بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 127

الإمام الشيخ محيى الدين بن العربى‌

و رأيت بدمشق الشيخ الإمام العالم العارف «محيى الدين بن العربى» و كان من أكبر علماء الطريق، جمع بين سائر العلوم الوهبية، و شهرته عظيمة و تصانيفه كثيرة، و كان غلب عليه التوحيد، علما و خلقا، و حالا لا يكترث بالوجود، كان مقبلا أو عرضا، و له أتباع علماء أرباب مواجيد و تصانيف، و كان بينه و بين سيدى الأستاذ الحرار إخاء و رفقة فى السياحات رضي اللّه عنه.

و رأيت الشيخ‌[1]الصالح الولى الصوفى «برهان الدين الموصلى» كان كبير الاشتغال بالخلوات و الذكر، و ربى جماعة فى الخلوات، و كانت له آثار جميلة فى تربيته فى أصحابه، و حرمة تامة، مات بدمشق، رضي اللّه عنه.

و رأيت و خالطت الشيخ الصالح الكبير الولى القدوة «أبا الحسن بن لويزة» عرف باسم شيخه الشيخ «عبد الملك بن قفل الدمياطى» كان هذا الشيخ «أبو الحسن» منذ نشأ فى خدمة الشيخ «أبى مروان عبد الملك بن قفل» مقبول عليه، أحسن الناس صورة، و أكرمهم أخلاقا، و أحلمهم و أوسعهم صدرا، و كان مقيما بدمياط بعد شيخه، فلما أخذ العدو الأخذة التى كانت فى زمن الكامل، و بقى فيها مدة الحصار كما كان قبله، و كان من جملة الشيوخ فى الحصر الشيخ «حسن الطويل» و فيها مات.

و لما مرض خدمه الشيخ «أبو الحسن» بإحسانه و خلقه، فكان مما خدمه به أن عمل له فروجا أنفق عليه سبعين دينارا، لشدة الحصار، و عزة المنافع، فكان هذا الشيخ «أبو الحسن» كبير الحلم على الأصحاب، سعيد النصبة و القلوب كبيرة الميل لمحبته، رضي اللّه عنه.

[1]-بداية اللوحة رقم: 116.


صفحه 128

و رأيت الشيخ «أبا العباس الدقاق» كان كبير الشأن من أصحاب الشيخ الإمام العارف «أبى الحسن بن العطار» بمدينة فاس، و كان هذا الشيخ الدقاق كثير المجاورة بمكة، تحترمه الطائفة، رضي اللّه عنه.

و رأيت سعادة الشيخ الكبير العارف المحدث الزاهد القدوة «أبا عبد اللّه محمد» صاحب الشيخ الولى الكبير اليونانى، كان هذا الشيخ «محمد» متعين بالشام فى الحديث و الفقه و العبادة و الحرمة، ترد إليه الملوك و سائر الطوائف، و أتباعه كثير، رضي اللّه عنه.

و رأيت من الصوفية التى بالخانقاه التى بالقاهرة المحروسة الشيخ العارف «خواجا جهان» كان رجلا كبير الشأن، مشهورا بالمكاشفات، جميل الصورة، عظيم السكنية[1]، له أحوال شريفة، و له بين الصوفية كرامات جليلة، رضي اللّه عنه.

و رأيت منهم الشيخ الصالح الولى العالم الفاضل المحدث «ضياء الدين الكردى» كان كبير الشأن، عظيم المعاملات، مترسما بالزهد، و التقلل فى الملبوس و غيره، كثير الإيثار بعطاء ضعفاء الصوفية بالخدمة بنفسه و البر بهم و المسامرات لهم، كثير التواضع مع الرفعة، كثير الافتقار لطلب النفع مع التضلع بالعلوم، زهد فى الخانقاه، و انقطع فى مكان يعبد اللّه تعالى، خفى الحالة انتهاء إلى أن يختم فى كل يوم ختمة، و كل ليلة ختمة، فكان له فى كل يوم و ليلة ختمتين، و لا يطلع الأكثرين على حاله، رضي اللّه عنه.

و رأيت بضيعة من ضياع مصر تسمى صول مولها، يقال له «عز الدين» كان من الرجال مشهور بالكرامات، روى مرارا يلتقى له برى النيل فيعبر من مكان بر

[1]-بداية اللوحة رقم: 117.


