مقابلته للخضر
قال المؤلف، رضي اللّه عنه: و هذه حكاية ينبغى لشيوخ الزمان أن يتبادلوها إذ كل واحد منهما رأى الآخر أولى لرؤية التقدم، و تورع الاثنان مع سيادتهما و علمهما و علمه بهما فى باطن الشيخ الأستاذ، و صحة اعتقاده فيهما و نسبته منهما عن أن يأمراه و يخرجاه عن حالة العدم تحكيمه لهما فى نفسه، رضي اللّه عنهم أجمعين.
و قال، رضي اللّه عنه: دفع إلى القرشى قفة فيها قمح مقدار ثلاث و يبات، و قال لى:
احمل هذه لأبى يوسف: فحملتها و دفعها بعض أصحابه على رأسى، فأنا فى بعض الطريق انحلت فوطتى من وسطى، فطلبت من يساعدنى يرفعها على رأسى فلم أجد.
فأدخلت رأسى تحتها و رفعتها فصاحت رقبتى، و انفرقت فرقتين، و أخرست لا أقدر [أن] أتكلم[1]، فتكافت إلى أن أوصلتها للشيخ «أبى يوسف» و مضيت للمكان الذى آوى فيه، فلما أجلست به و أنا على تلك الحال، و إذا بالخضر7دخل علىّ و فى يده زبدية فيها عسل نحل، و الحرف- يعنى حب الرشاد، و قال لى: اشرب، من يخدم أولياء اللّه ما يصيبه سوء، فشربتها فعادت رقبتى أصح مما كانت، و نطقت و سارعت[2]إلى باب جار «أبى يوسف» وقفت عليه.
[1]-و أخرست لا أقدر أن أتكلم، بناء على مقتضى السياق.
[2]-بداية اللوحة رقم: 12.
مقابلة الشيخ القرشى
و قال، رضي اللّه عنه: كان الشيخ «أبو يوسف» يحضر ميعاد الشيخ القرشى فبعثنى يوما، و كان فى مقصورة جامع مصر، و قال: يا أحمد امض للشيخ القرشى، و اسأله إن كان اليوم يعمل ميعاد أم لا، فمضيت من بين يديه و أنا مستهول[1]للإقدام على القرشى و سؤاله.
و ما وسعنى إلا امتثال أمر «أبى يوسف» للتزامى[2]بخدمته، فلما وصلت للساحة التى فيها باب دار القرشى، و هى طبقة عالية، وقفت مترددا مستهولا، و إذا بطاقة عالية فتحت و جارية أخرجت رأسها من الطاق و قالت: يا أحمد، قال لك الشيخ: قل لأبى يوسف: إن نحن ما نعمل اليوم ميعادا، فشكرت اللّه سبحانه الذى عاملنى الشيخ القرشى بهذه الحالة اطلع علىّ من غير إقدام عليه و وفرنى مما كنت أستهوله.
و قضيت حاجة صاحبى برد الجواب إليه، فلما وصلت لأبى يوسف فى مقصورة الجامع و كان مضطجعا فلما قربت قعد مخرجا و قال: لم وقفت بساحة الباب حتى قالت الجارية ما قالت؟ قلت: يا سيدى، أنا أهابه، قال: إذا كنت[3]... هبه و إذا كنت لى اقدم قلنا: يا سيدى أيهما أعلى كشفا فى هذه القضية؟ قال: القرشى؛ لأن[4]أبا يوسف أرسلنى و خاطره معى يدرك ما يجرى لى،
[1]-كلمة غير واضحة المعنى.
[2]-للتزامى: الصواب لالتزامى.
[3]-بالأصل كلمة غير واضحة.
[4]-بداية اللوحة رقم: 13.
و القرشى كالمرآة يدرك من يتوجه إليه، اللهم انفعنا بالرسول و المرسل و المرسل إليه.
