بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 52

لأنها مدة الفتح، فمن لم يفتح له فى الأربعين لم يفتح عليه بعدها إلا ما كان من مقدم حكم الفتح فى الأربعين فيرد بكلمة بعدها، و هى سنة أكبر الأنبياء فى البعث بعد بعث النبى صلّى اللّه عليه و سلم، على رأس الأربعين؛ و كذلك موسى بعث بعد الأشد الأكبر و هو أربعون سنة، قال اللّه تعالى:وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى‌[1].

قيل: أربعون سنة، و فى موضع آخر:وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً[2]حتى إذا بلغ أشده بلغ أربعين سنة و رزق من زوجة أولادا ابنته المباركة التى زوجنى إياها[3]، و بعدها ولدا صالحا سماه باسمه «أحمد».

و قال: لو رزقت مائة ولد لم أخرج فى تسميتهم عن أحمد و محمد، و نشأ ولده نشأة صالحا، و جاء يشبهه صورة و معنى، و مات و هو صغير، ربيته و أقمته مقام والده فى مسجده، و ظهرت بركة والده عليه.

و كان يصلى فى مسجد يعرف بابن البلان، و كان من الواقف يقال له:

النجيب، يخدم عند بعض الأمراء، فاتفق أن ذلك الأمير قبض عليه قبضا عنيفا؛ فبعث يستجير بالشيخ فقال الشيخ: ما أعرف أميرا و لا وزيرا، ما أقصد إلا اللّه، فبعث إلى الفقيه عقيل و أخذ مفتاح مسجده بالقرافة، و طلع يصلى فيه متوجها فى حق صاحبه المستجير به ما جاء آخر النهار حتى أفرج عنه، و جاء إلى الشيخ أخبره بخلاصة من غير سعى فى ظاهر، و جاءه حاكم مصر و الفقيه ابن السكرى عند موته فسألاه الدعاء للمسلمين بالنصرة على العدو، و كان العدو فى دمياط النوبة

[1]-سورة القصص: آية 14.

[2]-سورة الأحقاف: آية 15.

[3]-بداية اللوحة رقم: 31.


صفحه 53

الأولى فى زمن الملك العادل، فقال جواب سؤالهم: اللهم اجعلنى فداء المسلمين، فؤرخ ذلك اليوم فكان يوم كسرتهم.

أبو العباس الطنجى‌

وزار مرة الشيخ أبا العباس الطنجى فى جيزة مصر، و كان مريضا عظيم الشأن، نذكره فى غير هذا الفصل، فسأله عن حاله فقال له: يا أبا العباس، حالى حال من بال على نفسه من ضعفه، فلما رجع الشيخ من زيارته‌[1]و كنت معه وحدى.

قلت له: يا سيدى، ما هذا الجواب النازل من هذا الرجل الكبير و أنت تعظمه، قال: يا بنى، كان من أيام نطق بكلمة غلب عليه الحال بنطقها قال عن نفسه: هكذا كنت فى الأزل فسمعتها منه و سكت عنه لعلمى بغلبة الحال الناطق على لسانه، فأراد اليوم بهذا الجواب النازل محو أثر الكلمة بما ثبت به عبوديته، ثم قال لى الشيخ: كل من نطق فى حال الصحو بلسان السكر لا يعبأ بقوله، و فى معنى هذه الحكاية الوصية من الشيخ.

قال بعضهم:

إذا كنا به تهنأ سموا

على أهل المعالم و الوجود

ولكنا إذا عدنا إلينا

تعطل ذلنا ذل اليهود

و كان للشيخ صاحب يقال له: مفرج العقابى، و كان يحب الشيخ كثيرا فقال الشيخ عن نفسه: البارحة أثبت مفرجا فى ديوان أهل اليمن و لقينى يوما هذا الشيخ مفرج و هو نازل من بيت الشيخ قبل قدومى فى الطريق فرآه بعض أصحاب‌

[1]-بداية اللوحة رقم: 32.