صفحه 129

إلى بر، كبير الكشف جالسا تحت السماء بين الخلفاء حوله دارة جبريل، قائما و هو فى وسطه مكشوف الرأس، شعث الحالة، عليه مرقعة أطمار، تشهد فى عينه السرور التام، يقبل على واحد، و يطرد عشرين لا يعلم باطن حاله، فى وفيه تشهد له القلوب بأنه غنى نتحكم يسمع عنده فى بعض الأحيان من بين يديه قبة الحان، لا يسمع فى الوجود أطرب منها، و حكاياته كثيرة غاب عن ذهنى أكثرها، رضي اللّه عنه و نفعنا به.

و رأيت مولها اسمه «محمد» عجميا، صورة جميلة يقال: إنه كان فقيها قبل أن يتوله، يدور على الدوام، يذكر اللّه على الدوام، ليلا و نهارا، ما رأيناه مضطجعا و لا جالسا ليلا و نهارا يدور فى الصحارى و الجبال على هذه الهيئة يأكل إذا أطعم أكل المسحوت المطلوب، ثم إذا أخذ حاجته من الأكل تهيج كما تهيج الإبل، و هو من ذلك مشرق اللون، جميل الوجه، يصلى الفريضة، صلاة كاملة، و إذا صلى السنة يصليها قلقا، كثير الكشف، رأيته بذلك الوصف بقرافة[1]مصر، و دخل عندى على هذه الحالة.

و لم يزل فى الركب فى طريق الحاج من مصر على هذه الحالة لا يمشى مستقيما على الطريق مع جد سير الركب إلا يدور الجبال، يطلع جبلا و ينزل الوهاد، و هو يدور، لا يتأثر لكثرة المشى، فيوفر نفسه من طلوع الجبال و لا يحمل هم عطش و لا قوت إلى أن دخلت لزيارة النبى صلّى اللّه عليه و سلم، كنت قائما بين يدى النبى صلّى اللّه عليه و سلم، و إذا هو يشير إلىّ أجده جالسا مع الحائط مستقبل الحجرة، لا يدور و لا ينطق، و كان هذا آخر عهدى به، رضي اللّه عنه.

[1]-بداية اللوحة رقم: 118.


صفحه 130

و رأيت الشيخ الإمام العارف القدوة «سعد الدين بن حمويه» ربيب المشيخة و الرئاسة فى أهل الطريق، و كان متعينا فى نيته بالتجريد، و كان أعمامه و أبناء أعمامه شيوخ الخوانق بديار مصر و الشام.

و منهم الوزراء و الأمراء، و كان متعززا عن أن يحتاج إليهم، مشتغلا باللّه، و بإقامة أحكام الطريق على قدم التوكل، مشتغلا بتربية المريدين، و يسافر البلاد و هو على هذا الحال، دخل بلاد العجم، و أسلم على يديه خلق كثير من الترك، و كانت له تصانيف حسنة فى علوم التصوف، رأيته فى مصر و ابن عمه وزير الملك الكامل، و ابن عمه الآخر شيخ الخانقاه، و كبير دولة الكامل، و لم يعرج الشيخ «سعد الدين» عليهم، و آخر اجتماعى بهم فى مسجد الخيف بمنى، رضي اللّه عنه.

و رأيت الشيخ الصالح الولى «أبا محمد السجلماسى» كان كبير الشأن فى الولاية من أعيان أمراء المغرب، تجرد و دخل فى السياحات، و له كرامات، و رفيقه الشيخ الصالح الولى «أبو محمد التلمسانى» كان من أكابر الأولياء من أمراء المغرب، تجرد هو و الشيخ السجلماسى، كان كبير الشأن فى الولاية فى وقت واحد، و اصطحبانى فى العبادة و السياحات، و أنتج للشيخ «أبى محمد التلمسانى» بمصر أتباع أولاد، و أثر حسن، رضى اللّه عنهم أجمعين.

و رأيت الشيخ الصالح العارف‌[1]المشهور «أبا زكريا السبتى» ظهر بمصر ظهورا كبيرا، و كان له قبول عظيم، تزوره الملوك، و دولها، لا يأكل الخبز سنين كثيرة إلى أن مات، و له أتباع و مريدون كثيرة، موسع عليه، كبير العطاء، خلف أولادا مخترمين على طريقته، رضي اللّه عنه.

[1]-بداية اللوحة رقم: 119.


