بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 130

و رأيت الشيخ الإمام العارف القدوة «سعد الدين بن حمويه» ربيب المشيخة و الرئاسة فى أهل الطريق، و كان متعينا فى نيته بالتجريد، و كان أعمامه و أبناء أعمامه شيوخ الخوانق بديار مصر و الشام.

و منهم الوزراء و الأمراء، و كان متعززا عن أن يحتاج إليهم، مشتغلا باللّه، و بإقامة أحكام الطريق على قدم التوكل، مشتغلا بتربية المريدين، و يسافر البلاد و هو على هذا الحال، دخل بلاد العجم، و أسلم على يديه خلق كثير من الترك، و كانت له تصانيف حسنة فى علوم التصوف، رأيته فى مصر و ابن عمه وزير الملك الكامل، و ابن عمه الآخر شيخ الخانقاه، و كبير دولة الكامل، و لم يعرج الشيخ «سعد الدين» عليهم، و آخر اجتماعى بهم فى مسجد الخيف بمنى، رضي اللّه عنه.

و رأيت الشيخ الصالح الولى «أبا محمد السجلماسى» كان كبير الشأن فى الولاية من أعيان أمراء المغرب، تجرد و دخل فى السياحات، و له كرامات، و رفيقه الشيخ الصالح الولى «أبو محمد التلمسانى» كان من أكابر الأولياء من أمراء المغرب، تجرد هو و الشيخ السجلماسى، كان كبير الشأن فى الولاية فى وقت واحد، و اصطحبانى فى العبادة و السياحات، و أنتج للشيخ «أبى محمد التلمسانى» بمصر أتباع أولاد، و أثر حسن، رضى اللّه عنهم أجمعين.

و رأيت الشيخ الصالح العارف‌[1]المشهور «أبا زكريا السبتى» ظهر بمصر ظهورا كبيرا، و كان له قبول عظيم، تزوره الملوك، و دولها، لا يأكل الخبز سنين كثيرة إلى أن مات، و له أتباع و مريدون كثيرة، موسع عليه، كبير العطاء، خلف أولادا مخترمين على طريقته، رضي اللّه عنه.

[1]-بداية اللوحة رقم: 119.


صفحه 131

و كان كبير التعزز أول وروده لبلاد ديار مصر، أخذ تغير من أصحابه فى الإصطول فمشى لمن كان قبله فى خلاصه فلم يتخلص؛ فانقطع فى زاوية بالقرافة على التجريد القوى و الصلف العظيم، فما كان بعد أيام إلا و حرك اللّه السلطان لزيارته، و انتشر ذكره، و ازدادت عزته، فلم يشتغل، بينما كان يجلس بين القبور و الترب التى حوله للمواعيد و الزوار و يلبسون أفخر ملابس الأعياد، رضي اللّه عنه.

و رأيت الشيخ الصالح الفقيه العالم المكمل «ضياء الدين عيسى البلبيسى» يعرف بابن قطران، كان صاحب استقامة و اعتدال، و نسك و جمال، انتفع به جماعة كبيرة، أنسوا ببركته، و اهتدوا من بدع بلاده على يديه، و كان منهم الشيوخ الصلحاء و أئمة المساجد و العدل، ترد عليه أكابر الرجال لزيارته.

فمن كرامته زيارة الشيخ القرشى، رضي اللّه عنه، له صداقات من مصر و صحبته أصحابه كلهم معه، و الشيخ ربيع الماوردانى، و أكابر الأولياء، و مات بثغر الإسكندرية، و خلف أولادا صلحاء و عدولا، رضي اللّه عنه، و كان سيدى الأستاذ «أبو العباس» مواليه و مؤاخيه، وزاره مرة قاصدا لبلده، رضي اللّه عنه.

و رأيت بها مولها يسمى «زيارة» كان حاله عجيبا لا يطلب من أحد شيئا و يأكل ما يطعم، و الدينار و الدرهم لا يستطيع يراهما و لا يلمسهما، و تتحيل عليه الأمراء و الأغنياء يطعمونه الحلوى و يدسون فيها الدنانير فعند ما يحس بالدنانير فى الحلوى؛ فيدفعها و يضعها كأنها عقرب أو رأس حية، و كان له فراسة كبيرة[1]و أمور عجيبة، يعرفها أهل بلده، و كان يجتمع فى كل سفرة أحلها فى بلبيس، رضي اللّه عنه.

[1]-بداية اللوحة رقم: 120.


