فقالت: يا سيدى، سمعت عندك حس رجل، و الباب مغلق، قال لى: هو الخضر دخل علىّ و فى يده حبة، قال: هذه جئتك بها من أرض نجد، و فيها شفاء مرضك، قلت: لا أريد، اذهب أنت و حبتك لا حاجة لى بها[1].
و من كلامه، قال: الفقير لا يأكل إلا بعوض، يعنى بتحقق العوض للمطعم حين إطعامه له، و جرت قضية منه فى هذا المعنى، و هو عند سافر من مصر لبلبيس لزيارة الفقيه «عيسى بن قطران» و كان رجلا كبيرا، و كان الشيخ القرشى راكبا فى محارة على حمل.
و والدى جمال الدين ابن أبى المنصور[2]عديله على الجمل، و فى محارة قباله محارة الشيخ فإنه كان صاحبه، و كان الشيخ محبه فركبه معه و سائر أصحابه يمشون، و كان من جملتهم الفقيه «أبو الطاهر المحلى» خطيب مصر، كان ذلك الزمان فقير، طالب علم، صحب الشيخ و لزمه، و انتفع به، و كان للشيخ كرسى يتوضأ عليه معلقا فى سائر المحارة، فوقع فأخذه الفقير أبو الطاهر حمله على رأسه، و مشى تعظيما و تنعما بحمله، فقال الشيخ من المحارة يا قوم ابن طاهر أين هو؟.
أبو الطاهر المحلى
قالوا له: يا سيدى، يمشى فى آخر الجماعة، و على رأسه كرسيك، فسكت فلما وصلوا لبلبيس قال الشيخ: صيحوا بطاهر الخطيب، و لم يكن خطيبا قط، فتعجبوا من ذلك، فولى «أبو الطاهر» خطابة مصر بعد أربعين سنة؛ لما حمله كرسيه عوضه عن حمله على رأسه أن رفعه على أعلى الكراسى، و أفضلها بعلمه إن ذلك حقه، تسمية الشيخ له خطيبا، و سافر أبو الطاهر معه إلى القدس، فعبر يوما مدرسته بالقدس.
[1]-روايات لا دليل عليها و لا سند لصحتها.
[2]-بداية اللوحة رقم: 38.
و الفقهاء جالسون[1]على بابها بأعظم هيئة و لباس و صور و تعاظم فى زيهم أكثرهم أعجام؛ فاستحيا يعبر عليهم لحقارته فى نفسه، و هو شاب فقير اسودرت الحالة، فلما رجع الشيخ و بات معه إلى الصبح قال له الشيخ: يا طاهر، امض إلى المدرسة التى عبرت عليه كن بها[2]معيدا، فتعجبت و عظم علىّ، و استحلت وقوعه.
و لم يمكنى إلا الامتثال، فجئت إليهم و أنا أتوهم أن البواب يمنعنى من الدخول، فلم يمنعنى فدخلت فوجدت المدرس جالسا و حلقة كبيرة دائرة عليه، فجئت فجلست بين اثنين فى الحلقة، فلم يفسح لى أحد منهم أن أدخل فى الحلقة احتقارة و استهانة بى، إلى أن جلست على كتف اثنين منهم، و إذا برجل قد دخل من باب المدرسة فلما رآه المدرس قطب وجهه، و قام إليه يتلقاه، و انفضت الجماعة بأسرهم.
قلت للذى أنا إلى جانبه من وراء ظهره: يا أخى، ما للجماعة؟ قال: هذا الذى دخل رجل جدلى خلافى لا يطاق، إذا جاء لا يبقى للشيخ كلام إلا ملاطفته.
و لا يستطيع أحد محاورته، فلما تلقاه الشيخ أجلسه فى مكانه، فلما قعد استفتح ألقى مسألة خلافية عقدة، فلما استكمل إيرادها فتح على حفظ سؤال و الجواب عنه، فزاحمت و دخلت بين اثنين و انطلق لسانى و نصيت جوابه ما غيرت فيه.
[1]-الصواب: جالسون.
[2]-بداية اللوحة رقم: 39.
تعيين المؤلف فى وظيفة مدرس
قال المؤلف رضي اللّه عنه: و هذا ترتيب المناظرين أعاده السؤال ثم أجبته بما فتح اللّه علىّ و لم أكن قرأت علم الخلاف و لا ناظرت، فاستعظم الفقيه حديثى و تعجب المدرس منى، و بهتت الجماعة من أمرى.
