبى» بلده من بلاد الغربية، استقر بها بعد وفاة الشيخ هو و إخوة الإمام العارف الكبير «عبد السلام».


صفحه 116

و اشترى بها بستانا حسنا، و اجتمعت عليهم الفقراء، و اتسعت عليهم البركات، و اتصلت‌[1]بالفقراء عنهم أنواع الراحات، و بسط لهذا الشيخ «عبد السلام» فى آخر عمره بسطا كثيرا، و اتسعت دائرته، و استجاب له خلق كثير، و كان بينى و بينه صحبة، و اجتماعات.

و مما جرى له عندى أنى كنت بالقاهرة فى ضيافة شخص، و كان بمصر قد جاء إليها فى حاجة لبعض أصحابه، فبينا نحن فى دار الشخص الذى نحن فى ضيافته، و إذا بالباب يضرب؛ فخرج بعض الخدام للباب و رجع، قال: يا سيدى، الشيخ «عبد السلام» قلت له: أسرع إلى خدمته و ادخل به، و إذا هو دخل علىّ و عنده سكر حال، سلم علىّ.

و قال: طلبتك بمصر فلم أجدك، قلت: يا سيدى، و كيف عرفت هذا المكان حين جئت إلىّ فيه؟!! و ما هو مكان معهود؟!! فنظر إلىّ نظرة منكر لهذا التعجب، ثم قال لى: مر لى أحد هؤلاء يحضر لى نارا، فخرج الخادم فصدف دابة عليها حمل حلفة و قضاب، فأخذ الجميع و دخل و وضعها فى صحن الدار، فقال لى الشيخ:

مره يضرم فيها نارا، فأضرم الخادم فيه نارا إلى أن اشتعلت و عمت جميع ما كان فيها من الوقود.

قام الشيخ من جوارى و دخل الناس، و بقى فى وسطها قائما و النار تتوقد و تلعب ألسنتها بذيل ثوبه إلى أن خمدت جاء إلىّ و اعتنقنى، أجده باردا كالرصاص‌[2]، و كانت كراماته و أحواله كثيرة، رضي اللّه عنه، و نتج له جماعة كثيرة و أولاد صلحاء.

[1]-بداية اللوحة رقم: 106.

[2]-لا سند لمثل هذه الروايات.


صفحه 117

و منهم‌[1]الشيخ الولى العارف «أبو محمد البلتاجى» كان كبير أصحاب الشيخ «أبى الفتح» كلهم يعترفون له بالحرمة، كثير الأعمال، آثار الولاية ظاهرة عليه، يعرف أصحاب شيخه له أحوالا سنية، يتميز بها على غيره، و كان له قبول كثير، رضي اللّه عنه.

بعض من رأيتهم من الأولياء و كراماتهم‌

و منهم الشيخ العالم الولى العارف «عبد القادر الإسكندرانى» رضي اللّه عنه، توفى بمصر، كان مشهورا بالأحوال السنية، و المكاشفات السرية، و النطق بالحكم و المعارف، رضي اللّه عنه.

و منهم الشيخ «ضرغام المسيرى» كان فى مسير من أعمال الغربية كبير الشأن، انتفع به جميع كبير، له لسان ناطق بالحكمة و المعارف، متميز بين الأكابر، رضي اللّه عنه.

و منهم «عمران» كان خادم الشيخ، مشهورا بالولاية و الكفالة، يخدمه الشيخ، بعثه للرواق حتى أحضر له أهله للثغر لما حسنت إقامته فيه، رضى اللّه عنهم أجمعين.

و رأيت به الشيخ الصالح الولى الكبير المحترم «أبا عبد اللّه الشاطبى» الكبير خادم الشيخ «أبى العباس الكبير» المعروف بالرأس، كان يسكن أولا برأس خارجة فى البحر، بنى فيها بنفسه مكانا عمره، شرى جيره و لبنه بنفسه إلى أن تكمل خارجا فى البحر، يخاض إليه بأحجار كبار منصوبة فعرف به، ثم بعد ذلك كثرت شهرته و اتسعت دائرته، و انتقل إلى محرس سوار و عمره و أنشأ صهاريج.

[1]-بداية اللوحة رقم: 107.


صفحه 118

و كان مكانه قد صار كعبة الثغر[1]لا بد لكل أحد منه من الملوك، و أكابر الناس، و سائر العالم متفق على سيادة هذا الشيخ و تفرده فى وقته و أحواله عظيمة، و كراماته كثيرة، و مكانه إلى الآن كعبة يعظم به كل من يتولاه، و كان هذا الشيخ الشاطبى يخدم الشيخ «أبا العباس» خدمة كفاة، و له حرمة عظيمة، قال الشيخ عنه: ما خطرت حاجة فى وقت من الأوقات إلا و يأتينى بها محمد الشاطبى من غير قول، و حصلت فى وقت لهذا الشيخ فترة خاطر ترك الشيخ أبا العباس، و جاء إلى عند سيدى الأستاذ «أبى العباس الحرار» بمصر.

