بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 37

و القرشى كالمرآة يدرك من يتوجه إليه، اللهم انفعنا بالرسول و المرسل و المرسل إليه.

و قال، رضي اللّه عنه: كان الشيخ «أبو يوسف» يوما عند الشيخ القرشى، و جماعة من أصحابه، و كان فى الجماعة من يحسن القول؛ فاستأذنوا الشيخ القرشى على أن يقول شيئا، فاستفتح المنشد مطلع موشح:

أما ترى أحمد فى مجده العالى لا يلحق‌

بين شعر اطلعة العرب أر ما مثله يا مشرق‌

و كان الشيخ «أبو يوسف» بجوار الشيخ القرشى متربعا فارتفع بجلسته إلى العلو مقدار قامتين، و دار وسع المجلس الذى كانوا فيه فى الهواء إلى أن عاد إلى موضعه نزل و رأى ذلك اليوم أكبر أصحاب القرشى.

و قال، رضي اللّه عنه: خلا «أبو يوسف» ليلة مع القرشى و أنا معهما فقال «أبو يوسف» القرشى: من أين تنفق؟ فقال له: من تحت السجادة، إن طلبت ذهبا وجدته، أو فضة وجدتها.

قال، رضي اللّه عنه: لما سافر «أبو يوسف» من مصر ودعته إلى المركب، فقال لى:

يا أحمد، وهبتك نصف عملى، فبعد ذلك خطبنى القرشى لخدمته فامتنعت لأجل.

أخى، و كان من كبار الأولياء، و كنت أخدمه.

فقال الشيخ القرشى: لا بد أن تخدمنى فوافقته‌[1]و امتثلت أمره، و كان حوله جماعة فطلعت معه للقرافة و بت فى خدمته تلك الليلة، فلما كان بعد الصبح قال‌

[1]-بداية اللوحة رقم: 14.


صفحه 38

لى: يا أحمد، ما خلانى أخوك البارحة أنام، امض إليه فقد أثرته بك، فجئت و أخبرته.

فقال: صدق، البارحة كنت أسأل اللّه أن يقلب قلب القرشى بتركك لى، و كان أخو الشيخ كبيرا فى الولاية، كان على وجهه نور لا يخفى على أحد أنه ولى؛ فسألنا الشيخ عن ذلك، فقال: بنفخ النبى، صلّى اللّه عليه و سلم، فى وجهه فأثرت النفخة فى هذا النور، فكان أعطى إجابة الدعوة، و أعطى شيئا من المحبة.

قال الشيخ: كنت فى الليل أبيت و بينى و بين أخى سقف، و كنت أسمع خفقان قلبه من تحت السقف، و لما أدركه الموت قال لأخيه الشيخ الأستاذ: يا أخى، مت، قال له الشيخ: يا أخى، غاب الوجود، قال: لا، قال: فما مت.

فأخذ يناجى ربه: يا رب، ما تأخذنى إليك، إلى متى تبقينى فى هذه الدار؟

قال: و إذا هو قد تنهد بلذة طيبة، و قال: الحمد للّه رب العالمين، يا أخى قد مت، قلت: له غاب الوجود؟ قال: غاب، قلت له: الآن مت.

قال الشيخ: من حين حمد اللّه كان فى الآخرة، و كل ما قاله قاله بعد أن مات؛ لأن الوجود لا يغيب إلا[1]بوجود الآخرة.

فضل كلمة التوحيد

و قال، رضي اللّه عنه: اختلفت مع أخى فى مسألة من الآخرة كنت شهدتها فذهبت فيها إلى خلاف ما أخبرته، فقلت له: يا أخى، اعلم أنك تموت قبلى، و تشهد هذه المسألة، فإذا شهدتها تعالى إلى و أخبرنى لما تراه منها على وفق ما كنت أخبرته.

[1]-بداية اللوحة رقم: 15.


صفحه 39

و قال، رضي اللّه عنه: رأيت أخى بعد موته مضطجعا فى قبره و قد نبت من حواجبه عينيه و فيه و أذنيه عروق تكونت منهم شجرة انتهت بطولها و تفرع علوها، فقلت:

ما هذه؟.

