فقلت له: يا سيدى، أبصر كذا و كذا، فحين ما أخبرت الشيخ رجعت، قلت: يا سيدى، رجعت.
قال: يا بنى، هذه نفس واحد من الجماعة طلبت نفسه بلبسه و تتجوهر عليه بالعلم ليظهر الوجد على أنه حال و ليس هو حالا، فلما رأيتها أنت و أخبرتنى.
استشعرت رجعت.
و قال رضي اللّه عنه: خرجت من إشبيلية وحدى أسافر لبلد أخرى، فعند ما خرجت من البلد و إذا بشخص يشبه أهل اليمن سلم علىّ و صار يحادثنى، إن مشيت مشى، و إن قعدت قعد يقرأ سورة:إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً[1]بقى معى أياما.
قلت له: ما تكون، رحمك اللّه؟ قال: أنا مؤمن من مؤمنى الجان، أرسلت إليك أونسك، فلما وصلت إلى البلد الذى أردت»[2]راح عنى.
و قال رضي اللّه عنه: كنت حالة تجريدى بمصر أتردد إلى مصر مسجدا كان قبالة مصنع الحفارين بطريق القرافة، أبيت فيه، فكنت أخرج فى الليل أمشى فى الجبانة، فيكشف اللّه أحوال أهل القبور و المتنعمين، و غيرهم من المعذبين باختلاف أحوالهم[3]، فما رأيت أحسن من الجمعة التى قبل الفتح.
قال الأستاذ صفى الدين المؤلف رضي اللّه عنه: فلما أدركته الوفاة أشار إلىّ بأن أحفر له قبرا، فاخترت له مكانا قبل الفتح فدفنته، و أخبرته به قبل موته، فقال: أحسنت.
و قال رضي اللّه عنه: كنت يوما أصلى بالمسجد الذى كنت آوى فيه، و إذا أنا أبصر من وراء الحائط جماعة من الأبدال عابرين على المسجد.
[1]-سورة نوح: آية 1.
[2]-بداية اللوحة رقم: 18.
[3]-لا سند لهذه الروايات.
فلما وصلوا قبالة المسجد قال بعضهم لبعض: هذا المسجد فيه رجل يدخل منا واحد يبصره، فجاء واحد منهم للحائط الذى فيه الباب فدخل من الحائط حتى جاء وجدنى قائما فى الصلاة فقبلنى و خرج من الحائط أخبر أصحابه و أنا أبصرهم إلى أن انصرفوا، و كان لباسهم جلدا.
و كان مع الشيخ صاحب له متعبد، فلما فرغ الشيخ من الصلاة قال:
يا سيدى شممت الساعة رائحة طيبة دخلت علينا، فأخبره الشيخ أنها رائحة البدل الذى دخل[1]، و قال: مرضت مرة فى بلدى إشبيلية، فكنت مضطجعا على ظهرى، و إذا أنا أشهد طيورا كبارا ملونة بالأخضر و الأبيض و الأحمر، يرفعون[2]أجنحتهم دفعة واحدة و يضعونها وضعا واحدا، و أشخاص على أيديهم أطباق مغطية فيها تحف.
فوقع لى أنها تحفة الموت؛ فاستقبلتها و تشاهدت، فقال لى واحد منهم: أنت ما جاء وقتك، هذه تحفة مؤمن غيرك قد جاء وقته، و لم أزل أنظر إليهم إلى أن غابوا[3].
و قال لى رضي اللّه عنه: كنت مرة واقفا عند المسجد الذى أصلى فيه بمصر، و قد عبر المتولى فى ذلك الوقت فى زمن العادل الكبير، كان يقال له: «فخر الدين إسماعيل» فسمعت مخاطبة هذا فى مقابلتك فى الظاهر، و أنت مقابله فى الباطن، و كان رضي اللّه عنه إذا صلى فى محراب هذا المسجد ينحرف يمينا؛ فسئل عن ذلك، فقال: أنا أصلى إلى الكعبة غيابا، و أميل معها.
[1]-بداية اللوحة رقم: 19.
[2]-فى المخطوط: يرفعوا و الصواب ما أثبتناه.
[3]-روابات لا دليل عليها.