صفحه 54

الشيخ عن ذلك عليهم، فاجتمعوا و طلعوا للشيخ شكوا ما رأوه منه، فقال لهم الشيخ: رجل صالح معذور فيما فعل لأنه كان عندى فحكيت له أننى رأيت البارحة كأننى على سطح جبل و معى مفرج و الصفى، فظهر من الحق بارقة نور فرآها مفرج فصعق، ورآها الصفى و بكيت، فنزل عقيب هذا[1]الحديث من عندى لقيته ففعل معه ما فعل، جزاه اللّه عنا ما هو أهله.

رسالة ابن العربى‌

و كتب له الشيخ محيى الدين ابن العربى كتابا من دمشق، قال له فيه: يا أخى أخبرنى بما تجدد لك من الفتح، قال لى الشيخ: اكتب قل له: جرت أمور وردت عربية النظر، عجمية الخبر، كتب إليه ابن العربى: يا أحدى توجه إلى بها بباطنك و أجيبك و أجيبك عنها بباطنى.

فعز ذلك على الشيخ منه، فقال لى: اكتب قل له: أشهدت الأولياء دائرة مستديرة فى وسطها اثنين أحدهما الشيخ أبو الحسن بن الصباغ، و الآخر رجل أندلس، فقيل لى: أحدهما هو الغوث، فبقيت متحيرا لا أعلم من هو فيهما، فظهرت لهما آية فخرا ساجدين فقيل لى: الذى يرفع رأسه أولا هو القطب الغوث، فرفع الأندلسى رأسه أولا، فتحققته فوقفت إليه سألته سؤالا بغير حرف و لا صوت.

فأجابنى بنفثة نفثها؛ فأخذت منها جوابى، و سرت لسائر دائرة الأولياء أخذ منها كل ولى بقسطه، فإن كنت يا أخى هذه المثابة تحددت معك من مصر فلم يعد يكتب فى ذلك شيئا.

[1]-بداية اللوحة رقم: 33.


صفحه 55

و قال الأستاذ صفى الدين، و حكيت هذه الحكاية للشيخ أبى الحسن بن الدقاق، فقال: أعرف هذا الأندلسى، اسمه «أبو العباس الألسجى» كان شيخنا محمد العجمى يجتمع به، فى أكثر الأوقات‌[1]، و حكى عنهما حكايا تذكر فى غير هذا الفصل، إن شاء اللّه تعالى.

و كتب إليه الشيخ أبو الحسن بن الصباغ رضي اللّه عنه كتابا نصه: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، من على بن حميد للأخ فى اللّه تعالى أبى العباس أحمد، أيها الأخ الغريب فى وقته، اسمع منى عليك و شكايتى إليك.

فقد خلت المحاريب من المجتهدين، و تداعت بالخراب مساجد الراكعين و الساجدين، و صارت ديار الحق أطلالا، و صاحب الدين ممقوتا، و صاحب الدنيا مرفوعا، و استطال الغنى على الفقير، و تغلب كل شيطان مريد، و ترك الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و أصبح الداعى إلى اللّه مهجورا، و أمسى الداعى إلى الهوى متبوعا.

فطوبى لمن أطلق لسانه بذكر اللّه، و تطهر قلبه مما سواه، و امتلأ سره بمحبة اللّه، و انطوى ضميره بنية الخير لعباد اللّه، و تعطشت روحه شوقا إلى اللّه، و اكتفت نفسه بعلم اللّه، و كان له سر حسن مع اللّه، يا أخى خذ ما صفى ودع الكدر، فما العيش كله إلا فى الصفاء، و اعرف قدر العافية، و اشكر عليها، و ارض باللّه كفيلا يكن لك وكيلا، و اعظمه تعظم به، و اذكره تذكر به، و سلام ...[2]اللّه عليك، و على جميع من لديك، و رحمة اللّه و بركاته، و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله» فقلنا للشيخ: ما العافية التى تعرف قدرها، و الشكر[3].

[1]-بداية اللوحة رقم: 34.

[2]-بداية اللوحة رقم: 35 فى الأصل و السلام.

[3]-هكذا بالأصل، و هى كلمة غير واضحة.


صفحه 56

قال: النظر إلى وجه اللّه الكريم، و كان الشيخ قال: لما رآنى أتراخى للمجاهدة و الرياضات لو لا والدك بعثتك للشيخ أبى الحسن يربيك مع علمه، بأننى ولده و حوالتى عليه، و سبق علمه لى، لكن قال: هذا باعترافه له بالتربية و لمبالغته فى النصيحة فى أمرى.

