و قصدوا زيارة قبر الشيخ، و كان هذا المغاور رجلا عظيما، نذكر أخباره بعد هذا الفصل، و كذلك الشيخ «أبو بكر» و كان معهم حين الزيارة جماعة أكابر منهم «علم الدين المنفلوطى» و الشيخ «أبو الحسن بن الدقاق، و أعيان صلحاء مصر، فلما قدموا على أول الفضاء المتسع الذى قبر الشيخ فى آخره، و لم يكن حين ذاك لقبره علامة، و لا بناء، فعند ما رأوه من بعد كبير مقدم المغاور على الجماعة قاصدا قبر الشيخ من غير دال يدلهم على جهته، و لا من يعيّن لهم ناحيته، و مشوا إلى أن وقفوا على القبر و جلسوا وقتا، ثم قاموا و كل منهم مجموع فى نفسه، و لا يتكلم أحد منهم مع أحد إلى مصر، فأدخلتهم الدار التى كانت فيها و عملت لهم ضيافة ثم سألت الشيخ[1]المغاور عن زيارته.
فأشار بأنهم رأوه من بعد وراء شيخهم الشيخ أبو الحسن عنده ثم قال: يا صفى كان أمر الشيخ أبو العباس عظيما و لا بد له أن ترد عليه، ثم سألت الشيخ «أبا بكر بن شافع» عن زيارته فقال: عند ما أقبلنا من أول البرية رأينا الشيخ أبا العباس و شيخنا أبا الحسن عنده، فلما انتهيت الزيارة قال لى الشيخ أبو العباس:
هذا الصفى روحى لذلك الشيخ أبو عبد اللّه الشاطبى.
قال لما زار الشيخ قال: رأيت شيخنا الشيخ أبا الحسن عنده و عند انتهاء الزيارة قال لى: هذا الصفى عينى، و كانت للشيخ الأستاذ ابنة شاقت إليها نفوس أصحابه و محبيه؛ فاطلع الشيخ على نفوسهم فقال لهم هذه البنت التى لى لا تخطر لأحد، فإنها ساعة ولدت أطلعنى الحق سبحانه على زوجها من هو و أنا أنتظره، و كنت حين ذاك وراء الفرات بحران مع والدى فى وزارته للملك الأشرف؛ فلما
[1]-بداية اللوحة رقم: 3.
جئنا إلى مصر بعد سنيات بعث الملك العادل الكبير والدى رسولا إلى مكة لا فى عزيز ليغير الملك المسعود بن الملك الكامل اليمن.
فجئت أنا حين ذاك إلى الشيخ و صحبته و كنت و أنا صغير إذا ذكر الشيوخ و الأولياء تلوح صورته، فصحبته و غيرت هيأتى، و كانت هيئة جميلة، الثياب المذهبة، و البغلة الحسنة، و غير ذلك، و هجرت الأهل[1]و لزمت الشيخ إلى أن جاء والدى من مكة فى حشكلة[2]عظيمة، و خرج له من مصر سبعون متطليسا للقائه بجميع الاهتمام و الحشم، فقال لى الشيخ: تخرج للقاء والدك، قلت: يا سيدى، ما بقى لى والد غيرك، و أنا ما أركب له شيئا من دوابهم، و لا آكل معهم، قال: تخرج على كل حال، فخرجت على دويبة تحتى خريج أعطانه السبخ، و خبز و جبن و خيار و سطل، و أهل يبكون على حالى.
صفى الدين مع والده
و كان لوالدى بغال على الربيع مهيأة أخرجوها له مختومة، فلما وصلنا لبركة الحاج قعدت وحدى تحت السماء، و كان الصيف الشديد إلى أن جاء فلقيته وحدى، فلم يعرفنى هو و لا من حوله، و كان حوله عسكر أجناد و مماليك و خدام إلى أن رآنى، قال: حسين؟ قلت: نعم حسين، وقف و اصفر وجهه و بهت، بهته اللّه المسئول أن يثيبه عليها، ثم مشى و بقوا متعجبين، و إذا بأهلى و أخوتى و كل من خرج من الطوائف وصلوا و اجتمعوا، و أنا فى ناحية وحدى.