قيل لى: هذه كلمة التوحيد «لا إله إلا اللّه» تحققها و استعملها فانتهت إلى مستقرها، و هى اليوم بعده من أعلاها كما رباهها من أسفلها.

و قال، رضي اللّه عنه: خرجنا من إشبيلية جماعة نريد السياحة، و كان من جملتنا «محيى الدين بن العربى» و حكمنا أكبر السنة رجلا يقال له: «ابن عمار» فبينما نحن نمشى فى برية، و إذا بالخضر7أقبل يجر ذيله على الأطراف، و لا خطوة جارفة[1]، فلما رأيناه عرفناه فكسا الجماعة صفة تعجيز و شاغلهم و هو سائر، فحاذاهم يسلم، فلم يستطع أحد منهم رد السلام عليه سواى، و كل ذلك «لا ثار و دعا و عندهم»[2].

أسئلة المريدين لشيخهم‌

قال: و كنا مرة جالسين فى مكان، و قد دخل علينا رجل لا نعرفه كسانا منه هيبة، فسلم و ركع‌[3]و التفت للجماعة، و قال: تصور سؤال الوجود مملوءا و فارغا فلم يجبه أحد، قال: آدم لما أكل من الشجرة كان محمد حاضرا أم غائبا؟ فلم يجبه أحد.

ثم قال: لما أخرجت حوى من ضلع آدم ما سد المكان التى كانت فيه، و تكونت عنه؟ فلم يجبه أحد، فسلم و مضى.

[1]-عبارة غير واضحة.

[2]-عبارة غير واضحة.

[3]-بداية اللوحة رقم: 16.


صفحه 40

قال المؤلف، رضي اللّه عنه: و هذه الحكاية تحتاج إلى إيضاح و نرجو من اللّه سبحانه فتح بيانها، أما عدم أجوبتهم له فليس إلا لتعجيزه لهم، لغلبة الهيبة عليهم؛ لأنهم كانوا أرباب إدراكات و معارف، رضي اللّه عنهم.

و قال، رضي اللّه عنه: وردت من السياحة على الشيخ أبى العباس الغربى، و كان رجلا كبيرا، فلما جلست إليه. سأله سائل فقال له: يا سيدى، أيهما أفضل العقل أم الروح؟ فعاينت الشيخ قد أسرى روحه و أسرى بى معه إلى أن دخلنا سماء الدنيا.

اشتغلت برؤية أملاكها و أنوارها، غاب الشيخ عنى.

فطلبت مستقرا أستقر فيه فلم أجد؛ فنزلت وقفت فنظرت للشيخ أجده مستغرقا فى غيبته فبعد لحظة. و إذا هو قد حضر فقال للسائل لما أسرى بالنبى صلّى اللّه عليه و سلم صحبه جبريل، بل انتهى به جبريل إلى حده وقف، و قال: يا محمد، ما منا إلا له مقام معلوم، منذ خلقت ما تعديت، و تقدم النبى صلّى اللّه عليه و سلم إلى مقامه الذى اتصل به‌[1]، و كان جبريل روحا، و كان محمد حين ذاك عقلا.

فانظر- رحمك اللّه- اختصاص الحق سبحانه لهذه الطائفة لم تجبه بنقل النقلة، و لا بفتيا أرباب المعقول، بل أخذ العلم من معدنه، و الإرث للنبوة الإرث الحقيقى، نفعنا اللّه بهم.

مجلس الشيخ أبى العباس العربى‌

و قال رضي اللّه عنه: كنت جالسا مع هذا الشيخ «أبى العباس العربى» و كان يستنطقنى ليسمع أصحابه أحوال الفقراء و ما يخبروا به من مواهب اللّه، و إذا بقواد أستاذنا الشيخ ليقول شيئا؛ فأذن له، و إذا أنا أبصر حية لها عينان جوهريتان أقبلت تطلب حلقة الفقراء الحاضرين بين يدى الشيخ، حين السماع.

[1]-بداية اللوحة رقم: 17.


صفحه 41

فقلت له: يا سيدى، أبصر كذا و كذا، فحين ما أخبرت الشيخ رجعت، قلت: يا سيدى، رجعت.

