و رأيت من المولهين بالشام عليا الكردى، تقدمت بعض أخباره فى هذا المجموع، كان بدمشق يتحكم فيها حكم المالك إلى أن دخل رجل موله يقال له:
«ياقوت» دخل من الجامع من باب جيرون، خرج على من باب البريد الصحراء بالباب الصغير، لم يعد يدخل دمشق إلى أن مات، و بقى «ياقوت» و كان شخصا لطيف الصورة يتصرف فى البلد، رضى اللّه عنهم.
و رأيت بها القمننى بادى فى القمين لكبر أوقاته، و يدخل فى الجامع و يلحظه الأعين، و يتحدثون بمكاشفاته، فكان لا يرى يصلى، و يفطر فى رمضان، و كان للناس به شغل، رضي اللّه عنه[1].
و رأيت بمصر مولها يسمى «أحمد» كان كثيرا يأوى عند المصلا بين مصلى مصر من جهة قرافة مصر، و مصلا باب الطحانين للقاهرة، كثير الضحك، و يصلى و يضحك فى الصلاة، محفوظ من السفه و اللغو، كثير المكاشفة، يتعرض بالسؤال غنيا من غير ضرورة للسؤال، نوعا من التستر، و لقد عبرت يوما راكبا، و كان فى عمامتى كاغدة فيها عشرون دينارا.
عاينا جانبى من القلعة من جهة الملك الكامل سلمت عليه، رد على السلام وضحك و قال: فى رأسه كاغدة فيها عشرون دينارا، جاءته من القلعة، و مرة أخرى انزوى للسوق التمس شراء دابتين لطحونتين كنت عملتها فى الزاوية للفقراء، فعبرت عليه و سلمت عليه فردّ على السلام و قال: كيف الحمير اليوم، رخاص أم غوال؟.
[1]-كيف لا يصلى و لا يصوم و يصبح وليا و رب العزة فى الحديث القدسى قال:« عبدى أطعنى تكن ربانيا ...» إلخ فالصلاة كما جاء فى الحديث عماد الدين من أقامها أقام الدين و من هدمها هدم الدين.
و مرة أخرى كنت على شاطىء النيل أفكر فى زواج فقير كان يختص بى، فعبر على وضحك، و وقف و قال زواج يهتمون به يبيعون حصة فى فندق حتى يعلوه، و كان ذلك بعنا حصة كانت له نفقنا بها على زواجه، رضي اللّه عنه.
و رأيت مولها بالقاهرة مقعدا يطعم و لا يصلى، كثير الكلام على الخاطر، و اشتهر بذلك إلى أن كان يحمل لبيوت[1]الأمراء ليسمعوا حديثه، و لقد عثرت عليه يوما فسلمت عليه عقب اجتماعى بالشيخ «خضر» الذى كان الملك الكامل قد اشتغل به، فسلمت على هذا الموله، فقال لى: لا تحضر و لا تقصير فكان معى فقير خادم رآه معى، فبعد ذلك عبر الخادم عليه و سلم عليه، قال له: سلم على صاحبك ابن أخى الرفاعى، فأخبرنى الخادم بذلك، قلت له: صدق شيخنا تواخى هو و سيدى «أحمد الرفاعى» فى العراق، و كان يسمى بالحلبى، رضي اللّه عنه.
و رأيت بجيزة مصر امرأة مولهة أقامت فوق ثلاث سنين قائمة على رجليها فى مكان من الأرض، بين خلبوص الحلفا، ما جلست ليلا و لا نهارا، شتاء و لا صيفا[2]، و فى الصيف لا يسترها شىء عن الشمس، و لا فى الشتاء لا يسترها شىء عن المطر و الحيات و الثعابين حولها يأوون تأكل ما يستطعم، و تكلم من يكلمها.
و كان أمرها عجيبا، و كان بجوارها فى الجيزة رجل يسمى «خثعم» من أهل الفيوم، كبير الكشف، تحت السماء ليلا و نهارا، شتاء و صيفا، و يجلس أبدا مستقبل القبلة، يوفى الصلوات بأتم ما يكون، يوحش من الخلق لا يقبل إلا على من يعلم صلاحه، كثير النفور ممن يعلم تخليطه، أقام على هذا سنين عديدة، رضي اللّه عنه.
[1]-بداية اللوحة رقم: 121.
[2]-هذه أمور فوق طاقة البشر و لا يمكن لانسان أن يعيش لمدة ثلاث سنوات واقفا بلا نوم مما يوحى بانتحال مثل هذه القصص.
