بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 47

و قصدوا زيارة قبر الشيخ، و كان هذا المغاور رجلا عظيما، نذكر أخباره بعد هذا الفصل، و كذلك الشيخ «أبو بكر» و كان معهم حين الزيارة جماعة أكابر منهم «علم الدين المنفلوطى» و الشيخ «أبو الحسن بن الدقاق، و أعيان صلحاء مصر، فلما قدموا على أول الفضاء المتسع الذى قبر الشيخ فى آخره، و لم يكن حين ذاك لقبره علامة، و لا بناء، فعند ما رأوه من بعد كبير مقدم المغاور على الجماعة قاصدا قبر الشيخ من غير دال يدلهم على جهته، و لا من يعيّن لهم ناحيته، و مشوا إلى أن وقفوا على القبر و جلسوا وقتا، ثم قاموا و كل منهم مجموع فى نفسه، و لا يتكلم أحد منهم مع أحد إلى مصر، فأدخلتهم الدار التى كانت فيها و عملت لهم ضيافة ثم سألت الشيخ‌[1]المغاور عن زيارته.

فأشار بأنهم رأوه من بعد وراء شيخهم الشيخ أبو الحسن عنده ثم قال: يا صفى كان أمر الشيخ أبو العباس عظيما و لا بد له أن ترد عليه، ثم سألت الشيخ «أبا بكر بن شافع» عن زيارته فقال: عند ما أقبلنا من أول البرية رأينا الشيخ أبا العباس و شيخنا أبا الحسن عنده، فلما انتهيت الزيارة قال لى الشيخ أبو العباس:

هذا الصفى روحى لذلك الشيخ أبو عبد اللّه الشاطبى.

قال لما زار الشيخ قال: رأيت شيخنا الشيخ أبا الحسن عنده و عند انتهاء الزيارة قال لى: هذا الصفى عينى، و كانت للشيخ الأستاذ ابنة شاقت إليها نفوس أصحابه و محبيه؛ فاطلع الشيخ على نفوسهم فقال لهم هذه البنت التى لى لا تخطر لأحد، فإنها ساعة ولدت أطلعنى الحق سبحانه على زوجها من هو و أنا أنتظره، و كنت حين ذاك وراء الفرات بحران مع والدى فى وزارته للملك الأشرف؛ فلما

[1]-بداية اللوحة رقم: 3.


صفحه 48

جئنا إلى مصر بعد سنيات بعث الملك العادل الكبير والدى رسولا إلى مكة لا فى عزيز ليغير الملك المسعود بن الملك الكامل اليمن.

فجئت أنا حين ذاك إلى الشيخ و صحبته و كنت و أنا صغير إذا ذكر الشيوخ و الأولياء تلوح صورته، فصحبته و غيرت هيأتى، و كانت هيئة جميلة، الثياب المذهبة، و البغلة الحسنة، و غير ذلك، و هجرت الأهل‌[1]و لزمت الشيخ إلى أن جاء والدى من مكة فى حشكلة[2]عظيمة، و خرج له من مصر سبعون متطليسا للقائه بجميع الاهتمام و الحشم، فقال لى الشيخ: تخرج للقاء والدك، قلت: يا سيدى، ما بقى لى والد غيرك، و أنا ما أركب له شيئا من دوابهم، و لا آكل معهم، قال: تخرج على كل حال، فخرجت على دويبة تحتى خريج أعطانه السبخ، و خبز و جبن و خيار و سطل، و أهل يبكون على حالى.

صفى الدين مع والده‌

و كان لوالدى بغال على الربيع مهيأة أخرجوها له مختومة، فلما وصلنا لبركة الحاج قعدت وحدى تحت السماء، و كان الصيف الشديد إلى أن جاء فلقيته وحدى، فلم يعرفنى هو و لا من حوله، و كان حوله عسكر أجناد و مماليك و خدام إلى أن رآنى، قال: حسين؟ قلت: نعم حسين، وقف و اصفر وجهه و بهت، بهته اللّه المسئول أن يثيبه عليها، ثم مشى و بقوا متعجبين، و إذا بأهلى و أخوتى و كل من خرج من الطوائف وصلوا و اجتمعوا، و أنا فى ناحية وحدى.