قال: يا بنى، هذه نفس واحد من الجماعة طلبت نفسه بلبسه و تتجوهر عليه بالعلم ليظهر الوجد على أنه حال و ليس هو حالا، فلما رأيتها أنت و أخبرتنى.

استشعرت رجعت.

و قال رضي اللّه عنه: خرجت من إشبيلية وحدى أسافر لبلد أخرى، فعند ما خرجت من البلد و إذا بشخص يشبه أهل اليمن سلم علىّ و صار يحادثنى، إن مشيت مشى، و إن قعدت قعد يقرأ سورة:إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً[1]بقى معى أياما.

قلت له: ما تكون، رحمك اللّه؟ قال: أنا مؤمن من مؤمنى الجان، أرسلت إليك أونسك، فلما وصلت إلى البلد الذى أردت»[2]راح عنى.

و قال رضي اللّه عنه: كنت حالة تجريدى بمصر أتردد إلى مصر مسجدا كان قبالة مصنع الحفارين بطريق القرافة، أبيت فيه، فكنت أخرج فى الليل أمشى فى الجبانة، فيكشف اللّه أحوال أهل القبور و المتنعمين، و غيرهم من المعذبين باختلاف أحوالهم‌[3]، فما رأيت أحسن من الجمعة التى قبل الفتح.

قال الأستاذ صفى الدين المؤلف رضي اللّه عنه: فلما أدركته الوفاة أشار إلىّ بأن أحفر له قبرا، فاخترت له مكانا قبل الفتح فدفنته، و أخبرته به قبل موته، فقال: أحسنت.

و قال رضي اللّه عنه: كنت يوما أصلى بالمسجد الذى كنت آوى فيه، و إذا أنا أبصر من وراء الحائط جماعة من الأبدال عابرين على المسجد.

[1]-سورة نوح: آية 1.

[2]-بداية اللوحة رقم: 18.

[3]-لا سند لهذه الروايات.


صفحه 42

فلما وصلوا قبالة المسجد قال بعضهم لبعض: هذا المسجد فيه رجل يدخل منا واحد يبصره، فجاء واحد منهم للحائط الذى فيه الباب فدخل من الحائط حتى جاء وجدنى قائما فى الصلاة فقبلنى و خرج من الحائط أخبر أصحابه و أنا أبصرهم إلى أن انصرفوا، و كان لباسهم جلدا.

و كان مع الشيخ صاحب له متعبد، فلما فرغ الشيخ من الصلاة قال:

يا سيدى شممت الساعة رائحة طيبة دخلت علينا، فأخبره الشيخ أنها رائحة البدل الذى دخل‌[1]، و قال: مرضت مرة فى بلدى إشبيلية، فكنت مضطجعا على ظهرى، و إذا أنا أشهد طيورا كبارا ملونة بالأخضر و الأبيض و الأحمر، يرفعون‌[2]أجنحتهم دفعة واحدة و يضعونها وضعا واحدا، و أشخاص على أيديهم أطباق مغطية فيها تحف.

فوقع لى أنها تحفة الموت؛ فاستقبلتها و تشاهدت، فقال لى واحد منهم: أنت ما جاء وقتك، هذه تحفة مؤمن غيرك قد جاء وقته، و لم أزل أنظر إليهم إلى أن غابوا[3].

و قال لى رضي اللّه عنه: كنت مرة واقفا عند المسجد الذى أصلى فيه بمصر، و قد عبر المتولى فى ذلك الوقت فى زمن العادل الكبير، كان يقال له: «فخر الدين إسماعيل» فسمعت مخاطبة هذا فى مقابلتك فى الظاهر، و أنت مقابله فى الباطن، و كان رضي اللّه عنه إذا صلى فى محراب هذا المسجد ينحرف يمينا؛ فسئل عن ذلك، فقال: أنا أصلى إلى الكعبة غيابا، و أميل معها.

[1]-بداية اللوحة رقم: 19.

[2]-فى المخطوط: يرفعوا و الصواب ما أثبتناه.

[3]-روابات لا دليل عليها.


