جاءا إلى الجامع و قال: أجب الشيخ فقد طلبك، فمشيت معهما حتى أدخلانى على الشيخ فوجدت الجماعة الذين كانوا معى حاضرين؛ فجلست بين يديه.
فقال الشيخ للجماعة: ما منكم إلا من يمشى على الماء، و يطير فى الهواء، ألا عملتم كما عمل هذا؟ دخلوا عليه من الباب، خرج هو من غيره، فشكرت اللّه الذى مدحنى الشيخ. فأردت أن أتكلم فقال لى الشيخ: ما حاجة عرفت كيف خرجت، و أنا أخرجتك، و كان الذى أخرجه الخضر بإشارة الشيخ؛ إذ لو كان الشيخ بنفسه لعرفه الشيخ، ثم أذن فى الانصراف من بين يديه.
فلما كان ثالث يوم بعث الشيخ خادمه إلىّ فحضرت إليه، و وجدت عنده جماعة، و هو يتكلم لهم فعند جلست أخذت و شهدت الشيخ قائما على رأسى و معه قدّوم، و هو يهدم فىّ، و أنا أشهد أبعاضى كيف تتفرق على الأرض كما يهدم الهادم.
و كنا فى ولاة، و هو يهدم إلى أن وصل إلى كعبى و لم يبق فىّ شىء إلا شمله الهدم، و أقامنى فأخذ يبنينى من جديد من كعبى و طالع إلى عقد دماغى، فقت فرقعت رأسى فأطرق الشيخ برأسه و أشار بيده للخادم فأقامنى[1].
و قال لى: قال لك الشيخ: قد استغنيت سافر لبلدك، فسافرت و حين خرجت من بين يدى الشيخ انكشف لى العالم العلوى كشفا لا ينحجب عنى منه شىء، و كنت أمشى على الأرض كالرّغوة التى تجرى فوق وجه الماء، و لما عدت إلى إشبيلية كان أصحابى و معارفى يختلفون فىّ.
[1]-لا دليل على عذع الروايات.
منهم من يقول: هو أحمد، و منهم من يقول: ما هو هو، و كنت أجىء إلى المسجد أخلع نفسى مع مداسى، أشهد لمن أصلى و خلف من أصلى، قال: يا سيدى ما معنى من أصلى؟ قال: يقام لى إمام علو روحانى تأتم به روحانيتى، كما تأتمّ به جسمانيتى، فهذه حكايته مع شيخه، رضي اللّه عنه[1].
و قال رضي اللّه عنه: دخل علىّ الخضر بمصر فى المكان الذى كنت آوى إليه؛ فسلم على و سلمت عليه، و قال لى: كن فردانى، فقلت له من فى الوجود فردانى، فقال:
اثنان: أحدهما بوادى إبراهيم- يعنى الحجاز- و الآخر بجزائر البحر، ففهمنا بهذه التولية من نقيب الأولياء أن الشيخ ثالثهم.
فإن قول الخضر للشيخ: كن ما هو ما هو، بمعنى الأمر إنما هو بنعت التكوين أى كن فكان[2].
و هؤلاء الثلاثة الفردانيون هم الذين يلو[3]القطب الأحدى، متى مات القطب، نقل واحد من هؤلاء الثلاثة لمقامه.
و قال رضي اللّه عنه: و لبيان تسميتهم فردانيين و أحديين علم كثير يكون فى غير هذا المجموع شرحه.
و قال رضي اللّه عنه، دخل علىّ الخضر مرة، و كان وقت السحر، فسلم علىّ و قال: قد طلعت الشمس؟ قلت: يا سيدى أى شمس، قال: شمس الحقيقة. إشارة إلى الربوبية، فلما أراد الانصراف قلبت له: أوصنى، فنظر إلى رجليه و شمر ثوبه فقلنا: يا سيدى أشار لماذا؟ فقال: أشار أى اخدم و تواضع، و كانت هذه صفته إلى
[1]-هذه الأمور و أمثالها كثير فى كتب التصوف و لا دليل عليها من كتاب أو سنة.