فلما نزل البركة قدمت الباديم، و جمع على سماطه كل من جاء معه، و كل من خرج له إلى أنا لم أحضر و بقيت فى جمة أبكى بكاء أسير قد أخذ من أهله و حيل
[1]-بداية اللوحة رقم: 26.
[2]-سبق أن ذكرنا معنى حشكلة.
بينه و بين من يحبه، و ما بكيت عمرى ألذ من البكاء آخر الحال، هددونى بالقيد و الحبس إن لم أعد لما[1]كنت عليه معه، فأخبرت الشيخ بذلك فطردنى و قال: رح لأبيك و لا ترجع تأتى إلىّ، فكنت متهانا، و كنت أنشد ما قاله مجنون ليلى:
جننا بليلى ثم جنت بغيرنا
و أخرى بنا مجنونة لا نريدها
و أطلعنى اللّه على سر مقصود الشيخ، إنها أحالنى على صدقى ليكون مؤمنا من الحظ و القصد فى؛ فانشرحت لذلك من جمة الشيخ، و مضيت إلى دار والدى، و حبست نفسى فى خزانة فى علو الدار، و آليت على نفسى أن لا آكل و لا أشرب و لا أنام و لا أخرج، أو أرد للشيخ على ما أحب، فسأل والدى عنى فأخبروه مطرد الشيخ لى، و بما صممت عليه، فقال: بعدى يجوع و يحتاج يأكل و يعطش و يحتاج يشرب، فأقمت إلى ثالث يوم فاستيقظ.
و قال: قولوا له يروح للشيخ و يفعل بنفسه ما يختار، فقلت: لا أروح أو يروح والدى للشيخ و يسأل قبولى، و قصدت عزة الشيخ بذلك، فقال: نعم، فاستدعانى و خرج ماشيا من بيته إلى مسجد الشيخ و أنا معه، فقبل يد الشيخ.
فقال: يا سيدى هذا ولدك تصرف فيه و أود لو كنت مكانه، فقال له الشيخ:
أرجو أن ينفعك اللّه به، فسلمنى للشيخ و مضى، آجره اللّه و جزاه عنى خيرا، فأقمت عقيب هذه الاجتماعة شهرا ما رأيته و أنا أحمل على كتفى كل يوم جرتى ماء من بولاق إلى زاوية الشيخ حاصا[2]و الناس يخبرونه يقول: تركته للّه تعالى، أسأل اللّه تعالى أن لا يضيع له ذلك، و أن يجزيه ما هو أهله.
فعند وفاة الوالد رأيت كأن الشيخ قال لى: يا صفى، قد زوجتك ابنتى، فلما استيقظت بقيت متحيرا لا يمكننى من الحياء أن أخبره، و إن لم أخبره يكون خيانة
[1]-بداية اللوحة رقم: 27.
[2]-بداية اللوحة رقم: 28.
كونى أخفى شيئا فى بطنى لا أطلعه عليه، فالتفت إلىّ و قال: ما رأيت فى النوم، فلحقنى منه هيبة، قلت: ما رأيت شيئا، فسكت لحظة ثم قال: قل فلا لك من القول، قلت له: رأيت كذا و كذا، قال: يا بنى، هذا كان من زمن قبل أن تصحبنى بمدة، فزوجنى إياها.
و كانت من أولياء اللّه تعالى، على وجهها نور لا يخفى على أحد يراها أنها ولية، و أنها من أهل الجنة، و رزقت أولادا فقهاء فقراء عدولا، و عشنا فى بركتها بعد أبيها زمانا، كثيرة المكاشفات، أخبرت بوقت موتها قبل وقته بسنة، ثم فى أول الشهر التى ماتت فيه، و حين موتها أخبرت بعجائب و وقائع تنفع بعد موتها، و وقعت و كانت تقول حال نزعها لنفسها:يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً[1]تقول ذلك إلى أن خرجت روحها، نفعنا اللّه ببركتهم أجمعين.
و لما قربت وفاة الشيخ استدعانى و قال: يا بنى، قد استدعيت نفسى من اللّه، عز و جل، و أجبت الداعى، و اتصلت إلى حضرة كذا و كذا، ثم غاب.