و رأيت امرأة كبيرة الشأن، يعظمها الأولياء و العلماء، مغربية، يقال لها «ست الملوك» جاءت من المغرب صحبة الشيخ «أبى يوسف اليمانى» كانت زارت البيت المقدس، و كان فيه الشيخ الكبير الولى «على بن غلس اليمانى» كبير الشأن، قال: كنت بحرم المقدس، و إذا أنا أشهد حبل نور مدلى إلى قبة كانت فى الحرم، فمشيت لتلك القبة فأجد فيها هذه المرأة «ست الملوك» و النور الذى رأيته مصلاها؛ فخطبتها للأخوة فأجابته، و قالت لى هذه المرأة: أودعنى «على من غلس» أبريقا خزفا، و قال لى: يا أختى، احفظيه فوضعته على رف فى البيت و أنا أنظر إليه يوما[1]فإذا هو قد انحل صار شقافا من غير حركة منه، و لا شىء به، فذكرت اللّه و تعجبت من أمره، و قمت جمعته و ربطته فى خرقة و ورخت تلك الساعة، فبعد أيام جاء خبر الشيخ «على بن غلس» بأنه مات بدمشق فى تلك الساعة.
و قال لى يوما: يا بنى، هلّ علىّ هلال رمضان، فساعة دونته و ثبوته أطلعنى اللّه تعالى على ليلة قدره، أى ليلة هى، و عرفنى بها، و حفظتها، فلما كانت الليلة المعنية ليلة القدر، و كنت أهرب منها كما يهرب الغريم من غريمه، و أنوارها نحو سنى، و تسع من عينى و أنا أقول: و عزتك يا رب و جلالك ما أحتاج معك إلى ليلة القدر، إلى أن انفضت، و كان لها حرمة عند أكابر الأولياء، يرونها، رضى اللّه عنها.
و رأيت الشيخ الصالح الولى «سفيان اليمانى» من الأكابر و أرباب الهمم، و كان معمر الأوقات بالصلوات، ظهر من جهة من اليمن بعد وصوله إلى ديار
[1]-بداية اللوحة رقم: 122.
مصر، و حجه، و ادعوا فيه جماعة كثيرة الهداية، لما رأوا من كراماته و تحكماته، قال لى شخص: يا سيدى، ادع لى، قال له: لا تفعل هذا، إنماادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[1]و هذا من إطلاقهم الذى يحتاج إلى إيضاح لمن يشكل عليه حديثهم، رضي اللّه عنه.
و رأيت من رجال اليمن رجلا كبير الشأن من أجلاء أصحاب الشيخ الإمام القدوة «أبى الغيب» رضي اللّه عنه، يقال له «قحطان» كان من أكابر الأولياء و الاستقامة، مستمر الاشتغال باللّه، له كرامات نذكرها من كاثرة، و مات ببلبيس من ديار مصر، رضي اللّه عنه.
و رأيت الشيخ الصالح الولى «أبا عبد اللّه محمد الشاطبى» بثغر الإسكندرية الذى كان فى محرس سوار مكان الشيخ المعظم «أبى العباس الرأس» تولى هذا المكان المشهور بعد الشيخ «أبى العباس» خادمه الكبير المشهور أولا «أبو عبد اللّه محمد الشاطبى» الكبير الذى تقدم ذكره، و مات بمكة و ولى المكان بعده الشيخ «عمر[2]التلمسانى» مدة يسيرة، ثم ولى فيه هذا الشيخ «محمد الشاطبى» الثانى، و انحازت الإسكندرية له، و كثر أصحابه و ولاهم أكثر محارس البلد و مساجدها، و كان له قبول كبير، و مات بالمحرس، و دفن مع الشيخ الكبير فى تربته، و كان قد تقدم له اشتغال بالعلم، حسن الأخلاق، حلو الصورة، عظيم الهيئة، رضي اللّه عنه.
و رأيت الشيخ الصالح «أبا العباس الدمنهورى» انتقل إلى ثغر الإسكندرية مدة ثم انتقل إلى القاهرة، له بدايات معتبرة، و مجاهدات هائلة، و تصرفات نافذة، كثير المكاشفات، موسع عليه مسخر له، رضي اللّه عنه.
[1]-سورة غافر: 60.
[2]-بداية اللوحة رقم: 123.