حسن المعاملة
و قال رضي اللّه عنه: خطر للملك الكامل أن يخرج المغاربة من ديار مصر كونه وقع له منهم فنادى فيهم بالخروج نداء مقلقا، فتغير باطنى عليه بسبب ذلك، ثم رجع عنه، فلما رجع عنه هذا و أنا فى الطواف تذكرته فهممت أن أدعو عليه فقيل لى:
من شفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، فدعوت له[1].
و قال: و كنت مرة على ساحل نيل مصر، و إذا بجندى طلب قياسة يعدى فيها، فخاف صاحب القياسة من سخرته، فأخرجها من البر ليهرب بها؛ فلحقه الجندى و ضربه فى رأسه بالمقرعة؛ فهممت بالدعاء عليه، فقيل لى: ما حاجة أن تدعو عليه بهذه الصفة أعامله بها غدا على الصراط.
و قال رضي اللّه عنه: كنت فى بعض السياحات أحتاج إلى الاستجمار؛ فأخذت مرة حجرا لأستجمر به، فقال لى: سألتك باللّه لا تنجسنى، فنزلته و أخذت غيره فقال لى ذلك، فتذكرت ما رتبه الشارع فأخذت الحجر و قلت: أمر ربى اللّه أتطهر بك و هو خير لك.
و قال رضي اللّه عنه: كنت تركت أخى بمكة عام حوطة و جئت إلى مصر، فبعد ذلك جاءنى و دخل علىّ البيت الذى كنت فيه و سلم علىّ و فرحت بقدومه فقال لى:
يا أخى أنا جائع، قلت له: يا أخى، ما أملك شيئا، و لا أتكلف شيئا، و لا أسأل أحدا شيئا، فأخر كلامى معه بذلك، و إذا بعصفور كبير دخل من شباك البيت و ألقى فى حجرى قيراطا كبيرا، فأخذته و اشتريت به ما أكل.
[1]-بداية اللوحة رقم: 20.
و قال لى: لم أزل أتسبب فى الحرير إلى أن نهيت عن السبب فبقيت و لم أتركه تواضعا للعلم، و سترا للحال إلى أن قيل لى: تتركه و إلا أعميناك[1]فتركته.
قال المؤلف رضي اللّه عنه: و عاش بعد ذلك مدة سنين متسع الدائرة بالعيال و الأتباع، واسع النفقة، و كان كريما ينفق من جيبه ما لا يضعه فيه، و مات و لم أجد له درهما واحدا.
الشيخ أبو الحسن الدقاق
و كان بديار مصر رجل كبير الشأن يقال له: الشيخ «أبو الحسن الدقاق» من مراكش، صحب بالشام رجل أعمى يقال له: «محمد الأزهرى» ما سمع بأعظم من كراماته و حكماته و علومه نذكره فى غير هذا الفصل.
و كان هذا الشيخ «أبو الحسن» يعتقد الشيخ. و يتردد إليه، فكان مما حكى للشيخ و أنا حاضر أن الشيخ «محمد العجمى» قال: يا على متى كنت بمصر احرص على أن تصلى وراء الشيخ «أبى العباس» فإنها بسبعين صلاة.
و إذا أردت أن تعرف مقدار ما أوصيك صل غدا خلفه، فقمت فى السحر و جئت لمسجد الشيخ أبى العباس فلما طلع الفجر ركع، و أقيمت عليه الصلاة دخل المحراب و كبّر فكبرت وراءه مع الناس، فلما أخذت و غاب المسجد و الناس عن نظرى، و إذا قد تصورت روحانية نورانية قامت مقام الشيخ و انتشرت لها أشعة أنوار، انتهى إلى أطراف إقليم مصر، و ضمن تلك الصورة النورانية صورة صغيرة مصورة فى حجرها.
فبينما أنا أشاهد هذا الأمر و إذا[2]بالمؤذن يحركنى و يوقظنى و يقول: أنت صرعت صلى الشيخ و الناس و مضوا، و أنت كأنك مصروع، اخرج لأغلق
[1]-بداية اللوحة رقم: 21.
[2]-بداية اللوحة رقم: 22.