فعلمت أن هذه هى موتته[2]فشرعت فى أسباب موته، و عاش بعد هذا القول يومين و مات، و حضر عنده قبل موته أصحابه، و كان منهم الشيخ «أبو الحسن بن الدقاق» و الشيخ موسى الفانى، و العثمانى، و الشيخ عبد الرحيم الزهرونى» فقال له «موسى الفانى» يا سيدى، إذا مت على من نجتمع بعدك، فقال: على الصفى، فسكت ساعة ثم قال: يا سيدى، إذا مت على من نجتمع بعدك، قال: على الصفى.
[1]-سورة الفجر: آية 27، 28.
[2]-بداية اللوحة رقم: 29.
ثم قال له الثالثة، قال: على الصفى، على الصفى، على الصفى، ففرح الشيخ أبو الحسن بذلك و كتب به شهادته، نفعنا اللّه بذلك، و أوصى بأن أغسله و أصلى عليه، فغسلته و صليت عليه، و لحدته.
عماد الدين بن السكرى
و كان بمصر القاضى «عماد الدين بن السكرى» حاكم الديار المصرية، و مدرس الشافعى و مشهد الحسين، صلوات اللّه عليه، و على آبائه، و مدرس منازل العز، و كان يحب الشيخ و يعتقده و يعزه، فاتفق أن مناصبه أخذت منه، و لم يبق معه إلا منازل العز، ثم أخذت منه، و وقع بها لغيره، فجاء إلى الشيخ و شكا إليه فقال: ما وجدت أسفا على شىء من المناصب إلا هذه المدرسة؛ لأنها سكن العائلة، و هم كثير.
فقال له الشيخ، يكون الخير، فلما كان تلك الليلة أصبح الشيخ قال لنا: اليوم العصر ترد لعماد الدين مدرسته، قلنا: يا سيدى، كيف الخبر، قال: قمت البارحة[1]لوردى أصلى بجانب فى زاوية من باطنى فقيل لى: غدا العصر ترد له مدرسته، فلما كان العصر جاءه توقيع جديد بها من غير سعى أحد غير توجه الشيخ و نفاذ همته، و ما يسر به فى أمره، و قال له: يا سيدى، جارية حامل فقال له: تضع لك غلاما اسمه عبد العزيز، فوضعت غلاما و هو فخر الدين عبد العزيز الذى دام بعده فى المدرسة، واد العدل، و أعيدت له خطابة القاهرة، و تزوج على رأس أربعين سنة، بعد أن قيل له تزوج ففى ظهرك ولد نريد إخراجه، فتزوج، و هى سنة القوم، لا يتزوجون إلا بعد الأربعين.
[1]-بداية اللوحة رقم: 30.
لأنها مدة الفتح، فمن لم يفتح له فى الأربعين لم يفتح عليه بعدها إلا ما كان من مقدم حكم الفتح فى الأربعين فيرد بكلمة بعدها، و هى سنة أكبر الأنبياء فى البعث بعد بعث النبى صلّى اللّه عليه و سلم، على رأس الأربعين؛ و كذلك موسى بعث بعد الأشد الأكبر و هو أربعون سنة، قال اللّه تعالى:وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى[1].
قيل: أربعون سنة، و فى موضع آخر:وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً[2]حتى إذا بلغ أشده بلغ أربعين سنة و رزق من زوجة أولادا ابنته المباركة التى زوجنى إياها[3]، و بعدها ولدا صالحا سماه باسمه «أحمد».
و قال: لو رزقت مائة ولد لم أخرج فى تسميتهم عن أحمد و محمد، و نشأ ولده نشأة صالحا، و جاء يشبهه صورة و معنى، و مات و هو صغير، ربيته و أقمته مقام والده فى مسجده، و ظهرت بركة والده عليه.
و كان يصلى فى مسجد يعرف بابن البلان، و كان من الواقف يقال له:
النجيب، يخدم عند بعض الأمراء، فاتفق أن ذلك الأمير قبض عليه قبضا عنيفا؛ فبعث يستجير بالشيخ فقال الشيخ: ما أعرف أميرا و لا وزيرا، ما أقصد إلا اللّه، فبعث إلى الفقيه عقيل و أخذ مفتاح مسجده بالقرافة، و طلع يصلى فيه متوجها فى حق صاحبه المستجير به ما جاء آخر النهار حتى أفرج عنه، و جاء إلى الشيخ أخبره بخلاصة من غير سعى فى ظاهر، و جاءه حاكم مصر و الفقيه ابن السكرى عند موته فسألاه الدعاء للمسلمين بالنصرة على العدو، و كان العدو فى دمياط النوبة
[1]-سورة القصص: آية 14.