و قال، رضي اللّه عنه: كان الشيخ «أبو يوسف» يوما عند الشيخ القرشى، و جماعة من أصحابه، و كان فى الجماعة من يحسن القول؛ فاستأذنوا الشيخ القرشى على أن يقول شيئا، فاستفتح المنشد مطلع موشح:
أما ترى أحمد فى مجده العالى لا يلحق
بين شعر اطلعة العرب أر ما مثله يا مشرق
و كان الشيخ «أبو يوسف» بجوار الشيخ القرشى متربعا فارتفع بجلسته إلى العلو مقدار قامتين، و دار وسع المجلس الذى كانوا فيه فى الهواء إلى أن عاد إلى موضعه نزل و رأى ذلك اليوم أكبر أصحاب القرشى.
و قال، رضي اللّه عنه: خلا «أبو يوسف» ليلة مع القرشى و أنا معهما فقال «أبو يوسف» القرشى: من أين تنفق؟ فقال له: من تحت السجادة، إن طلبت ذهبا وجدته، أو فضة وجدتها.
قال، رضي اللّه عنه: لما سافر «أبو يوسف» من مصر ودعته إلى المركب، فقال لى:
يا أحمد، وهبتك نصف عملى، فبعد ذلك خطبنى القرشى لخدمته فامتنعت لأجل.
أخى، و كان من كبار الأولياء، و كنت أخدمه.
فقال الشيخ القرشى: لا بد أن تخدمنى فوافقته[1]و امتثلت أمره، و كان حوله جماعة فطلعت معه للقرافة و بت فى خدمته تلك الليلة، فلما كان بعد الصبح قال
[1]-بداية اللوحة رقم: 14.
لى: يا أحمد، ما خلانى أخوك البارحة أنام، امض إليه فقد أثرته بك، فجئت و أخبرته.
فقال: صدق، البارحة كنت أسأل اللّه أن يقلب قلب القرشى بتركك لى، و كان أخو الشيخ كبيرا فى الولاية، كان على وجهه نور لا يخفى على أحد أنه ولى؛ فسألنا الشيخ عن ذلك، فقال: بنفخ النبى، صلّى اللّه عليه و سلم، فى وجهه فأثرت النفخة فى هذا النور، فكان أعطى إجابة الدعوة، و أعطى شيئا من المحبة.
قال الشيخ: كنت فى الليل أبيت و بينى و بين أخى سقف، و كنت أسمع خفقان قلبه من تحت السقف، و لما أدركه الموت قال لأخيه الشيخ الأستاذ: يا أخى، مت، قال له الشيخ: يا أخى، غاب الوجود، قال: لا، قال: فما مت.
فأخذ يناجى ربه: يا رب، ما تأخذنى إليك، إلى متى تبقينى فى هذه الدار؟
قال: و إذا هو قد تنهد بلذة طيبة، و قال: الحمد للّه رب العالمين، يا أخى قد مت، قلت: له غاب الوجود؟ قال: غاب، قلت له: الآن مت.
قال الشيخ: من حين حمد اللّه كان فى الآخرة، و كل ما قاله قاله بعد أن مات؛ لأن الوجود لا يغيب إلا[1]بوجود الآخرة.
فضل كلمة التوحيد
و قال، رضي اللّه عنه: اختلفت مع أخى فى مسألة من الآخرة كنت شهدتها فذهبت فيها إلى خلاف ما أخبرته، فقلت له: يا أخى، اعلم أنك تموت قبلى، و تشهد هذه المسألة، فإذا شهدتها تعالى إلى و أخبرنى لما تراه منها على وفق ما كنت أخبرته.
[1]-بداية اللوحة رقم: 15.
و قال، رضي اللّه عنه: رأيت أخى بعد موته مضطجعا فى قبره و قد نبت من حواجبه عينيه و فيه و أذنيه عروق تكونت منهم شجرة انتهت بطولها و تفرع علوها، فقلت:
ما هذه؟.
قيل لى: هذه كلمة التوحيد «لا إله إلا اللّه» تحققها و استعملها فانتهت إلى مستقرها، و هى اليوم بعده من أعلاها كما رباهها من أسفلها.