و قال المناظر[1]للمدرس: هذا الفقيه من أين لكم هو؟ قالوا: ما رأيناه إلا فى هذه الساعة، ففرح المدرس الذى كان فى حلقته من إجابة هذا المناظر، و قال المناظر للفقيه: لمثل هذا بنيت المدارس، قال المدرس: يا فقيه، كيف كيف أسمك ذكرت اسمى، قال: قد وليتك، و التفت للنقيب و قال: عيّن له من الجماعة طائفة تقرأ عليه، ثم قام وقمت مع الجماعة فقال لى المدرس: عادتنا إذا استعدنا معيدا نودعه حال توليته إلى منزله، فلما خرجت من المدرسة قصد أن يمشى هو و الجماعة معى سألته أن يعفينى من ذلك، فقبل و رجع، فجئت للشيخ.
فلما دخلت قال: يا فضولى ولأى شىء منعته أن يفعل عادته، و يوصلك إلى منزلك؟ قلت: يا سيدى، حملا عن خاطرك، و بقيت بها إلى أن انتقل سافرت إلى مصر، و دفن بظاهر بيت المقدس رضي اللّه عنه.
و قال رضي اللّه عنه: بعثنى أحد شيوخى الذين صحبتهم برسالة قول إلى أخ لى فى بلد أخرى، و كان بين البلدين مسافة أيام، و غابات فيها السباع فقال لى: امض لأخى فلان و قل له كذا و كذا، و لم يكن بينهما دعوة و لا كلمة ينشط بها النفس، فامتثلت إشارته و مشيت، فكنت أجد السباع عن يمينى و شمالى و يرونى و لا يتعدون
[1]-بداية اللوحة رقم: 40.
علىّ، فجعت فخرجت لى يد من شجر الغابة برغيف فأكلته، و مشيت إلى[1]أن وصلت للشيخ الذى سيرنى إليه.
فقدمت و سلمت عليه و قلت له: يقول لك الشيخ كذا و كذا، قال لى: سلم عليه و قل له كذا و كذا، ما فيها كلمة سلام على و لا أستريح ساعة و لا كل كسرة، و لا كتب اللّه سلامتك، و لا أننى آدمى له قدر، و هو مطلع على ما جرا فى الطريق من الكرمات.
فعدت على حالى على الطريق التى جئت منها إلى أن وصلت للشيخ فأخبرته بجوابه فسمعته و سكت و لا شيئا ما تعلق النفس به من الحظ و البشرى، و هو مطلع على ما جرى لى فى الطريق.
كرامات الشيخ القرشى
و قال شيخنا رضي اللّه عنه: خرج الشيخ القرشى يوما للحمام فقدموا له دابة ليركبه فقال: ادفعوا صريمة الدابة لأحمد الحرار، فأخذتها و مشيت، فلما وصلنا لرأس زقاق القناديل، و كان ذلك تسكنه الأساكفة، رأيت امرأة منحنية تقلب وطاء فى جنب الطريق، و فرس فى الجانب الآخر، و الزقاق ضيق.
فقال لى الشيخ أحمد قلت: نعم، قال: المرأة و الفرس سدا الطريق، قلت له:
نعم، فلما وصلنا إليهم افترقوا و عبرت بالشيخ، و لما تكاثر منه كثرة رؤية الأشياء و الإخبار بها مع كونه ضريرا، قيل له عن ذلك، قال: كلى عين فبأى عضو أردت أن أنظر نظرت، و سئل عن من كان من الأصحاب.
فقيل له ما تقول فى أبى عبد اللّه القرطبى، قال: لو بعث نبى فى هذا الزمان لبعث[2]فى صدقه، فما تقول فى أبى العباس القسطلانى؟ قال: أزهدهم، يعنى
[1]-بداية اللوحة رقم: 41.
[2]-بداية اللوحة رقم: 42.
أصحابه، فما تقول فى ابن العقيلى أبى الطاهر؟ فقال: أعقلهم، فما تقول فى أبى الطاهر المحلى؟ قال: رجل مسلم، فما تقول فى أحمد الحريرى؟ قال: ذاك ولىّ اللّه.