فلما نزل البركة قدمت الباديم، و جمع على سماطه كل من جاء معه، و كل من خرج له إلى أنا لم أحضر و بقيت فى جمة أبكى بكاء أسير قد أخذ من أهله و حيل‌

[1]-بداية اللوحة رقم: 26.

[2]-سبق أن ذكرنا معنى حشكلة.


صفحه 49

بينه و بين من يحبه، و ما بكيت عمرى ألذ من البكاء آخر الحال، هددونى بالقيد و الحبس إن لم أعد لما[1]كنت عليه معه، فأخبرت الشيخ بذلك فطردنى و قال: رح لأبيك و لا ترجع تأتى إلىّ، فكنت متهانا، و كنت أنشد ما قاله مجنون ليلى:

جننا بليلى ثم جنت بغيرنا

و أخرى بنا مجنونة لا نريدها

و أطلعنى اللّه على سر مقصود الشيخ، إنها أحالنى على صدقى ليكون مؤمنا من الحظ و القصد فى؛ فانشرحت لذلك من جمة الشيخ، و مضيت إلى دار والدى، و حبست نفسى فى خزانة فى علو الدار، و آليت على نفسى أن لا آكل و لا أشرب و لا أنام و لا أخرج، أو أرد للشيخ على ما أحب، فسأل والدى عنى فأخبروه مطرد الشيخ لى، و بما صممت عليه، فقال: بعدى يجوع و يحتاج يأكل و يعطش و يحتاج يشرب، فأقمت إلى ثالث يوم فاستيقظ.

و قال: قولوا له يروح للشيخ و يفعل بنفسه ما يختار، فقلت: لا أروح أو يروح والدى للشيخ و يسأل قبولى، و قصدت عزة الشيخ بذلك، فقال: نعم، فاستدعانى و خرج ماشيا من بيته إلى مسجد الشيخ و أنا معه، فقبل يد الشيخ.

فقال: يا سيدى هذا ولدك تصرف فيه و أود لو كنت مكانه، فقال له الشيخ:

أرجو أن ينفعك اللّه به، فسلمنى للشيخ و مضى، آجره اللّه و جزاه عنى خيرا، فأقمت عقيب هذه الاجتماعة شهرا ما رأيته و أنا أحمل على كتفى كل يوم جرتى ماء من بولاق إلى زاوية الشيخ حاصا[2]و الناس يخبرونه يقول: تركته للّه تعالى، أسأل اللّه تعالى أن لا يضيع له ذلك، و أن يجزيه ما هو أهله.

فعند وفاة الوالد رأيت كأن الشيخ قال لى: يا صفى، قد زوجتك ابنتى، فلما استيقظت بقيت متحيرا لا يمكننى من الحياء أن أخبره، و إن لم أخبره يكون خيانة

[1]-بداية اللوحة رقم: 27.

[2]-بداية اللوحة رقم: 28.


صفحه 50

كونى أخفى شيئا فى بطنى لا أطلعه عليه، فالتفت إلىّ و قال: ما رأيت فى النوم، فلحقنى منه هيبة، قلت: ما رأيت شيئا، فسكت لحظة ثم قال: قل فلا لك من القول، قلت له: رأيت كذا و كذا، قال: يا بنى، هذا كان من زمن قبل أن تصحبنى بمدة، فزوجنى إياها.

و كانت من أولياء اللّه تعالى، على وجهها نور لا يخفى على أحد يراها أنها ولية، و أنها من أهل الجنة، و رزقت أولادا فقهاء فقراء عدولا، و عشنا فى بركتها بعد أبيها زمانا، كثيرة المكاشفات، أخبرت بوقت موتها قبل وقته بسنة، ثم فى أول الشهر التى ماتت فيه، و حين موتها أخبرت بعجائب و وقائع تنفع بعد موتها، و وقعت و كانت تقول حال نزعها لنفسها:يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلى‌ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً[1]تقول ذلك إلى أن خرجت روحها، نفعنا اللّه ببركتهم أجمعين.

و لما قربت وفاة الشيخ استدعانى و قال: يا بنى، قد استدعيت نفسى من اللّه، عز و جل، و أجبت الداعى، و اتصلت إلى حضرة كذا و كذا، ثم غاب.