صفحه 132

و رأيت من المولهين بالشام عليا الكردى، تقدمت بعض أخباره فى هذا المجموع، كان بدمشق يتحكم فيها حكم المالك إلى أن دخل رجل موله يقال له:

«ياقوت» دخل من الجامع من باب جيرون، خرج على من باب البريد الصحراء بالباب الصغير، لم يعد يدخل دمشق إلى أن مات، و بقى «ياقوت» و كان شخصا لطيف الصورة يتصرف فى البلد، رضى اللّه عنهم.

و رأيت بها القمننى بادى فى القمين لكبر أوقاته، و يدخل فى الجامع و يلحظه الأعين، و يتحدثون بمكاشفاته، فكان لا يرى يصلى، و يفطر فى رمضان، و كان للناس به شغل، رضي اللّه عنه‌[1].

و رأيت بمصر مولها يسمى «أحمد» كان كثيرا يأوى عند المصلا بين مصلى مصر من جهة قرافة مصر، و مصلا باب الطحانين للقاهرة، كثير الضحك، و يصلى و يضحك فى الصلاة، محفوظ من السفه و اللغو، كثير المكاشفة، يتعرض بالسؤال غنيا من غير ضرورة للسؤال، نوعا من التستر، و لقد عبرت يوما راكبا، و كان فى عمامتى كاغدة فيها عشرون دينارا.

عاينا جانبى من القلعة من جهة الملك الكامل سلمت عليه، رد على السلام وضحك و قال: فى رأسه كاغدة فيها عشرون دينارا، جاءته من القلعة، و مرة أخرى انزوى للسوق التمس شراء دابتين لطحونتين كنت عملتها فى الزاوية للفقراء، فعبرت عليه و سلمت عليه فردّ على السلام و قال: كيف الحمير اليوم، رخاص أم غوال؟.

[1]-كيف لا يصلى و لا يصوم و يصبح وليا و رب العزة فى الحديث القدسى قال:« عبدى أطعنى تكن ربانيا ...» إلخ فالصلاة كما جاء فى الحديث عماد الدين من أقامها أقام الدين و من هدمها هدم الدين.


صفحه 133

و مرة أخرى كنت على شاطى‌ء النيل أفكر فى زواج فقير كان يختص بى، فعبر على وضحك، و وقف و قال زواج يهتمون به يبيعون حصة فى فندق حتى يعلوه، و كان ذلك بعنا حصة كانت له نفقنا بها على زواجه، رضي اللّه عنه.

و رأيت مولها بالقاهرة مقعدا يطعم و لا يصلى، كثير الكلام على الخاطر، و اشتهر بذلك إلى أن كان يحمل لبيوت‌[1]الأمراء ليسمعوا حديثه، و لقد عثرت عليه يوما فسلمت عليه عقب اجتماعى بالشيخ «خضر» الذى كان الملك الكامل قد اشتغل به، فسلمت على هذا الموله، فقال لى: لا تحضر و لا تقصير فكان معى فقير خادم رآه معى، فبعد ذلك عبر الخادم عليه و سلم عليه، قال له: سلم على صاحبك ابن أخى الرفاعى، فأخبرنى الخادم بذلك، قلت له: صدق شيخنا تواخى هو و سيدى «أحمد الرفاعى» فى العراق، و كان يسمى بالحلبى، رضي اللّه عنه.

و رأيت بجيزة مصر امرأة مولهة أقامت فوق ثلاث سنين قائمة على رجليها فى مكان من الأرض، بين خلبوص الحلفا، ما جلست ليلا و لا نهارا، شتاء و لا صيفا[2]، و فى الصيف لا يسترها شى‌ء عن الشمس، و لا فى الشتاء لا يسترها شى‌ء عن المطر و الحيات و الثعابين حولها يأوون تأكل ما يستطعم، و تكلم من يكلمها.

و كان أمرها عجيبا، و كان بجوارها فى الجيزة رجل يسمى «خثعم» من أهل الفيوم، كبير الكشف، تحت السماء ليلا و نهارا، شتاء و صيفا، و يجلس أبدا مستقبل القبلة، يوفى الصلوات بأتم ما يكون، يوحش من الخلق لا يقبل إلا على من يعلم صلاحه، كثير النفور ممن يعلم تخليطه، أقام على هذا سنين عديدة، رضي اللّه عنه.

[1]-بداية اللوحة رقم: 121.

[2]-هذه أمور فوق طاقة البشر و لا يمكن لانسان أن يعيش لمدة ثلاث سنوات واقفا بلا نوم مما يوحى بانتحال مثل هذه القصص.