و قال، رضي اللّه عنه: خرجنا من إشبيلية جماعة نريد السياحة، و كان من جملتنا «محيى الدين بن العربى» و حكمنا أكبر السنة رجلا يقال له: «ابن عمار» فبينما نحن نمشى فى برية، و إذا بالخضر7أقبل يجر ذيله على الأطراف، و لا خطوة جارفة[1]، فلما رأيناه عرفناه فكسا الجماعة صفة تعجيز و شاغلهم و هو سائر، فحاذاهم يسلم، فلم يستطع أحد منهم رد السلام عليه سواى، و كل ذلك «لا ثار و دعا و عندهم»[2].
أسئلة المريدين لشيخهم
قال: و كنا مرة جالسين فى مكان، و قد دخل علينا رجل لا نعرفه كسانا منه هيبة، فسلم و ركع[3]و التفت للجماعة، و قال: تصور سؤال الوجود مملوءا و فارغا فلم يجبه أحد، قال: آدم لما أكل من الشجرة كان محمد حاضرا أم غائبا؟ فلم يجبه أحد.
ثم قال: لما أخرجت حوى من ضلع آدم ما سد المكان التى كانت فيه، و تكونت عنه؟ فلم يجبه أحد، فسلم و مضى.
[1]-عبارة غير واضحة.
[2]-عبارة غير واضحة.
[3]-بداية اللوحة رقم: 16.
قال المؤلف، رضي اللّه عنه: و هذه الحكاية تحتاج إلى إيضاح و نرجو من اللّه سبحانه فتح بيانها، أما عدم أجوبتهم له فليس إلا لتعجيزه لهم، لغلبة الهيبة عليهم؛ لأنهم كانوا أرباب إدراكات و معارف، رضي اللّه عنهم.
و قال، رضي اللّه عنه: وردت من السياحة على الشيخ أبى العباس الغربى، و كان رجلا كبيرا، فلما جلست إليه. سأله سائل فقال له: يا سيدى، أيهما أفضل العقل أم الروح؟ فعاينت الشيخ قد أسرى روحه و أسرى بى معه إلى أن دخلنا سماء الدنيا.
اشتغلت برؤية أملاكها و أنوارها، غاب الشيخ عنى.
فطلبت مستقرا أستقر فيه فلم أجد؛ فنزلت وقفت فنظرت للشيخ أجده مستغرقا فى غيبته فبعد لحظة. و إذا هو قد حضر فقال للسائل لما أسرى بالنبى صلّى اللّه عليه و سلم صحبه جبريل، بل انتهى به جبريل إلى حده وقف، و قال: يا محمد، ما منا إلا له مقام معلوم، منذ خلقت ما تعديت، و تقدم النبى صلّى اللّه عليه و سلم إلى مقامه الذى اتصل به[1]، و كان جبريل روحا، و كان محمد حين ذاك عقلا.
فانظر- رحمك اللّه- اختصاص الحق سبحانه لهذه الطائفة لم تجبه بنقل النقلة، و لا بفتيا أرباب المعقول، بل أخذ العلم من معدنه، و الإرث للنبوة الإرث الحقيقى، نفعنا اللّه بهم.
مجلس الشيخ أبى العباس العربى
و قال رضي اللّه عنه: كنت جالسا مع هذا الشيخ «أبى العباس العربى» و كان يستنطقنى ليسمع أصحابه أحوال الفقراء و ما يخبروا به من مواهب اللّه، و إذا بقواد أستاذنا الشيخ ليقول شيئا؛ فأذن له، و إذا أنا أبصر حية لها عينان جوهريتان أقبلت تطلب حلقة الفقراء الحاضرين بين يدى الشيخ، حين السماع.
[1]-بداية اللوحة رقم: 17.
فقلت له: يا سيدى، أبصر كذا و كذا، فحين ما أخبرت الشيخ رجعت، قلت: يا سيدى، رجعت.