و قال رضي اللّه عنه: تجلت لى شمس الحقيقة- يعنى الربوبية- فى حجاب صدور أربعة من الرجال: الشيخ «أبو أحمد جعفر» الذى هدمه و بناه، و الشيخ «القرشى» و الشيخ «أبو يوسف الدهمانى» و الشيخ «أبو الحسن بن الصباغ» رضى اللّه عنهم و نفعنا بهم.

و قال رضي اللّه عنه: لما جاء الغلاء الكبير إلى مصر توجهت لأن أدعو فقيل لى:

لا تدع ما يسمع فى هذا دعاء كباركم و لا صغاركم‌[1]، و يعنى الأولياء، و مثل هذا الخطاب فى أمر الغلاء ورد على الشيخ القرشى.

قال هممت أن أدعو برفع الغلاء فقيل لى: لا تدع، فما يسمع لأحد منكم فى هذا الأمر دعاء[2]، فسافرت للشام، فلما وصلت للخيل تلقانى رسول اللّه الخليل حين ورودى عليه، قلت له: يا رسول اللّه، اجعل ضيافتى عندك أهل مصر، فدعا لهم؛ ففرج عنهم، و كان هذا الشيخ القرشى عظيم الشأن.

قال: صحبت ستمائة شيخ اقتيدت‌[3]و التزمت منهم بأربعة: الشيخ «أبو الربيع» و الشيخ «أبو إسحاق بن طريف» صاحبا الشيخ القطب «أبى النجا» المدفون بفوة من بلاد مصر.

[1]( 1، 2) الدعاء مطلوب فى كل وقت لقوله تعالى:ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‌و قوله:أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ‌.

[2]( 1، 2) الدعاء مطلوب فى كل وقت لقوله تعالى:ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‌و قوله:أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ‌.

[3]-بداية اللوحة رقم: 36.


صفحه 57

و الشيخ «أبو زيد القرطبى» و الشيخ «أبو العباس الجوزى» و قوله ستمائة شيخ إشارة إلى أن كل من حصلت له منه فائدة، عده شيخا، رضى اللّه عنهم أجمعين.

و من حكاياته، رحمة اللّه عليه، أنه كان مجذما، ضريرا، و أن سبب جذامه حال ورد عليه، فثبت له، فتفتح جسمه، و دخل عليه بعض نسائه يوما فوجدته بصيرا، نقى الجسم، فلما نظرته قال: أبقى لك هكذا؟ قالت له: يا سيدى، كن كيف شئت، إنما مقصودى خدمتك و بركتك.

و كان قد تزوج بثلاث زوجات، أولهن يقال لها: كفاه، ماتت فى عصمته، ثم تزوج بابنة رشيق، ثم زارها يوما و أصحابه معه فى التربة المنسوبة إليها التى فيها الفقيه أبو الطاهر و غيره، فلما جلس عند قبرها قال لأصحابه: لا يبقى أحد فى التربة، فخرج الجميع و بقى هو وحده عند قبرها فسمعه شخص من أصحابه كان عند باب التربة و هو يجاوبها.

و يقول: ما تعرفى أننى مريض و لا أستغنى عن من يخدمنى، ما أنا معذور، ثم خرج فقال لهذا الذى سمع الكلام، و هو «إبراهيم بن فارس»[1]كان من أصحاب الشيخ قال لى الشيخ ليلة و نحن بائتين معه فى جوسق ابن القسطلانى: يا إبراهيم، مد نظرك، فنظرت فإذا بعمود نور من السماء إلى الأرض قال: يا بنى، هو متصل بقبر كفاه يعنى زوجته، و تزوج بزوجة من أهل مكة، و هى أم الشيخ الفقيه القسطلانى مدرس مدرسة الحديث بالقاهرة.

و ذكرت، رضى اللّه عنها أنها كانت عنده يوما وحدها، و الباب مغلق فقامت عنه لتقضى حاجة خارج الطبقة التى هو فيها، ثم عادت إليه سمعت عنده حس رجل و كلاما فتوقفت و تفقدت الباب فوجدته مغلقا، فبقيت إلى أن انقطع خرجت إليه فوجدته وحده كما تركته.