صفحه 43

حسن المعاملة

و قال رضي اللّه عنه: خطر للملك الكامل أن يخرج المغاربة من ديار مصر كونه وقع له منهم فنادى فيهم بالخروج نداء مقلقا، فتغير باطنى عليه بسبب ذلك، ثم رجع عنه، فلما رجع عنه هذا و أنا فى الطواف تذكرته فهممت أن أدعو عليه فقيل لى:

من شفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، فدعوت له‌[1].

و قال: و كنت مرة على ساحل نيل مصر، و إذا بجندى طلب قياسة يعدى فيها، فخاف صاحب القياسة من سخرته، فأخرجها من البر ليهرب بها؛ فلحقه الجندى و ضربه فى رأسه بالمقرعة؛ فهممت بالدعاء عليه، فقيل لى: ما حاجة أن تدعو عليه بهذه الصفة أعامله بها غدا على الصراط.

و قال رضي اللّه عنه: كنت فى بعض السياحات أحتاج إلى الاستجمار؛ فأخذت مرة حجرا لأستجمر به، فقال لى: سألتك باللّه لا تنجسنى، فنزلته و أخذت غيره فقال لى ذلك، فتذكرت ما رتبه الشارع فأخذت الحجر و قلت: أمر ربى اللّه أتطهر بك و هو خير لك.

و قال رضي اللّه عنه: كنت تركت أخى بمكة عام حوطة و جئت إلى مصر، فبعد ذلك جاءنى و دخل علىّ البيت الذى كنت فيه و سلم علىّ و فرحت بقدومه فقال لى:

يا أخى أنا جائع، قلت له: يا أخى، ما أملك شيئا، و لا أتكلف شيئا، و لا أسأل أحدا شيئا، فأخر كلامى معه بذلك، و إذا بعصفور كبير دخل من شباك البيت و ألقى فى حجرى قيراطا كبيرا، فأخذته و اشتريت به ما أكل.

[1]-بداية اللوحة رقم: 20.


صفحه 44

و قال لى: لم أزل أتسبب فى الحرير إلى أن نهيت عن السبب فبقيت و لم أتركه تواضعا للعلم، و سترا للحال إلى أن قيل لى: تتركه و إلا أعميناك‌[1]فتركته.

قال المؤلف رضي اللّه عنه: و عاش بعد ذلك مدة سنين متسع الدائرة بالعيال و الأتباع، واسع النفقة، و كان كريما ينفق من جيبه ما لا يضعه فيه، و مات و لم أجد له درهما واحدا.

الشيخ أبو الحسن الدقاق‌

و كان بديار مصر رجل كبير الشأن يقال له: الشيخ «أبو الحسن الدقاق» من مراكش، صحب بالشام رجل أعمى يقال له: «محمد الأزهرى» ما سمع بأعظم من كراماته و حكماته و علومه نذكره فى غير هذا الفصل.

و كان هذا الشيخ «أبو الحسن» يعتقد الشيخ. و يتردد إليه، فكان مما حكى للشيخ و أنا حاضر أن الشيخ «محمد العجمى» قال: يا على متى كنت بمصر احرص على أن تصلى وراء الشيخ «أبى العباس» فإنها بسبعين صلاة.

و إذا أردت أن تعرف مقدار ما أوصيك صل غدا خلفه، فقمت فى السحر و جئت لمسجد الشيخ أبى العباس فلما طلع الفجر ركع، و أقيمت عليه الصلاة دخل المحراب و كبّر فكبرت وراءه مع الناس، فلما أخذت و غاب المسجد و الناس عن نظرى، و إذا قد تصورت روحانية نورانية قامت مقام الشيخ و انتشرت لها أشعة أنوار، انتهى إلى أطراف إقليم مصر، و ضمن تلك الصورة النورانية صورة صغيرة مصورة فى حجرها.

فبينما أنا أشاهد هذا الأمر و إذا[2]بالمؤذن يحركنى و يوقظنى و يقول: أنت صرعت صلى الشيخ و الناس و مضوا، و أنت كأنك مصروع، اخرج لأغلق‌

[1]-بداية اللوحة رقم: 21.

[2]-بداية اللوحة رقم: 22.