قال: يا بنى، هذه نفس واحد من الجماعة طلبت نفسه بلبسه و تتجوهر عليه بالعلم ليظهر الوجد على أنه حال و ليس هو حالا، فلما رأيتها أنت و أخبرتنى.
استشعرت رجعت.
و قال رضي اللّه عنه: خرجت من إشبيلية وحدى أسافر لبلد أخرى، فعند ما خرجت من البلد و إذا بشخص يشبه أهل اليمن سلم علىّ و صار يحادثنى، إن مشيت مشى، و إن قعدت قعد يقرأ سورة:إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً[1]بقى معى أياما.
قلت له: ما تكون، رحمك اللّه؟ قال: أنا مؤمن من مؤمنى الجان، أرسلت إليك أونسك، فلما وصلت إلى البلد الذى أردت»[2]راح عنى.
و قال رضي اللّه عنه: كنت حالة تجريدى بمصر أتردد إلى مصر مسجدا كان قبالة مصنع الحفارين بطريق القرافة، أبيت فيه، فكنت أخرج فى الليل أمشى فى الجبانة، فيكشف اللّه أحوال أهل القبور و المتنعمين، و غيرهم من المعذبين باختلاف أحوالهم[3]، فما رأيت أحسن من الجمعة التى قبل الفتح.
قال الأستاذ صفى الدين المؤلف رضي اللّه عنه: فلما أدركته الوفاة أشار إلىّ بأن أحفر له قبرا، فاخترت له مكانا قبل الفتح فدفنته، و أخبرته به قبل موته، فقال: أحسنت.
و قال رضي اللّه عنه: كنت يوما أصلى بالمسجد الذى كنت آوى فيه، و إذا أنا أبصر من وراء الحائط جماعة من الأبدال عابرين على المسجد.
[1]-سورة نوح: آية 1.
[2]-بداية اللوحة رقم: 18.
[3]-لا سند لهذه الروايات.
فلما وصلوا قبالة المسجد قال بعضهم لبعض: هذا المسجد فيه رجل يدخل منا واحد يبصره، فجاء واحد منهم للحائط الذى فيه الباب فدخل من الحائط حتى جاء وجدنى قائما فى الصلاة فقبلنى و خرج من الحائط أخبر أصحابه و أنا أبصرهم إلى أن انصرفوا، و كان لباسهم جلدا.
و كان مع الشيخ صاحب له متعبد، فلما فرغ الشيخ من الصلاة قال:
يا سيدى شممت الساعة رائحة طيبة دخلت علينا، فأخبره الشيخ أنها رائحة البدل الذى دخل[1]، و قال: مرضت مرة فى بلدى إشبيلية، فكنت مضطجعا على ظهرى، و إذا أنا أشهد طيورا كبارا ملونة بالأخضر و الأبيض و الأحمر، يرفعون[2]أجنحتهم دفعة واحدة و يضعونها وضعا واحدا، و أشخاص على أيديهم أطباق مغطية فيها تحف.
فوقع لى أنها تحفة الموت؛ فاستقبلتها و تشاهدت، فقال لى واحد منهم: أنت ما جاء وقتك، هذه تحفة مؤمن غيرك قد جاء وقته، و لم أزل أنظر إليهم إلى أن غابوا[3].
و قال لى رضي اللّه عنه: كنت مرة واقفا عند المسجد الذى أصلى فيه بمصر، و قد عبر المتولى فى ذلك الوقت فى زمن العادل الكبير، كان يقال له: «فخر الدين إسماعيل» فسمعت مخاطبة هذا فى مقابلتك فى الظاهر، و أنت مقابله فى الباطن، و كان رضي اللّه عنه إذا صلى فى محراب هذا المسجد ينحرف يمينا؛ فسئل عن ذلك، فقال: أنا أصلى إلى الكعبة غيابا، و أميل معها.
[1]-بداية اللوحة رقم: 19.
[2]-فى المخطوط: يرفعوا و الصواب ما أثبتناه.
[3]-روابات لا دليل عليها.