[2]-لا يقول للشىء كن فيكون إلا اللّه سبحانه و تعالى.
[3]-فى الأصل:« هم الذين يلوا» و الصواب: هم الذين يلون.
من مات، يخدم كل شىء يجده، فلما انقطع الشيوخ الذين كان يعرفهم خدم الفقراء.
و قال، رضي اللّه عنه: لى نسبة من أربعة أنبياء: من العزير، و من موسى، و من إبراهيم، و من محمد- صلوات اللّه عليهم أجمعين- فنسبتى من العزير ماتت ثم أحييت، و نسبتى من موسى سماع الكلام أسمعته و شهدته- يعنى الكلام.
قال المؤلف، رحمه اللّه: و هذه إشارة انفرد بها الشيخ ما شاركه فيها من الأولياء، و هى رؤية الكلام.
و أما نسبتى من إبراهيم فشهود حقائق الكواكب التى تجلت عليه و شهد ما شهده بعد أفولها، و توجه إليه.
و أما نسبتى من رسول اللّه، صلّى اللّه عليه و سلم، فالرؤية للّه تعالى، أشهدنى نفسه[1]و قال:
انظر على تجد محلا للزوجة و الولد؟ قلت: لا و عزتك يا رب، فقال: فأىّ شىء شهدته بعد هذا الشهود، إنما هو عبيد، فسبحان المعطى المانع.
قال: و كان سماعى للكلام و أنا ماش فى سيوفيين القاهرة بعد أن أقمت فى الخلوة سنين، و أنا أمشى بين الناس، ولو كان لى حكما و قدرة بنيت فيه مسجدا، فسبحان المجتبى من يشاء.
قال: و كنت فى بدايتى رأيت كأننى فوق سطح جبل و إذا أنا بموسى و عيسى-8- فأخذنى موسى إليه، و أدخل أصبعيه السبابتين من يديه فى أذنى حتى أحزقهما و التفت أصبعاه فى رأسى، فقال عيسى: لم فعلت هذا به؟ فقال
[1]-لا يجوز رؤية اللّه تعالى فى الدنيا لقوله تعالى لموسى7حينما طلب النظر إليه فقال سبحانه:لَنْ تَرانِي.
موسى: لأجل صاحبه- يعنى النبى، صلّى اللّه عليه و سلم- و كانت هذه الفعلة تمهيدا لسماع الكلام.
و قال، رضي اللّه عنه: دخلت على النبى، صلّى اللّه عليه و سلم، مرة فوجدته يكتب مناشير الأولياء بالولاية، و كتب لأخى محمد منهم[1]منشورا، فقلت: يا رسول اللّه، ما تكتب لى كما تكتب لأخى، قال لى: أتريد أن تكون قمهارا- و هذه لغة أندلسية، يعنى المرقيا، و فهم عنه أن له مقام غير هذا، و كان أخو الشيخ من كبار الأولياء، نذكر أحواله بعد هذا الذكر.
و قال، رضي اللّه عنه: ما من شىء أخبر عنه الكتاب و السنة من الغيب إلا شهدته[2]، هذا من حيث الإجمال، و ما ذكر معه يوما شىء من أنواع الغيب على التفصيل ...
و نذكر ما شاهد منه.
و قال لى مرة: شهدت فى العالم الروحانى الأول العلوى جميع ما ظهر فى هذا الوجود الحسى على صور نورانية روحانية ظهرت هذه الحسية فى هذا الوجود على مثالها.
قلت له: يا سيدى، أى شىء من ذلك؟ بينه لى، قال: شهدت كل رسول، و هو يخاطب قومه على صورة ما ظهروا فى هذا الوجود، و ما معهم من حاله إن الغيب كأنه خزانة خلقه متى أراد الدخول إليه دخل، و بشريته كالثوب متى أراد خلعه خلعه[3].
و قال، رضي اللّه عنه: لما سافرت من المغرب إلى ديار مصر، عبرت على المهدية، فوجدت فيها الشيخ أبا يوسف الدهمانى «من أكابر الرجال، و أخص أصحاب
[1]-بداية اللوحة رقم: 9.