فلما جاءنا تعجبنا و تعجب الناس، قال لنا الشيخ: هذا الرجل احترموه و لا تعارضوه مهما أراد يفعل، فتكلف الشاطبى بجميع الخدم مدة إقامته عندنا، إلى أن تألم أهل الثغر لعدم الشيخ «أبى العباس» الرأس له و صياعه بعده، فجاء إليه من الثغر الشيخ الوجيه «ابن عوف» و سأله العود للشيخ؛ فودع سيدنا الأستاذ، و مضى لشيخه و أقام به، و أوصى له بالمكان بعده و كفله إلى أن مات، رضي اللّه عنه.

و اشتهر «أبو عبد اللّه الشاطبى» الكبير خادم الشيخ، و أقبل عليه العالم، و كان على يده للفقراء راحات و اجتماعات، و انبسط فى السماعات، و سخر له الخلق، و كان أهلا للبسط الاستقامة و الزهد، و عدم الادخار، ثوبه لا يملكه، و رسم الخدمة ما خرج عنه، فلما كبر بسطه بالسماعات ضاقت صدور بعض فقرء الثغر عن حمله تكلموا، فلما بلغه كلامهم أخذ مفتاح المحرس و راح اجتمع بالفقيه الربعى الحاكم.

[1]-بداية اللوحة رقم: 108.


صفحه 119

فقال له: يا فقهاء ما بيننا و بينكم إلا هذا المكان، أنتم فى حل منه، و من بلدكم، و رمى‌[1]له المفتاح و هاجر إلى مكة أقام بها إلى أن مات، و كان بمكة كثير السعة على الفقراء، سخر اللّه له، دائم التجريد، لا يملك ثوبه، و الفتوحات ترد عليهم يصرفها و ينفقها، اجتمعت معه بمكة، و كان معه طائفة حسنة مقتدية به، رضي اللّه عنه.

و رأيت بالثغر الشيخ الصالح الفقيه الولى «عبد المعطى» كان جامعا للعلم و العمل، كثير الاشتغال بالأعمال، يقال: إن له اجتماعات- بالخضر- رضي اللّه عنه و انتفعت به جماعة، و كان كثير التواضع للفقراء.

و لقد دعانا لبيته مرة فأخرج لنا قصعة فيها طعام و جلس بها فى وسطنا و وضعها على رأسه و أمرنا أن نأكل منها، فأكلنا منها، و هى على رأسه، إلى أن فرغت، و له عند أصحابه بالثغر كرامات كثيرة، رضي اللّه عنه.

و رأيت بالثغر «عبد الرحمن السوسى» كان من رجال الغرب، و عباد كثير السياحات، قال: كنت فى السياحة تألف إلىّ الوحش، و تجلس حولى، و أمشى بينهم، كأننى منهم إلى يوم خطر لى دخول العمارة، و تذكرت طفلا صغيرا كان يقرب لى، ثم رأيت غزالة صغيرة من الوحش الذى حولى، فخطر فى نفسى لو كانت معى هذه الغزالة أحملها للطفل الذى خطر لى من أقاربى، فعند ما خطر لى هذا الخاطر نفر الجميع عنى، و تباعدوا و صاروا ينظرون إلىّ خلاف ما كانوا عليه؛ فاستغفرت اللّه من ذلك الخاطر فعادوا إلى ما كانوا، رضي اللّه عنه.

[1]-بداية اللوحة رقم: 109.


صفحه 120

و رأيت بالثغر الشيخ الصالح الولى «أبا الحسن على الكندى» كان من الرجال، و غلب عليه الحال إلى أن كان يظهر عليه بعض اختلال، فسئل بعض الأكابر عن حاله، فقال: كان شاهد ليلة القدر؛ فكشف له عما تجلى عليه فيها، و كانت له مدة عن الطعام‌[1]فأثرت فيه هذه الحال، و كان الشيخ «الشاطبى» الكبير صحبه و خدمه قبل خدمته للشيخ «أبى العباس الرأس» و مما جرى لأبى عبد اللّه فى خدمته أنهما كانا مسافرين على ساحل بحر الملح، فحصل لهما عطش.

فقال «الشاطبى» له: اجلس إلى أن أفتش على الماء، فجلس و مشى «الشاطبى» يطلب الماء، فظفر به فوقع عليه و هو فى أشد ما يكون من العطش، فلم يشرب و أخذ من الماء و رجع يطلب الشيخ «أبا الحسن الكندى» إلى أن وجده فسقاه، و حينئذ شرب هو بعده، و هذا من أعظم الفتوة، الماء الذى وجده لا ينقص بشربه، و هو شديد العطش فلم يفعل يشرب مع كثرة الماء و وجوده إلى أن وجده و سقاه، رضى اللّه عنهما.