صفحه 134

و رأيت امرأة كبيرة الشأن، يعظمها الأولياء و العلماء، مغربية، يقال لها «ست الملوك» جاءت من المغرب صحبة الشيخ «أبى يوسف اليمانى» كانت زارت البيت المقدس، و كان فيه الشيخ الكبير الولى «على بن غلس اليمانى» كبير الشأن، قال: كنت بحرم المقدس، و إذا أنا أشهد حبل نور مدلى إلى قبة كانت فى الحرم، فمشيت لتلك القبة فأجد فيها هذه المرأة «ست الملوك» و النور الذى رأيته مصلاها؛ فخطبتها للأخوة فأجابته، و قالت لى هذه المرأة: أودعنى «على من غلس» أبريقا خزفا، و قال لى: يا أختى، احفظيه فوضعته على رف فى البيت و أنا أنظر إليه يوما[1]فإذا هو قد انحل صار شقافا من غير حركة منه، و لا شى‌ء به، فذكرت اللّه و تعجبت من أمره، و قمت جمعته و ربطته فى خرقة و ورخت تلك الساعة، فبعد أيام جاء خبر الشيخ «على بن غلس» بأنه مات بدمشق فى تلك الساعة.

و قال لى يوما: يا بنى، هلّ علىّ هلال رمضان، فساعة دونته و ثبوته أطلعنى اللّه تعالى على ليلة قدره، أى ليلة هى، و عرفنى بها، و حفظتها، فلما كانت الليلة المعنية ليلة القدر، و كنت أهرب منها كما يهرب الغريم من غريمه، و أنوارها نحو سنى، و تسع من عينى و أنا أقول: و عزتك يا رب و جلالك ما أحتاج معك إلى ليلة القدر، إلى أن انفضت، و كان لها حرمة عند أكابر الأولياء، يرونها، رضى اللّه عنها.

و رأيت الشيخ الصالح الولى «سفيان اليمانى» من الأكابر و أرباب الهمم، و كان معمر الأوقات بالصلوات، ظهر من جهة من اليمن بعد وصوله إلى ديار

[1]-بداية اللوحة رقم: 122.


صفحه 135

مصر، و حجه، و ادعوا فيه جماعة كثيرة الهداية، لما رأوا من كراماته و تحكماته، قال لى شخص: يا سيدى، ادع لى، قال له: لا تفعل هذا، إنماادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‌[1]و هذا من إطلاقهم الذى يحتاج إلى إيضاح لمن يشكل عليه حديثهم، رضي اللّه عنه.

و رأيت من رجال اليمن رجلا كبير الشأن من أجلاء أصحاب الشيخ الإمام القدوة «أبى الغيب» رضي اللّه عنه، يقال له «قحطان» كان من أكابر الأولياء و الاستقامة، مستمر الاشتغال باللّه، له كرامات نذكرها من كاثرة، و مات ببلبيس من ديار مصر، رضي اللّه عنه.

و رأيت الشيخ الصالح الولى «أبا عبد اللّه محمد الشاطبى» بثغر الإسكندرية الذى كان فى محرس سوار مكان الشيخ المعظم «أبى العباس الرأس» تولى هذا المكان المشهور بعد الشيخ «أبى العباس» خادمه الكبير المشهور أولا «أبو عبد اللّه محمد الشاطبى» الكبير الذى تقدم ذكره، و مات بمكة و ولى المكان بعده الشيخ «عمر[2]التلمسانى» مدة يسيرة، ثم ولى فيه هذا الشيخ «محمد الشاطبى» الثانى، و انحازت الإسكندرية له، و كثر أصحابه و ولاهم أكثر محارس البلد و مساجدها، و كان له قبول كبير، و مات بالمحرس، و دفن مع الشيخ الكبير فى تربته، و كان قد تقدم له اشتغال بالعلم، حسن الأخلاق، حلو الصورة، عظيم الهيئة، رضي اللّه عنه.

و رأيت الشيخ الصالح «أبا العباس الدمنهورى» انتقل إلى ثغر الإسكندرية مدة ثم انتقل إلى القاهرة، له بدايات معتبرة، و مجاهدات هائلة، و تصرفات نافذة، كثير المكاشفات، موسع عليه مسخر له، رضي اللّه عنه.

[1]-سورة غافر: 60.

[2]-بداية اللوحة رقم: 123.