[2]-لا يعلم الغيب إلا اللّه.
[3]-بداية اللوحة رقم: 10 هذه الأمور لا دليل عليها.
الشيخ» أبى مدين نفع اللّه به، فى رابطة على البحر، فبت عنده ليلة ثم سافرت؛ فلما وصلت إلى ديار مصر وجدت فيها الشيخ الكبير القرشى؛ فترددت لميعاده، و لا أكلمه من ظاهر.
و إذا بالشيخ «أبى يوسف الدهمانى» جاء من المغرب، و نزل فى حمى القرشى، و فرح به كثيرا، فاتفق أنى رأيت «أبا يوسف» و هو يحمل حاجة له، و ليس له من يخدمه فغرت عليه، فجئت إلى منزله و قلت له: يا سيدى، تأذن لى أن أخدمك ما دمت بمصر بحيث تعيننى على حالى الذى أنا عليه.
قال لى: نعم، فخدمته و كنت لا أتناول له شيئا، و كانت حالتى التى كنت مرادا بها فى ذلك الوقت أننى كنت فى مخزن فى فندق عند مسجد العينم تحتى قش القصب الحلو، و معى أبريق أكب زنار حرير بدرهم أودعه عند البياع و أنا صائم، آخذ منه كل عشية رغيفا أفطر عليه إلى أن يفرغ، فأكب غيره، فاتفق أن الشيخ القرشى عمل لأبى يوسف وليمة و مد سماطا قعد عليه من حضر، و الشيخ القرشى و أبو يوسف فى صدر البيت، و كان القرشى ضريرا، و كنت أنا جالس[1]على السماط، و لم آكل شيئا، فقال القرشى: يا قوم، من هذا الجالس و لا يأكل؟ فقال له الخدام: أحمد الحرار، فسكت الشيخ القرشى.
فقال «أبو يوسف» يا سيدى، لم لا تأمره بالأكل، قال: يا أبا يوسف، ما حكمنى فى نفسه، قال له أبو يوسف: يا سيدى، فأنا وجدته عندك، قال[2]له القرشى: يا أبا يوسف، هو رآك قبلى بالمهدية، و لم أكن أخبر القرشى بذلك، و سكت الاثنان عنى.
[1]-فى المخطوط:« و كنت أنا جالسا» و الصواب: و كنت أنا جالس.
[2]-بداية اللوحة رقم: 11.
مقابلته للخضر
قال المؤلف، رضي اللّه عنه: و هذه حكاية ينبغى لشيوخ الزمان أن يتبادلوها إذ كل واحد منهما رأى الآخر أولى لرؤية التقدم، و تورع الاثنان مع سيادتهما و علمهما و علمه بهما فى باطن الشيخ الأستاذ، و صحة اعتقاده فيهما و نسبته منهما عن أن يأمراه و يخرجاه عن حالة العدم تحكيمه لهما فى نفسه، رضي اللّه عنهم أجمعين.
و قال، رضي اللّه عنه: دفع إلى القرشى قفة فيها قمح مقدار ثلاث و يبات، و قال لى:
احمل هذه لأبى يوسف: فحملتها و دفعها بعض أصحابه على رأسى، فأنا فى بعض الطريق انحلت فوطتى من وسطى، فطلبت من يساعدنى يرفعها على رأسى فلم أجد.
فأدخلت رأسى تحتها و رفعتها فصاحت رقبتى، و انفرقت فرقتين، و أخرست لا أقدر [أن] أتكلم[1]، فتكافت إلى أن أوصلتها للشيخ «أبى يوسف» و مضيت للمكان الذى آوى فيه، فلما أجلست به و أنا على تلك الحال، و إذا بالخضر7دخل علىّ و فى يده زبدية فيها عسل نحل، و الحرف- يعنى حب الرشاد، و قال لى: اشرب، من يخدم أولياء اللّه ما يصيبه سوء، فشربتها فعادت رقبتى أصح مما كانت، و نطقت و سارعت[2]إلى باب جار «أبى يوسف» وقفت عليه.