صفحه 131

و كان كبير التعزز أول وروده لبلاد ديار مصر، أخذ تغير من أصحابه فى الإصطول فمشى لمن كان قبله فى خلاصه فلم يتخلص؛ فانقطع فى زاوية بالقرافة على التجريد القوى و الصلف العظيم، فما كان بعد أيام إلا و حرك اللّه السلطان لزيارته، و انتشر ذكره، و ازدادت عزته، فلم يشتغل، بينما كان يجلس بين القبور و الترب التى حوله للمواعيد و الزوار و يلبسون أفخر ملابس الأعياد، رضي اللّه عنه.

و رأيت الشيخ الصالح الفقيه العالم المكمل «ضياء الدين عيسى البلبيسى» يعرف بابن قطران، كان صاحب استقامة و اعتدال، و نسك و جمال، انتفع به جماعة كبيرة، أنسوا ببركته، و اهتدوا من بدع بلاده على يديه، و كان منهم الشيوخ الصلحاء و أئمة المساجد و العدل، ترد عليه أكابر الرجال لزيارته.

فمن كرامته زيارة الشيخ القرشى، رضي اللّه عنه، له صداقات من مصر و صحبته أصحابه كلهم معه، و الشيخ ربيع الماوردانى، و أكابر الأولياء، و مات بثغر الإسكندرية، و خلف أولادا صلحاء و عدولا، رضي اللّه عنه، و كان سيدى الأستاذ «أبو العباس» مواليه و مؤاخيه، وزاره مرة قاصدا لبلده، رضي اللّه عنه.

و رأيت بها مولها يسمى «زيارة» كان حاله عجيبا لا يطلب من أحد شيئا و يأكل ما يطعم، و الدينار و الدرهم لا يستطيع يراهما و لا يلمسهما، و تتحيل عليه الأمراء و الأغنياء يطعمونه الحلوى و يدسون فيها الدنانير فعند ما يحس بالدنانير فى الحلوى؛ فيدفعها و يضعها كأنها عقرب أو رأس حية، و كان له فراسة كبيرة[1]و أمور عجيبة، يعرفها أهل بلده، و كان يجتمع فى كل سفرة أحلها فى بلبيس، رضي اللّه عنه.

[1]-بداية اللوحة رقم: 120.


صفحه 132

و رأيت من المولهين بالشام عليا الكردى، تقدمت بعض أخباره فى هذا المجموع، كان بدمشق يتحكم فيها حكم المالك إلى أن دخل رجل موله يقال له:

«ياقوت» دخل من الجامع من باب جيرون، خرج على من باب البريد الصحراء بالباب الصغير، لم يعد يدخل دمشق إلى أن مات، و بقى «ياقوت» و كان شخصا لطيف الصورة يتصرف فى البلد، رضى اللّه عنهم.

و رأيت بها القمننى بادى فى القمين لكبر أوقاته، و يدخل فى الجامع و يلحظه الأعين، و يتحدثون بمكاشفاته، فكان لا يرى يصلى، و يفطر فى رمضان، و كان للناس به شغل، رضي اللّه عنه‌[1].

و رأيت بمصر مولها يسمى «أحمد» كان كثيرا يأوى عند المصلا بين مصلى مصر من جهة قرافة مصر، و مصلا باب الطحانين للقاهرة، كثير الضحك، و يصلى و يضحك فى الصلاة، محفوظ من السفه و اللغو، كثير المكاشفة، يتعرض بالسؤال غنيا من غير ضرورة للسؤال، نوعا من التستر، و لقد عبرت يوما راكبا، و كان فى عمامتى كاغدة فيها عشرون دينارا.

عاينا جانبى من القلعة من جهة الملك الكامل سلمت عليه، رد على السلام وضحك و قال: فى رأسه كاغدة فيها عشرون دينارا، جاءته من القلعة، و مرة أخرى انزوى للسوق التمس شراء دابتين لطحونتين كنت عملتها فى الزاوية للفقراء، فعبرت عليه و سلمت عليه فردّ على السلام و قال: كيف الحمير اليوم، رخاص أم غوال؟.

[1]-كيف لا يصلى و لا يصوم و يصبح وليا و رب العزة فى الحديث القدسى قال:« عبدى أطعنى تكن ربانيا ...» إلخ فالصلاة كما جاء فى الحديث عماد الدين من أقامها أقام الدين و من هدمها هدم الدين.