و كرامات الشيخ القرشى كثيرة، بقى منها فى الذهن هذا القدر الذى ذكرناه، و لنا، بحمد اللّه، منه نسبتان:
أحدهما: صحبة سيدى له، و الأخرى صحبة والدى جمال الدين له، و فى أيام صحبة والدى له ولدت، رضى اللّه عنهم أجمعين.
و ممن رأيته من الأكابر فى الشرق فى حران من ديار بكر، رجل يقال له:
الشيخ «محمد الزغبى» من غرب العراق، صحب الشيخ الإمام «عبد القادر الكيلانى» و كان عمره حين رأيته ثمانين سنة، و هو كأنه الرمح و لحيته سوداء كالسيج، كان يسكن بالرقة، فشكوا له واليها، فاتفق أنه حضر إليه أو لقيه.
فقيل له: هذا والى الرقة، فصاح عليها فيها صيحة، قال له فيها: مت، فمات فى الوقت، و كان يجىء إلى عند والدى فى حران، فجاء يوما فجلس فى مكان فبعثنى والدى إليه برسالة أقولها له، فلما رأيته هبته، فجلست بعيدا منه، و لم أقل له شيئا، فقال: تعال، فجئت إليه، فقال: لم لا تقل الرسالة التى معك، سكت، قال:
قل له كذا و كذا، أعطانى الجواب عن الرسالة[1].
و كان يوما فى دار بجوار دار العافية، ظاهر حران، و بينها و بين حران نهر يقال له: الجلابى، و كانت عنده امرأة يقال لها: الحاجة رومية، كانت فى دار الملك العادل، ربت أولاده الملوك، و كانت تسافر بينهم، و تتردد لرؤيتهم، و كانت عند الملك الأشرف تركب البغال، و لها حرمة، فترددت للشيخ محمد الزغبى و صحبته و واخته امرأة عجوز فأجابها للأخوة، فبينما هى يوما عنده، و نحن حاضرون نحدث
[1]-بداية اللوحة رقم: 43.
و واخته امرأة عجوز فأجابها للأخوة، فبينما. هى يوما عنده، و نحن حاضرون نحدث الشيخ بما يتحدث به من نعمة اللّه، خرجت عليه الحاجة رومية، و قالت: كم فشار الناس من شدة من عدم المطر، و قد استشعروا الغلاء، و أنتم غافلون عنهم، و أكثرت من هذا بإدلال الأخوة، فسكت الشيخ عنها فقامت و ركبت بغلتها و مضت تدخل لمدينة حران، و نهر الجلابى و عليه جسر يعبر الناس عليه.
فلما وصلت للجسر أرسل اللّه المطر، و للوقت هبت ريح أرمت الحاجة رومية من على البغلة فى الطين فحملوها و ركبوها و رجعت دخلت على الشيخ فقالت له: قلنا أنزل المطر رميتنى من على البغلة فى الطين لأى شىء؟ قال: لفضولك.
من كرامات الشيخ أبى النجا
قال المؤلف، رضي اللّه عنه: و زاره والدى و معه حاجب يقال له: «سعد الدين» أخذ معه سجادة ليقدمها للشيخ و تركها مع[1]غلامه حتى إذا خرج والدى من عنده يدخل بها له، و كان عند حضور والدى عند الشيخ قائما على رأس والدى فى الخدمة فرفع الشيخ الزغبى رأسه للحاجب.
و قال: تأتى لنا بسجادة و تتركها مع الغلام!! اخرج أحضرها، فخرج أحضرها، قال له الشيخ: زوجتك حامل، قال: نعم، قال: تأتيك بغلام اسمه فلان و ذكر اسمه، فبعد أيام وضعت له غلاما، و سمى بالاسم الذى ذكره، و حصلت لنا بصحبته نسبة من الشيخ الكبير بدمشق الولى عتيقا، أخص أصحاب الشيخ القطب «أبى النجا سالم» رضي اللّه عنه، و كان هذا الشيخ عتيق هجر الشيخ أبى النجا من بلده و لم يفارقه إلى أن مات بفوة، قال لى: يا ولدى، كنا فى صحبة الشيخ «أبى النجا» أربعون وليا، ثابتين القدم فى الولاية، منهم الشيخ «عبد الرحيم» أحد الأقطاب،
[1]-بداية اللوحة رقم: 44.