و رأيت بالثغر الشيخ الصالح الولى «أبا تراب» صحب الشيخ الولى الكبير «أبا يعزى» شيخ الشيخ «أبى مدين» و كان سنة حين رأيته مائة و أربعة و أربعين سنة، و حكى بعض كرامات الشيخ «أبى يعزى» عيانا رضي اللّه عنه.

و رأيت الشيخ الإمام العارف القدوة «أبا الحسن على الشاذلى» من أكابر الأئمة المربين الهادين إلى اللّه تعالى، كان مقيما بثغر الإسكندرية، و نشأ على يديه جماعة معتزون، أرباب كرامات و معارف، و إسراءات و معارج، و كان له مواعيد حفلة، و لسان ناطق، طلق و عبارات موضحة، و تأثيرات بينة، توفى فى طريق‌

[1]-بداية اللوحة رقم: 110.


صفحه 121

عيذاب، و حكاياته بين أصحابه كثيرة، رضي اللّه عنه، كان قد جاء إلى ديار مصر و هو بصير جميل الصورة، جميل الهيئة.

و تصدق على بأن جاء لمكانى بالقرافة، و هو أول تناوبى له، ثم حج و سار للمغرب، و جرى له فيه عطاء، ثم جاء إلى ديار مصر، و أقام بالثغر إلى أن سافر بنية الحج فمات فى طريقه، رضي اللّه عنه.

و رأيت الشيخ الصالح العارف‌[1]«أبا عبد اللّه محمد السيوفى» كان من الأكابر، عظيم الفتح، مستمر الأخذ، راسخا فى ذاته و معارفه، مستقيما فى تصرفاته، متفقا على سيادته، كثير الكشف، عظيم الصمت، لا يكاد ينطق إلا فى واجب، و رجع إلى بلاده بعد حجه و اجتمعوا عليه، و له بينهم سيادة عظيمة، و حرمة تامة، و انتظام كلمة، و طاعة محكمة، سلم له قبيلته أنفسهم و أموالهم، يتصرف فيهم تصرف النبى فى قومه، نفع اللّه به.

و رأيت الشيخ الصالح العارف الولى «أبا العباس بن عطية» من أكابر القوم، عظيم الشأن، كثير السياحات و الأحوال و المعارف الحسنة، طريقته التجريد الصحيح، و بقى عليه إلى أن مات، و أوصى من حوله أن أغسله، و رأيت من نعم اللّه تعالى علىّ، رضي اللّه عنه.

و رأيت الشيخ العارف الجليل «رشيد الدين الفرغانى» من أعظم أصحاب سيدنا الشيخ الإمام «شهاب الدين السهروردى» رضي اللّه عنه كان هذا الشيخ «رشيد الدين» عظيم القدر بين الصوفية فى سائر البلاد العراق و الشام و ديار مصر.

قيل: إن الشيخ «شهاب الدين» قال: كل أصحابنا فى قبضتنا و نحن فى قبضة «رشيد الدين».

[1]-بداية اللوحة رقم: 111.


صفحه 122

و سيرته عظيمة، كان الاجتماع به فى مصر مزورة من اللّه تعالى، تها منه إلى، رضي اللّه عنه.

و رأيت الشيخ الصالح الولى «أبا العباس الضرير» من أعيان أصحاب الشيخ سيدنا الإمام الأستاذ «أبى أحمد جعفر الأندلسى» شيخ سيدى الأستاذ الحرار، جاء إلى مصر و أظهر فيها طريق التجريد العظيم، و لقد رأيته خرج للحج من القاهرة، اجتمعت به فى بركة الحبش مبرزا للحج، و هو محرم بخرقة فى وسطه، و خرقة على كتفه، و إبريق لا غير ماشيا مجرد من جميع الأسباب، و وصل كذلك إلى‌[1]مكة.

و عاد و حوله جماعة يتبعونه على طريقه، و حكى لى أنه لما قدم على الشيخ «أبى أحمد» سلبه جميع ما كان قد حصل له من العلم و القراءة، و كان هذا الشيخ «أبو العباس الضرير» قد حصل شيئا من العلم، و كان يقرأ قراءة معتبرة، فلما سلبه جميع ما كان حصله، ورد عليه فتح شريف و أناله عطية رفيعة، فلما استكملها و عاد إلى وجوده أعيد له ما كان سلبه، و أقام بقرافة مصر و انتسب له فى البلاد أصحاب و مريدون، و مات بها، رحمه اللّه، و رضى عنه.

و رأيت الشيخ الإمام الصوفى فى العالم «فخر الدين الفارسى» كان من أكابر المشهورين تزوره الملوك و الأعيان، صحب جماعة من مشايخ العجم و خدمهم، آخر من خدم من الشيوخ الشيخ العارف الكبير «روزبهان» رضي اللّه عنه و عمر الشيخ «فخر الدين» زاوية بالقرافة محتوية على معبد الإمام العارف الكبير «ذى النون المصرى».

[1]-بداية اللوحة رقم: 112.