فعلمت أن هذه هى موتته‌[2]فشرعت فى أسباب موته، و عاش بعد هذا القول يومين و مات، و حضر عنده قبل موته أصحابه، و كان منهم الشيخ «أبو الحسن بن الدقاق» و الشيخ موسى الفانى، و العثمانى، و الشيخ عبد الرحيم الزهرونى» فقال له «موسى الفانى» يا سيدى، إذا مت على من نجتمع بعدك، فقال: على الصفى، فسكت ساعة ثم قال: يا سيدى، إذا مت على من نجتمع بعدك، قال: على الصفى.

[1]-سورة الفجر: آية 27، 28.

[2]-بداية اللوحة رقم: 29.


صفحه 51

ثم قال له الثالثة، قال: على الصفى، على الصفى، على الصفى، ففرح الشيخ أبو الحسن بذلك و كتب به شهادته، نفعنا اللّه بذلك، و أوصى بأن أغسله و أصلى عليه، فغسلته و صليت عليه، و لحدته.

عماد الدين بن السكرى‌

و كان بمصر القاضى «عماد الدين بن السكرى» حاكم الديار المصرية، و مدرس الشافعى و مشهد الحسين، صلوات اللّه عليه، و على آبائه، و مدرس منازل العز، و كان يحب الشيخ و يعتقده و يعزه، فاتفق أن مناصبه أخذت منه، و لم يبق معه إلا منازل العز، ثم أخذت منه، و وقع بها لغيره، فجاء إلى الشيخ و شكا إليه فقال: ما وجدت أسفا على شى‌ء من المناصب إلا هذه المدرسة؛ لأنها سكن العائلة، و هم كثير.

فقال له الشيخ، يكون الخير، فلما كان تلك الليلة أصبح الشيخ قال لنا: اليوم العصر ترد لعماد الدين مدرسته، قلنا: يا سيدى، كيف الخبر، قال: قمت البارحة[1]لوردى أصلى بجانب فى زاوية من باطنى فقيل لى: غدا العصر ترد له مدرسته، فلما كان العصر جاءه توقيع جديد بها من غير سعى أحد غير توجه الشيخ و نفاذ همته، و ما يسر به فى أمره، و قال له: يا سيدى، جارية حامل فقال له: تضع لك غلاما اسمه عبد العزيز، فوضعت غلاما و هو فخر الدين عبد العزيز الذى دام بعده فى المدرسة، واد العدل، و أعيدت له خطابة القاهرة، و تزوج على رأس أربعين سنة، بعد أن قيل له تزوج ففى ظهرك ولد نريد إخراجه، فتزوج، و هى سنة القوم، لا يتزوجون إلا بعد الأربعين.

[1]-بداية اللوحة رقم: 30.


صفحه 52

لأنها مدة الفتح، فمن لم يفتح له فى الأربعين لم يفتح عليه بعدها إلا ما كان من مقدم حكم الفتح فى الأربعين فيرد بكلمة بعدها، و هى سنة أكبر الأنبياء فى البعث بعد بعث النبى صلّى اللّه عليه و سلم، على رأس الأربعين؛ و كذلك موسى بعث بعد الأشد الأكبر و هو أربعون سنة، قال اللّه تعالى:وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى‌[1].

قيل: أربعون سنة، و فى موضع آخر:وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً[2]حتى إذا بلغ أشده بلغ أربعين سنة و رزق من زوجة أولادا ابنته المباركة التى زوجنى إياها[3]، و بعدها ولدا صالحا سماه باسمه «أحمد».

و قال: لو رزقت مائة ولد لم أخرج فى تسميتهم عن أحمد و محمد، و نشأ ولده نشأة صالحا، و جاء يشبهه صورة و معنى، و مات و هو صغير، ربيته و أقمته مقام والده فى مسجده، و ظهرت بركة والده عليه.

و كان يصلى فى مسجد يعرف بابن البلان، و كان من الواقف يقال له:

النجيب، يخدم عند بعض الأمراء، فاتفق أن ذلك الأمير قبض عليه قبضا عنيفا؛ فبعث يستجير بالشيخ فقال الشيخ: ما أعرف أميرا و لا وزيرا، ما أقصد إلا اللّه، فبعث إلى الفقيه عقيل و أخذ مفتاح مسجده بالقرافة، و طلع يصلى فيه متوجها فى حق صاحبه المستجير به ما جاء آخر النهار حتى أفرج عنه، و جاء إلى الشيخ أخبره بخلاصة من غير سعى فى ظاهر، و جاءه حاكم مصر و الفقيه ابن السكرى عند موته فسألاه الدعاء للمسلمين بالنصرة على العدو، و كان العدو فى دمياط النوبة

[1]-سورة القصص: آية 14.