المسجد، فخرجت و جئت إلى الجامع فوجدت الشيخ «محمد العجمى» فقال لى:
ما رأيت؟ فأخبرته، فقال: هذه روحانيته الباطنة العلوية و منتهى أشعتها منتهى نور حكمها.
فسألته عن الصورة الصغيرة المصورة فى باطن تلك الصورة، فقال: هذه صورة شاب من أعيان مصر يصحبه فى آخر زمانه يرث مقامه، فقال له الصفى: ابن أبى المنصور.
و قال الشيخ أبو الحسن: ثم سافرنا إلى الشام مع الشيخ «محمد العجمى» فكنا بدمشق فى الجامع فى الحائط الشمالى، و إذا بالشيخ العجمى قال لى: يا على انظر هذا الشاب فنظرت و إذا بشاب جميل عليه فروى حرير ملونة بالأحمر و الأخضر و الأسود متطيلس بعضرى شرب له حاشية يمشى فى الجامع و بجوارى فقير يسمى هاشما.
فقال: هذا الشاب الذى رأيته أنت مصورا فى صورة أبى العباس الذى يصحبه فى آخر زمانه.
الشيخ على الكردى
قال المؤلف: و كنت أنا كذلك على الهيئة الموصوفة قد جئت من حران بعد وزارة والدى بها للملك الأشرف، و كان سنى فى ذلك الوقت خمسة عشرة سنة، و ساعة دخلت دمشق كان[1]بها الشيخ «على الكردى» الموله ظاهر. فحين دخلت الجامع و كنت فى حشكلة[2]من الأهل و الغلمان جالسين فى الحائط الشمالى عند مقصورة الغزالى.
[1]-بداية اللوحة رقم: 23.
[2]-يبدو أنها كلمة كردية تعنى مجموعة.
و إذا بشخص عظيم الصورة، كبير الرأس، عليه لباد مقطع، جاء من باب حيرون يشق الجامع إلى أن جاء إلىّ و مد يده إلىّ مملوءة تفاحا، و قال لى: خذ، ففزعت منه و استندت إلى من كان بجوارى ممن معى فتأخر عنى، ثم رماهم تفاحة تفاحة إلى أن فرغ ما كان فى يده، و مضى لباب حيرون، و إذا بالشيخ «أبى القاسم الصقلى» و كان من أعيان المشايخ مقيما بدمشق، و الفقيه «نجم الدين أبو اللهيب» كان مدرسا بدمشق، جاءا إلى عندنا و أخبرهما الجماعة بما جرى من ذلك الشيخ فتعجبا من ذلك عجبا كبيرا عظيما و هنئانى هناء كبيرا.
و قالا لى: هذا قطب الشام جاءك بالضيافة، و عزيز أن يعمل هذا مع أحد، فقمت لحقته عند باب حيرون و سلمت عليه و قبلت يده. فضحك، و كان هذا الشيخ «على الكردى» عظيم الشأن، نذكر أخباره بعد هذا الفصل المختص بالشيخ الأستاذ.
الشيخ العجمى
و أما حكاية الشيخ العجمى: فإن الشيخ شافهنى بمعناها منى إليه، قال لى:
أنت وارثى و كلما تليته من الحق لا بد أن تبلغه، و كان ولده طفلا صغيرا يمشى بين يديه، قال لى[1]: كما أن هذا ولدى من ظاهر، أنت ولدى فى الباطن.
و قال: أشهدت عالم النسيم، و كان ظهوره لى صورا لطيفة نورانية ظهرت لى دفعة واحدة كمثل ظهور الشرار، إذا خرج من الكير ينفخ النافخ، و كانت كل صورة نورا، يليها فى ظهورها كمثل الشرارة النارية فى ظهورها فجئت إلى واحد منها و حنت إلى واحدة منها، و لما جاء الشيخ أبو الحجاج المغاور و الشيخ «أبو بكر بن شافع» من الصعيد.
[1]-بداية اللوحة رقم: 24.