صفحه 136

و رأيت الشيخ الصالح العارف «عبد المنعم تقى الدين» من أهل القاهرة، صحب جماعة من الشيوخ المعتبرين، كثير الفتوة، كثير السعى فى قضاء حوائج الناس، نافذ المقاصد، و كان ينتسب فى الخيم الأمراء و الوزراء و القضاة يعتقدونه، و يستجلب منهم الراحات للفقراء، و مما كان فتوته مع الأصحاب أن صديقا له كانت له جارية يحبها، فحصلت منه غفلة فباعها و انفصلت بالكلية بالبيع الصحيح، و سافر بها المشترى إلى الصعيد.

فثارت بحبها فى قلب الذى باعها بحيث لا ينام و لا يأكل، و خيف عليه التلف، اطلع الشيخ «تقى الدين عبد المنعم» على حالته، سافر بنفسه للصعيد، و لم يعلم أحد به مع سعة دائرته مع الأولاد و الأهل، و تعلق قلوب الناس به، و تردادهم إليه مع الحوائج، و شغل خواطر الأكابر به، و سافر مسرعا إلى أن وصل إلى قوص، فارتجت قوص لوروده، و حضر لخدمته متوليها و قاضيها و أكابرها، و سألوه عن سبب سفره و حضوره، فأخبر من له نفوذ أمر بأننى جئت بسبب شراء جارية من فلان، فللوقت أحضر و طلبت منه فأجاب، فعاقده عليها العقد الشرعى الذى صارت به فى ملكه و أعتقها، و طلب منه سيدها الثمن فوعده بالصبر[1].

و أخبره بأنها صارت حرة، فاطلع أكابر البلد على شرائه للجارية، فللوقت أحضروا له ثمنها و أعطوه للبائع لها عن الشيخ، و أخذها الشيخ، و أخذها فى أسرع وقت و جاء بها للذى كانت له، و تلف غفلة عليها، زوجها له، ورد عليه عقله و دينه، و كانت هذه الحركة و أمثالها دأبه، و تصرفاته، رضي اللّه عنه.

و رأيت بدمشق و بمصر الشيخ الصالح الولى «أبا القاسم الصقلى» كان من الأكابر، أدرك الأكابر من الرجال، كثير الانقطاع، طريقه التوكل الحسن‌

[1]-بداية اللوحة رقم: 124.


صفحه 137

النظيف، متعززا باللّه، مشهورا بالعبادة، من بدايته إلى كبره، و حين كان بدمشق و كنت به شابا أحب الصالحين، فكنت ألازمه، و يحكى لى حكايات القوم و يعلمنى الأوراد، و كان سنى حين ذاك أربعة عشرة سنة، و كنت على هيئة أهل الدنيا، قبل صحبتى لسيدى الأستاذ «أبى العباس الحرار» الذى تجردت على يده و صحبته، رضى اللّه عنهم أجمعين.

و رأيت بالإسكندرية الشيخ المحقق الواحد «أبا الطاهر إسماعيل» الذكر الذى كان من حوله القوم، و سافر البلاد إلى أن سكن ثغر الإسكندرية، و حصل له بها حرمة، و ظهور، و قبول، و أصحاب، و كان إدراكه سنيا، و تنرماه عليا، و سافر للمغرب، و نزل بتونس و حصل له بها قبول، و مات بها، رضي اللّه عنه، و كان من أصحاب الشيخ «أبى صالح» شديد الحال، قوى الباطن، لا يذعن لأحد من صغره، و دخل على مصر أول وروده ليس فى وجهه شعرة، و هو همته بهمة أكابر الشيوخ، و كانت له معى أخوة و صحبة سنين كثيرة، نفع اللّه به، و رضى عنه آمين.

و رأيت بمكة الشيخ الصالح «أبا لكوط» و يقال بالراء من أكابر أصحاب الشيخ «أبى محمد صالح» كثير الأحوال، مجاب الدعوات، نافذ الهمة، و كان الشيخ صالح يعظمه، و يثنى عليه، أقام بمكة سنين على التجريد الصحيح و الأحوال السنية، و كان لى منه نصيب، و مجربات مباركة و لما[1]جاء الشيخ الإمام شيخ شيوخ الإسلام «شهاب الدين» إلى مكة، و نزل فى رباط رامشت، فهو جالس يوما على سجادته على مصطبة الرباط، و إذا أنا بأبى لكوط جاء إليه و تعرى، و رمى نفسه بين يديه مضطجعا على ظهره منسبلا كأنه ميت، فتقدم الشيخ إليه و مسح بيده عليه، و قال: قم يا عبد اللّه، اعبد اللّه، فاستيقظ من غشيته و قبّل بين يديه، و أثنى‌

[1]-بداية اللوحة رقم: 125.