و رأيت الشيخ الصالح العارف «عبد المنعم تقى الدين» من أهل القاهرة، صحب جماعة من الشيوخ المعتبرين، كثير الفتوة، كثير السعى فى قضاء حوائج الناس، نافذ المقاصد، و كان ينتسب فى الخيم الأمراء و الوزراء و القضاة يعتقدونه، و يستجلب منهم الراحات للفقراء، و مما كان فتوته مع الأصحاب أن صديقا له كانت له جارية يحبها، فحصلت منه غفلة فباعها و انفصلت بالكلية بالبيع الصحيح، و سافر بها المشترى إلى الصعيد.
فثارت بحبها فى قلب الذى باعها بحيث لا ينام و لا يأكل، و خيف عليه التلف، اطلع الشيخ «تقى الدين عبد المنعم» على حالته، سافر بنفسه للصعيد، و لم يعلم أحد به مع سعة دائرته مع الأولاد و الأهل، و تعلق قلوب الناس به، و تردادهم إليه مع الحوائج، و شغل خواطر الأكابر به، و سافر مسرعا إلى أن وصل إلى قوص، فارتجت قوص لوروده، و حضر لخدمته متوليها و قاضيها و أكابرها، و سألوه عن سبب سفره و حضوره، فأخبر من له نفوذ أمر بأننى جئت بسبب شراء جارية من فلان، فللوقت أحضر و طلبت منه فأجاب، فعاقده عليها العقد الشرعى الذى صارت به فى ملكه و أعتقها، و طلب منه سيدها الثمن فوعده بالصبر[1].
و أخبره بأنها صارت حرة، فاطلع أكابر البلد على شرائه للجارية، فللوقت أحضروا له ثمنها و أعطوه للبائع لها عن الشيخ، و أخذها الشيخ، و أخذها فى أسرع وقت و جاء بها للذى كانت له، و تلف غفلة عليها، زوجها له، ورد عليه عقله و دينه، و كانت هذه الحركة و أمثالها دأبه، و تصرفاته، رضي اللّه عنه.
و رأيت بدمشق و بمصر الشيخ الصالح الولى «أبا القاسم الصقلى» كان من الأكابر، أدرك الأكابر من الرجال، كثير الانقطاع، طريقه التوكل الحسن
[1]-بداية اللوحة رقم: 124.
النظيف، متعززا باللّه، مشهورا بالعبادة، من بدايته إلى كبره، و حين كان بدمشق و كنت به شابا أحب الصالحين، فكنت ألازمه، و يحكى لى حكايات القوم و يعلمنى الأوراد، و كان سنى حين ذاك أربعة عشرة سنة، و كنت على هيئة أهل الدنيا، قبل صحبتى لسيدى الأستاذ «أبى العباس الحرار» الذى تجردت على يده و صحبته، رضى اللّه عنهم أجمعين.
و رأيت بالإسكندرية الشيخ المحقق الواحد «أبا الطاهر إسماعيل» الذكر الذى كان من حوله القوم، و سافر البلاد إلى أن سكن ثغر الإسكندرية، و حصل له بها حرمة، و ظهور، و قبول، و أصحاب، و كان إدراكه سنيا، و تنرماه عليا، و سافر للمغرب، و نزل بتونس و حصل له بها قبول، و مات بها، رضي اللّه عنه، و كان من أصحاب الشيخ «أبى صالح» شديد الحال، قوى الباطن، لا يذعن لأحد من صغره، و دخل على مصر أول وروده ليس فى وجهه شعرة، و هو همته بهمة أكابر الشيوخ، و كانت له معى أخوة و صحبة سنين كثيرة، نفع اللّه به، و رضى عنه آمين.
و رأيت بمكة الشيخ الصالح «أبا لكوط» و يقال بالراء من أكابر أصحاب الشيخ «أبى محمد صالح» كثير الأحوال، مجاب الدعوات، نافذ الهمة، و كان الشيخ صالح يعظمه، و يثنى عليه، أقام بمكة سنين على التجريد الصحيح و الأحوال السنية، و كان لى منه نصيب، و مجربات مباركة و لما[1]جاء الشيخ الإمام شيخ شيوخ الإسلام «شهاب الدين» إلى مكة، و نزل فى رباط رامشت، فهو جالس يوما على سجادته على مصطبة الرباط، و إذا أنا بأبى لكوط جاء إليه و تعرى، و رمى نفسه بين يديه مضطجعا على ظهره منسبلا كأنه ميت، فتقدم الشيخ إليه و مسح بيده عليه، و قال: قم يا عبد اللّه، اعبد اللّه، فاستيقظ من غشيته و قبّل بين يديه، و أثنى
[1]-بداية اللوحة رقم: 125.