و قصدوا زيارة قبر الشيخ، و كان هذا المغاور رجلا عظيما، نذكر أخباره بعد هذا الفصل، و كذلك الشيخ «أبو بكر» و كان معهم حين الزيارة جماعة أكابر منهم «علم الدين المنفلوطى» و الشيخ «أبو الحسن بن الدقاق، و أعيان صلحاء مصر، فلما قدموا على أول الفضاء المتسع الذى قبر الشيخ فى آخره، و لم يكن حين ذاك لقبره علامة، و لا بناء، فعند ما رأوه من بعد كبير مقدم المغاور على الجماعة قاصدا قبر الشيخ من غير دال يدلهم على جهته، و لا من يعيّن لهم ناحيته، و مشوا إلى أن وقفوا على القبر و جلسوا وقتا، ثم قاموا و كل منهم مجموع فى نفسه، و لا يتكلم أحد منهم مع أحد إلى مصر، فأدخلتهم الدار التى كانت فيها و عملت لهم ضيافة ثم سألت الشيخ[1]المغاور عن زيارته.
فأشار بأنهم رأوه من بعد وراء شيخهم الشيخ أبو الحسن عنده ثم قال: يا صفى كان أمر الشيخ أبو العباس عظيما و لا بد له أن ترد عليه، ثم سألت الشيخ «أبا بكر بن شافع» عن زيارته فقال: عند ما أقبلنا من أول البرية رأينا الشيخ أبا العباس و شيخنا أبا الحسن عنده، فلما انتهيت الزيارة قال لى الشيخ أبو العباس:
هذا الصفى روحى لذلك الشيخ أبو عبد اللّه الشاطبى.
قال لما زار الشيخ قال: رأيت شيخنا الشيخ أبا الحسن عنده و عند انتهاء الزيارة قال لى: هذا الصفى عينى، و كانت للشيخ الأستاذ ابنة شاقت إليها نفوس أصحابه و محبيه؛ فاطلع الشيخ على نفوسهم فقال لهم هذه البنت التى لى لا تخطر لأحد، فإنها ساعة ولدت أطلعنى الحق سبحانه على زوجها من هو و أنا أنتظره، و كنت حين ذاك وراء الفرات بحران مع والدى فى وزارته للملك الأشرف؛ فلما
[1]-بداية اللوحة رقم: 3.
جئنا إلى مصر بعد سنيات بعث الملك العادل الكبير والدى رسولا إلى مكة لا فى عزيز ليغير الملك المسعود بن الملك الكامل اليمن.
فجئت أنا حين ذاك إلى الشيخ و صحبته و كنت و أنا صغير إذا ذكر الشيوخ و الأولياء تلوح صورته، فصحبته و غيرت هيأتى، و كانت هيئة جميلة، الثياب المذهبة، و البغلة الحسنة، و غير ذلك، و هجرت الأهل[1]و لزمت الشيخ إلى أن جاء والدى من مكة فى حشكلة[2]عظيمة، و خرج له من مصر سبعون متطليسا للقائه بجميع الاهتمام و الحشم، فقال لى الشيخ: تخرج للقاء والدك، قلت: يا سيدى، ما بقى لى والد غيرك، و أنا ما أركب له شيئا من دوابهم، و لا آكل معهم، قال: تخرج على كل حال، فخرجت على دويبة تحتى خريج أعطانه السبخ، و خبز و جبن و خيار و سطل، و أهل يبكون على حالى.
صفى الدين مع والده
و كان لوالدى بغال على الربيع مهيأة أخرجوها له مختومة، فلما وصلنا لبركة الحاج قعدت وحدى تحت السماء، و كان الصيف الشديد إلى أن جاء فلقيته وحدى، فلم يعرفنى هو و لا من حوله، و كان حوله عسكر أجناد و مماليك و خدام إلى أن رآنى، قال: حسين؟ قلت: نعم حسين، وقف و اصفر وجهه و بهت، بهته اللّه المسئول أن يثيبه عليها، ثم مشى و بقوا متعجبين، و إذا بأهلى و أخوتى و كل من خرج من الطوائف وصلوا و اجتمعوا، و أنا فى ناحية وحدى.
فلما نزل البركة قدمت الباديم، و جمع على سماطه كل من جاء معه، و كل من خرج له إلى أنا لم أحضر و بقيت فى جمة أبكى بكاء أسير قد أخذ من أهله و حيل
[1]-بداية اللوحة رقم: 26.
[2]-سبق أن ذكرنا معنى حشكلة.