[2]-سورة الأحقاف: آية 15.

[3]-بداية اللوحة رقم: 31.


صفحه 53

الأولى فى زمن الملك العادل، فقال جواب سؤالهم: اللهم اجعلنى فداء المسلمين، فؤرخ ذلك اليوم فكان يوم كسرتهم.

أبو العباس الطنجى‌

وزار مرة الشيخ أبا العباس الطنجى فى جيزة مصر، و كان مريضا عظيم الشأن، نذكره فى غير هذا الفصل، فسأله عن حاله فقال له: يا أبا العباس، حالى حال من بال على نفسه من ضعفه، فلما رجع الشيخ من زيارته‌[1]و كنت معه وحدى.

قلت له: يا سيدى، ما هذا الجواب النازل من هذا الرجل الكبير و أنت تعظمه، قال: يا بنى، كان من أيام نطق بكلمة غلب عليه الحال بنطقها قال عن نفسه: هكذا كنت فى الأزل فسمعتها منه و سكت عنه لعلمى بغلبة الحال الناطق على لسانه، فأراد اليوم بهذا الجواب النازل محو أثر الكلمة بما ثبت به عبوديته، ثم قال لى الشيخ: كل من نطق فى حال الصحو بلسان السكر لا يعبأ بقوله، و فى معنى هذه الحكاية الوصية من الشيخ.

قال بعضهم:

إذا كنا به تهنأ سموا

على أهل المعالم و الوجود

ولكنا إذا عدنا إلينا

تعطل ذلنا ذل اليهود

و كان للشيخ صاحب يقال له: مفرج العقابى، و كان يحب الشيخ كثيرا فقال الشيخ عن نفسه: البارحة أثبت مفرجا فى ديوان أهل اليمن و لقينى يوما هذا الشيخ مفرج و هو نازل من بيت الشيخ قبل قدومى فى الطريق فرآه بعض أصحاب‌

[1]-بداية اللوحة رقم: 32.


صفحه 54

الشيخ عن ذلك عليهم، فاجتمعوا و طلعوا للشيخ شكوا ما رأوه منه، فقال لهم الشيخ: رجل صالح معذور فيما فعل لأنه كان عندى فحكيت له أننى رأيت البارحة كأننى على سطح جبل و معى مفرج و الصفى، فظهر من الحق بارقة نور فرآها مفرج فصعق، ورآها الصفى و بكيت، فنزل عقيب هذا[1]الحديث من عندى لقيته ففعل معه ما فعل، جزاه اللّه عنا ما هو أهله.

رسالة ابن العربى‌

و كتب له الشيخ محيى الدين ابن العربى كتابا من دمشق، قال له فيه: يا أخى أخبرنى بما تجدد لك من الفتح، قال لى الشيخ: اكتب قل له: جرت أمور وردت عربية النظر، عجمية الخبر، كتب إليه ابن العربى: يا أحدى توجه إلى بها بباطنك و أجيبك و أجيبك عنها بباطنى.

فعز ذلك على الشيخ منه، فقال لى: اكتب قل له: أشهدت الأولياء دائرة مستديرة فى وسطها اثنين أحدهما الشيخ أبو الحسن بن الصباغ، و الآخر رجل أندلس، فقيل لى: أحدهما هو الغوث، فبقيت متحيرا لا أعلم من هو فيهما، فظهرت لهما آية فخرا ساجدين فقيل لى: الذى يرفع رأسه أولا هو القطب الغوث، فرفع الأندلسى رأسه أولا، فتحققته فوقفت إليه سألته سؤالا بغير حرف و لا صوت.

فأجابنى بنفثة نفثها؛ فأخذت منها جوابى، و سرت لسائر دائرة الأولياء أخذ منها كل ولى بقسطه، فإن كنت يا أخى هذه المثابة تحددت معك من مصر فلم يعد يكتب فى ذلك شيئا.

[1]-بداية اللوحة رقم: 33.