صفحه 133

و مرة أخرى كنت على شاطى‌ء النيل أفكر فى زواج فقير كان يختص بى، فعبر على وضحك، و وقف و قال زواج يهتمون به يبيعون حصة فى فندق حتى يعلوه، و كان ذلك بعنا حصة كانت له نفقنا بها على زواجه، رضي اللّه عنه.

و رأيت مولها بالقاهرة مقعدا يطعم و لا يصلى، كثير الكلام على الخاطر، و اشتهر بذلك إلى أن كان يحمل لبيوت‌[1]الأمراء ليسمعوا حديثه، و لقد عثرت عليه يوما فسلمت عليه عقب اجتماعى بالشيخ «خضر» الذى كان الملك الكامل قد اشتغل به، فسلمت على هذا الموله، فقال لى: لا تحضر و لا تقصير فكان معى فقير خادم رآه معى، فبعد ذلك عبر الخادم عليه و سلم عليه، قال له: سلم على صاحبك ابن أخى الرفاعى، فأخبرنى الخادم بذلك، قلت له: صدق شيخنا تواخى هو و سيدى «أحمد الرفاعى» فى العراق، و كان يسمى بالحلبى، رضي اللّه عنه.

و رأيت بجيزة مصر امرأة مولهة أقامت فوق ثلاث سنين قائمة على رجليها فى مكان من الأرض، بين خلبوص الحلفا، ما جلست ليلا و لا نهارا، شتاء و لا صيفا[2]، و فى الصيف لا يسترها شى‌ء عن الشمس، و لا فى الشتاء لا يسترها شى‌ء عن المطر و الحيات و الثعابين حولها يأوون تأكل ما يستطعم، و تكلم من يكلمها.

و كان أمرها عجيبا، و كان بجوارها فى الجيزة رجل يسمى «خثعم» من أهل الفيوم، كبير الكشف، تحت السماء ليلا و نهارا، شتاء و صيفا، و يجلس أبدا مستقبل القبلة، يوفى الصلوات بأتم ما يكون، يوحش من الخلق لا يقبل إلا على من يعلم صلاحه، كثير النفور ممن يعلم تخليطه، أقام على هذا سنين عديدة، رضي اللّه عنه.

[1]-بداية اللوحة رقم: 121.

[2]-هذه أمور فوق طاقة البشر و لا يمكن لانسان أن يعيش لمدة ثلاث سنوات واقفا بلا نوم مما يوحى بانتحال مثل هذه القصص.


صفحه 134

و رأيت امرأة كبيرة الشأن، يعظمها الأولياء و العلماء، مغربية، يقال لها «ست الملوك» جاءت من المغرب صحبة الشيخ «أبى يوسف اليمانى» كانت زارت البيت المقدس، و كان فيه الشيخ الكبير الولى «على بن غلس اليمانى» كبير الشأن، قال: كنت بحرم المقدس، و إذا أنا أشهد حبل نور مدلى إلى قبة كانت فى الحرم، فمشيت لتلك القبة فأجد فيها هذه المرأة «ست الملوك» و النور الذى رأيته مصلاها؛ فخطبتها للأخوة فأجابته، و قالت لى هذه المرأة: أودعنى «على من غلس» أبريقا خزفا، و قال لى: يا أختى، احفظيه فوضعته على رف فى البيت و أنا أنظر إليه يوما[1]فإذا هو قد انحل صار شقافا من غير حركة منه، و لا شى‌ء به، فذكرت اللّه و تعجبت من أمره، و قمت جمعته و ربطته فى خرقة و ورخت تلك الساعة، فبعد أيام جاء خبر الشيخ «على بن غلس» بأنه مات بدمشق فى تلك الساعة.

و قال لى يوما: يا بنى، هلّ علىّ هلال رمضان، فساعة دونته و ثبوته أطلعنى اللّه تعالى على ليلة قدره، أى ليلة هى، و عرفنى بها، و حفظتها، فلما كانت الليلة المعنية ليلة القدر، و كنت أهرب منها كما يهرب الغريم من غريمه، و أنوارها نحو سنى، و تسع من عينى و أنا أقول: و عزتك يا رب و جلالك ما أحتاج معك إلى ليلة القدر، إلى أن انفضت، و كان لها حرمة عند أكابر الأولياء، يرونها، رضى اللّه عنها.

و رأيت الشيخ الصالح الولى «سفيان اليمانى» من الأكابر و أرباب الهمم، و كان معمر الأوقات بالصلوات، ظهر من جهة من اليمن بعد وصوله إلى ديار

[1]-بداية اللوحة رقم: 122.