[2]-سورة الأحقاف: آية 15.
[3]-بداية اللوحة رقم: 31.
الأولى فى زمن الملك العادل، فقال جواب سؤالهم: اللهم اجعلنى فداء المسلمين، فؤرخ ذلك اليوم فكان يوم كسرتهم.
أبو العباس الطنجى
وزار مرة الشيخ أبا العباس الطنجى فى جيزة مصر، و كان مريضا عظيم الشأن، نذكره فى غير هذا الفصل، فسأله عن حاله فقال له: يا أبا العباس، حالى حال من بال على نفسه من ضعفه، فلما رجع الشيخ من زيارته[1]و كنت معه وحدى.
قلت له: يا سيدى، ما هذا الجواب النازل من هذا الرجل الكبير و أنت تعظمه، قال: يا بنى، كان من أيام نطق بكلمة غلب عليه الحال بنطقها قال عن نفسه: هكذا كنت فى الأزل فسمعتها منه و سكت عنه لعلمى بغلبة الحال الناطق على لسانه، فأراد اليوم بهذا الجواب النازل محو أثر الكلمة بما ثبت به عبوديته، ثم قال لى الشيخ: كل من نطق فى حال الصحو بلسان السكر لا يعبأ بقوله، و فى معنى هذه الحكاية الوصية من الشيخ.
قال بعضهم:
إذا كنا به تهنأ سموا
على أهل المعالم و الوجود
ولكنا إذا عدنا إلينا
تعطل ذلنا ذل اليهود
و كان للشيخ صاحب يقال له: مفرج العقابى، و كان يحب الشيخ كثيرا فقال الشيخ عن نفسه: البارحة أثبت مفرجا فى ديوان أهل اليمن و لقينى يوما هذا الشيخ مفرج و هو نازل من بيت الشيخ قبل قدومى فى الطريق فرآه بعض أصحاب
[1]-بداية اللوحة رقم: 32.
الشيخ عن ذلك عليهم، فاجتمعوا و طلعوا للشيخ شكوا ما رأوه منه، فقال لهم الشيخ: رجل صالح معذور فيما فعل لأنه كان عندى فحكيت له أننى رأيت البارحة كأننى على سطح جبل و معى مفرج و الصفى، فظهر من الحق بارقة نور فرآها مفرج فصعق، ورآها الصفى و بكيت، فنزل عقيب هذا[1]الحديث من عندى لقيته ففعل معه ما فعل، جزاه اللّه عنا ما هو أهله.
رسالة ابن العربى
و كتب له الشيخ محيى الدين ابن العربى كتابا من دمشق، قال له فيه: يا أخى أخبرنى بما تجدد لك من الفتح، قال لى الشيخ: اكتب قل له: جرت أمور وردت عربية النظر، عجمية الخبر، كتب إليه ابن العربى: يا أحدى توجه إلى بها بباطنك و أجيبك و أجيبك عنها بباطنى.
فعز ذلك على الشيخ منه، فقال لى: اكتب قل له: أشهدت الأولياء دائرة مستديرة فى وسطها اثنين أحدهما الشيخ أبو الحسن بن الصباغ، و الآخر رجل أندلس، فقيل لى: أحدهما هو الغوث، فبقيت متحيرا لا أعلم من هو فيهما، فظهرت لهما آية فخرا ساجدين فقيل لى: الذى يرفع رأسه أولا هو القطب الغوث، فرفع الأندلسى رأسه أولا، فتحققته فوقفت إليه سألته سؤالا بغير حرف و لا صوت.
فأجابنى بنفثة نفثها؛ فأخذت منها جوابى، و سرت لسائر دائرة الأولياء أخذ منها كل ولى بقسطه، فإن كنت يا أخى هذه المثابة تحددت معك من مصر فلم يعد يكتب فى ذلك شيئا.
[1]-بداية اللوحة رقم: 33.