الشيخ «شهاب الدين» عليه مما أدرك منه، و لهذا الشيخ «أبى لكوط» حكايات كثيرة يحكيها أصحابه، رضى اللّه عنهم، و نفعنا بهم.
و رأيت بها الشيخ العابد المعظم «صديقا» كان كبير الشأن، كثير المعاملات، لا يظهر بالنهار، يصلى مع الجماعة، فى مكانه شباك يرى منه الجماعة، و يطوف بالليل، و كان له قبول و مواد متسعة يصرفها على المجاورين، و كان يعم بصدقاته سائر من فى الحرم فى أوقات متعددة فى السنة رضي اللّه عنه، و سمعت فى حياة سيدى الأستاذ أبى العباس الحرار ذكر فقير منقطع يقال له «أبو السعود» و كان بينه و بين سيدى الأستاذ الشيخ صحبة و وداد للشيخ ..
الشيخ القطب أبى السعود
فلما انتقل سيدى الشيخ و انبسطت نفسى حين ذاك للاجتماع بالناس و رؤية المشايخ مشيت لزيارة الشيخ الإمام الوحيد القطب «أبى السعود» رضي اللّه عنه فدخلت مسجده و كنت فيه وحدى و لم أكن رأيته قبل ذلك، فنزل للصلاة فسلمت عليه؛ فنظر إلىّ و قال: لعلك تكون الصفى، صهر الشيخ «أبى العباس» قلت له: نعم، فأقبل علىّ و طلع إلى منزله و ألفنى بإحسانه و قبوله؛ فتألفت به و وانسنى، فصرت أتردد إليه، و أبيت عنده، و لم يكن بعد ظهر الظهور الذى ظهره بعد ذلك، و ربما رت معه تحت اللحاف، و كان يفت لى بيده الكنافة و آكلها، و أنا و هو وحدنا فى رمضان، و حدثنى بداية أمره قال: كنت أزور شيخك الشيخ «أبا العباس» و جماعة صلحاء من مصر فلما[1]انقطعت و اشتغلت و فتح علىّ لم يكن لى شيخ سوى
[1]-بداية اللوحة رقم: 126.
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و أول فتحى فى معنى قول الحق سبحانه:وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ[1].
و حدثنى تفاصيل فتحه، و ما أعطاه اللّه و منحه و رفعه إليه و كل ما جرى منها، و كل بواسطة النبى صلّى اللّه عليه و سلم، فى إسراءاته و معارجه، و إيضاح أحوال الملكوت، و أسرار الملك و أحوال الآخرة، و تفاوت المنازل و الدرجات، و أوزان الرجال و مراتبهم من آدم7إلى القيامة، يذكر له الرجل فى المغرب أو مطلع الشمس فيذكر له صورته و وزنه، و ما من شىء طرق الأسماع خبره، و ما من الغيوب إلا و الشيخ «أبو السعود» يوضح كيف اطلع عليه.
و إن فى كل صباح تصحبه أرواح الخلائق و إن له ثوية كوسات تضرب فى الأرض، و فى كل سماء و على العرش خدمة له، و إنه يصافح النبى صلّى اللّه عليه و سلم، عقب كل صلاة، فمما ذكره عظيم كبير[2]، و اتسعت دائرته، استجاب له الخلق، و ظهر نفعه و بركته، و كان قد لزم ذكر اللّه سبحانه من أول توجهه، و خلوته إلى أن انتقل و انتشر الذكر عنه إلى أن عم البلاد و العباد، و كانت شواهد صحته و استقامته و فنائه فى ذات اللّه لم يكن فيه شعرة تلتفت عن وجهته للوجود كل ذلك كان دالا على صحة ما أخبر به عن نفسه، ثم الكشف الدائم فى الأصحاب و الوقائع، غنى لا يظهر فقرا، على لا يلحظه حاجة، مجموع لا تلحظه تفرقة ميزة عن تأثيرات الحوادث التى تطرق الأكثر، منذ انقطع لم يخرج إلا للجمعة، و للحج و حج حجا سعيدا و جرت له كرامات عظيمة، و لم يمش لبيت أحد قط إلا لبيتى بمصر مرة و مرة زار فيها الشيخ «أبا الفتح الواسطى» لما ورد القاهرة، بسبب علم
[1]-سورة الطلاق: 2، 3.
[2]-هذه أمور عيبية لا دليل على حدوثها و لم يؤثر أنها وقعت لأحد من العباد.