[1]-بداية اللوحة رقم: 37.


صفحه 58

فقالت: يا سيدى، سمعت عندك حس رجل، و الباب مغلق، قال لى: هو الخضر دخل علىّ و فى يده حبة، قال: هذه جئتك بها من أرض نجد، و فيها شفاء مرضك، قلت: لا أريد، اذهب أنت و حبتك لا حاجة لى بها[1].

و من كلامه، قال: الفقير لا يأكل إلا بعوض، يعنى بتحقق العوض للمطعم حين إطعامه له، و جرت قضية منه فى هذا المعنى، و هو عند سافر من مصر لبلبيس لزيارة الفقيه «عيسى بن قطران» و كان رجلا كبيرا، و كان الشيخ القرشى راكبا فى محارة على حمل.

و والدى جمال الدين ابن أبى المنصور[2]عديله على الجمل، و فى محارة قباله محارة الشيخ فإنه كان صاحبه، و كان الشيخ محبه فركبه معه و سائر أصحابه يمشون، و كان من جملتهم الفقيه «أبو الطاهر المحلى» خطيب مصر، كان ذلك الزمان فقير، طالب علم، صحب الشيخ و لزمه، و انتفع به، و كان للشيخ كرسى يتوضأ عليه معلقا فى سائر المحارة، فوقع فأخذه الفقير أبو الطاهر حمله على رأسه، و مشى تعظيما و تنعما بحمله، فقال الشيخ من المحارة يا قوم ابن طاهر أين هو؟.

أبو الطاهر المحلى‌

قالوا له: يا سيدى، يمشى فى آخر الجماعة، و على رأسه كرسيك، فسكت فلما وصلوا لبلبيس قال الشيخ: صيحوا بطاهر الخطيب، و لم يكن خطيبا قط، فتعجبوا من ذلك، فولى «أبو الطاهر» خطابة مصر بعد أربعين سنة؛ لما حمله كرسيه عوضه عن حمله على رأسه أن رفعه على أعلى الكراسى، و أفضلها بعلمه إن ذلك حقه، تسمية الشيخ له خطيبا، و سافر أبو الطاهر معه إلى القدس، فعبر يوما مدرسته بالقدس.

[1]-روايات لا دليل عليها و لا سند لصحتها.

[2]-بداية اللوحة رقم: 38.


صفحه 59

و الفقهاء جالسون‌[1]على بابها بأعظم هيئة و لباس و صور و تعاظم فى زيهم أكثرهم أعجام؛ فاستحيا يعبر عليهم لحقارته فى نفسه، و هو شاب فقير اسودرت الحالة، فلما رجع الشيخ و بات معه إلى الصبح قال له الشيخ: يا طاهر، امض إلى المدرسة التى عبرت عليه كن بها[2]معيدا، فتعجبت و عظم علىّ، و استحلت وقوعه.

و لم يمكنى إلا الامتثال، فجئت إليهم و أنا أتوهم أن البواب يمنعنى من الدخول، فلم يمنعنى فدخلت فوجدت المدرس جالسا و حلقة كبيرة دائرة عليه، فجئت فجلست بين اثنين فى الحلقة، فلم يفسح لى أحد منهم أن أدخل فى الحلقة احتقارة و استهانة بى، إلى أن جلست على كتف اثنين منهم، و إذا برجل قد دخل من باب المدرسة فلما رآه المدرس قطب وجهه، و قام إليه يتلقاه، و انفضت الجماعة بأسرهم.

قلت للذى أنا إلى جانبه من وراء ظهره: يا أخى، ما للجماعة؟ قال: هذا الذى دخل رجل جدلى خلافى لا يطاق، إذا جاء لا يبقى للشيخ كلام إلا ملاطفته.

و لا يستطيع أحد محاورته، فلما تلقاه الشيخ أجلسه فى مكانه، فلما قعد استفتح ألقى مسألة خلافية عقدة، فلما استكمل إيرادها فتح على حفظ سؤال و الجواب عنه، فزاحمت و دخلت بين اثنين و انطلق لسانى و نصيت جوابه ما غيرت فيه.

[1]-الصواب: جالسون.

[2]-بداية اللوحة رقم: 39.