شيخ الشيخ «أبى الحسن بن الصباغ» و منهم الشيخ «أبو الربيع» و الشيخ «أبو إسحاق بن طريف» شيخ شيخنا الشيخ «القرشى» رضى اللّه عنهم، و نفعنا بهم، و منهم المرباقيون الثلاثة: «أبو العباس» و «أبو الحسن» و «إبراهيم».
قال: سافرنا مع الشيخ من بلد مايورقة من المغرب، و كان ترتيبه معنا أن كل بلد وصل إليها يكترى لنا دارا ينزلنا فيها، و يرتب كلا منا فى[1]ترتيبه، و شغله و يخرج وحده يفتش على من يراه من الرجال فيها فإذا استوعب رؤية من يراه منهم سافر إلى أن وصل بنا إلى الموصل أنزلنا فى دار فى وسطها بركة ماء، و خرج على عادته و نحن جالسون يوما، و إذا بقضيب البان المشهور قد دخل بأطماره و شعثه.
قال: أين الشيخ، قلنا لنا: خرج، قال: خرج يتشيطن، فعز علينا ذلك فى حق الشيخ، فقال له واحد منا: كذب شيطانك، فأظهر الغيظ و رمى أطماره عنه و بقى قائما على جنب البركة عريانا يسكب الماء على جسمه، ثم لبس أطماره و خرج، فبعد ساعة و الشيخ قد جاء، فلما دخل كأنه أدرك شيئا، قال لنا: من جاءكم؟
قلنا: يا سيدى، قضيب البان، قال: قولوا لى أى شىء قلتم؟.
و قال: و أى شىء عملتم و قلتم، فحكينا له ما جرى، فقال للذى قال لقضيب البان: كذب شيطانك، صدق قضيب البان، و كذب شيطانك فيما قلت له، قلنا:
يا سيدى، فكيف يصدق عنك ما قال؟ قال الشيخ: كنت فى تلك الساعة جالسا مع أتابك الموصل ينافقنى و أنافقه، ثم قال: الآن كما أطلعنى اللّه سبحانه على سر العورة التى أمر اللّه بسترها و لم يوضحه الشيخ و لا تكلم فيه أحد من أصحابه،
[1]-بداية اللوحة رقم: 45.
فبعد ساعة و إذا بقضيب البان قد دخل فقام له الشيخ و أجلّه و أقبل هو على الشيخ باعتدال و حضور لا وله و لا خبال، فتفاوضا و تكاشفا، ففى آخر حديثهما[1].
قال الشيخ قضيب البان للشيخ أخبرنى بكل رجل رأيته من بلدك إلى هلم، فذكر له الشيخ جميع من رأى، فما من رجل يذكره الشيخ أبو النجا إلا و يذكر له قضيب البان وزنه، يقول: له عند ذكر كل رجل منهم وزنه: هذا نصف رجل، هذا ربع رجل، إلى أن ذكر له رجلين قال له عن كل منهما:
هذا وازن هذا كامل، ثم ذكر شيخا كان مشهورا فى بلاد المشرق، قال له عند ذكره من الرجال من يرفع صوته ما بين المشرق و المغرب، و لا يسوى عند اللّه صمته جناح بعوضة، ثم قال قضيب البان للشيخ: يا أبا النجا، إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلّا العلماء باللّه، و لا ينكره إلّا أهل العزة باللّه، تم هذا الحديث.
قال له الشيخ: ما أعرف له تماما، قال قضيب البان: تمامه: «فلا تحقرن عبدا آتاه اللّه علما، فإن اللّه لم يحقره حين آتاه ذلك العلم» و ودع الشيخ و مضى و سافر الشيخ.
بعض الحكايات
قال المؤلف رضي اللّه عنه: و هذه الحكاية يتداولها الناس و أنا سمعتها من شيخى عتيق كان حاضرها، و فيها نكتتان، قد فتح اللّه فى بيانهما قول الشيخ: إنه كان ينافق أتابك الموصل، قصد به تصديق قضيب البان، فكان أتابك الموصل ينافق و هو أنه يتصور بظاهره مع الشيخ بما لا يتحقق به فى الباطن فهو نفاق[2]و الشيخ يداريه ملاطفة له.
[1]-بداية اللوحة رقم: 46.
[2]-بداية اللوحة رقم: 47.