[1]-و أخرست لا أقدر أن أتكلم، بناء على مقتضى السياق.
[2]-بداية اللوحة رقم: 12.
مقابلة الشيخ القرشى
و قال، رضي اللّه عنه: كان الشيخ «أبو يوسف» يحضر ميعاد الشيخ القرشى فبعثنى يوما، و كان فى مقصورة جامع مصر، و قال: يا أحمد امض للشيخ القرشى، و اسأله إن كان اليوم يعمل ميعاد أم لا، فمضيت من بين يديه و أنا مستهول[1]للإقدام على القرشى و سؤاله.
و ما وسعنى إلا امتثال أمر «أبى يوسف» للتزامى[2]بخدمته، فلما وصلت للساحة التى فيها باب دار القرشى، و هى طبقة عالية، وقفت مترددا مستهولا، و إذا بطاقة عالية فتحت و جارية أخرجت رأسها من الطاق و قالت: يا أحمد، قال لك الشيخ: قل لأبى يوسف: إن نحن ما نعمل اليوم ميعادا، فشكرت اللّه سبحانه الذى عاملنى الشيخ القرشى بهذه الحالة اطلع علىّ من غير إقدام عليه و وفرنى مما كنت أستهوله.
و قضيت حاجة صاحبى برد الجواب إليه، فلما وصلت لأبى يوسف فى مقصورة الجامع و كان مضطجعا فلما قربت قعد مخرجا و قال: لم وقفت بساحة الباب حتى قالت الجارية ما قالت؟ قلت: يا سيدى، أنا أهابه، قال: إذا كنت[3]... هبه و إذا كنت لى اقدم قلنا: يا سيدى أيهما أعلى كشفا فى هذه القضية؟ قال: القرشى؛ لأن[4]أبا يوسف أرسلنى و خاطره معى يدرك ما يجرى لى،
[1]-كلمة غير واضحة المعنى.
[2]-للتزامى: الصواب لالتزامى.
[3]-بالأصل كلمة غير واضحة.
[4]-بداية اللوحة رقم: 13.
و القرشى كالمرآة يدرك من يتوجه إليه، اللهم انفعنا بالرسول و المرسل و المرسل إليه.
و قال، رضي اللّه عنه: كان الشيخ «أبو يوسف» يوما عند الشيخ القرشى، و جماعة من أصحابه، و كان فى الجماعة من يحسن القول؛ فاستأذنوا الشيخ القرشى على أن يقول شيئا، فاستفتح المنشد مطلع موشح:
أما ترى أحمد فى مجده العالى لا يلحق
بين شعر اطلعة العرب أر ما مثله يا مشرق
و كان الشيخ «أبو يوسف» بجوار الشيخ القرشى متربعا فارتفع بجلسته إلى العلو مقدار قامتين، و دار وسع المجلس الذى كانوا فيه فى الهواء إلى أن عاد إلى موضعه نزل و رأى ذلك اليوم أكبر أصحاب القرشى.
و قال، رضي اللّه عنه: خلا «أبو يوسف» ليلة مع القرشى و أنا معهما فقال «أبو يوسف» القرشى: من أين تنفق؟ فقال له: من تحت السجادة، إن طلبت ذهبا وجدته، أو فضة وجدتها.
قال، رضي اللّه عنه: لما سافر «أبو يوسف» من مصر ودعته إلى المركب، فقال لى:
يا أحمد، وهبتك نصف عملى، فبعد ذلك خطبنى القرشى لخدمته فامتنعت لأجل.
أخى، و كان من كبار الأولياء، و كنت أخدمه.
فقال الشيخ القرشى: لا بد أن تخدمنى فوافقته[1]و امتثلت أمره، و كان حوله جماعة فطلعت معه للقرافة و بت فى خدمته تلك الليلة، فلما كان بعد الصبح قال
[1]-بداية اللوحة رقم: 14.