فبعد ساعة و إذا بقضيب البان قد دخل فقام له الشيخ و أجلّه و أقبل هو على الشيخ باعتدال و حضور لا وله و لا خبال، فتفاوضا و تكاشفا، ففى آخر حديثهما[1].
قال الشيخ قضيب البان للشيخ أخبرنى بكل رجل رأيته من بلدك إلى هلم، فذكر له الشيخ جميع من رأى، فما من رجل يذكره الشيخ أبو النجا إلا و يذكر له قضيب البان وزنه، يقول: له عند ذكر كل رجل منهم وزنه: هذا نصف رجل، هذا ربع رجل، إلى أن ذكر له رجلين قال له عن كل منهما:
هذا وازن هذا كامل، ثم ذكر شيخا كان مشهورا فى بلاد المشرق، قال له عند ذكره من الرجال من يرفع صوته ما بين المشرق و المغرب، و لا يسوى عند اللّه صمته جناح بعوضة، ثم قال قضيب البان للشيخ: يا أبا النجا، إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلّا العلماء باللّه، و لا ينكره إلّا أهل العزة باللّه، تم هذا الحديث.
قال له الشيخ: ما أعرف له تماما، قال قضيب البان: تمامه: «فلا تحقرن عبدا آتاه اللّه علما، فإن اللّه لم يحقره حين آتاه ذلك العلم» و ودع الشيخ و مضى و سافر الشيخ.
بعض الحكايات
قال المؤلف رضي اللّه عنه: و هذه الحكاية يتداولها الناس و أنا سمعتها من شيخى عتيق كان حاضرها، و فيها نكتتان، قد فتح اللّه فى بيانهما قول الشيخ: إنه كان ينافق أتابك الموصل، قصد به تصديق قضيب البان، فكان أتابك الموصل ينافق و هو أنه يتصور بظاهره مع الشيخ بما لا يتحقق به فى الباطن فهو نفاق[2]و الشيخ يداريه ملاطفة له.
[1]-بداية اللوحة رقم: 46.
[2]-بداية اللوحة رقم: 47.
و المداراة تشبه فى الظاهر النفاق، و بينهما فرق، و هو النية؛ لأن المدارى نيته خير فى حق من يداريه، و النكتة الأخرى العظيمة السر الذى اطلع عليه الشيخ للعورة، و لم يوضحه بيان ذلك ببركات الشيخ الأستاذ، نفع اللّه به أن سر العورة الشهوة، فمن لا شهوة له لا عورة له، كان آدم، صلّى اللّه عليه و سلم، فى الجنة لم يكن له عورة، و لا تصورت فى خلقته فنهى عن الأكل من الشجرة، فحسن له العدو أكلها فظهرت الشهوة فى نفسه فغلبت عليه الشهوة، فحين تكونت العورة و تشخصت، و ظهرت الشهوة فى نفسه، غلبت عليه الشهوة، فأخذ هو و زوجته يخصفان من ورق الشجر ليستراها، قال اللّه تعالى:فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما[1]و ترتب خلقه العورة و صورتها فى خلقة آدم7من ذلك الوقت، و ترتبت فى بنيه و مع ترتيبها فى الصور البشرية لا تتحرك إلّا بورود الشهوة تحركها، و اللّه أعلم.
و قال لى الشيخ: كنا مع الشيخ فى مكة، و كان قد رتب الطحين بيننا بالنوبة، فجاءت نوبة أبى إسحاق بن طريف للطحين، فتأخر عنا فى البيت ليطحن، و كنا نحن فى الحرم.
كرامات أبى اسحق
فاحتجت للوضوء، فجئت للبيت فأجد أبا إسحاق يصلى[2]و الطاحون تطحن القمج، و تدور وحدها، فسكت و لم أعلمه بأننى رأيته، و كنت أخيط فجاءنى رجل جندى أعطانى خرقة، فقال: فصّل لى هذه طاقية و خيطها لى، و كانت الخرقة مقدار طاقية ففصلتها أنا أربع طواق، فبعد هذا جاء الجندى، و طلب طاقيته، و كان أبو إسحاق بن طريف قاعدا غندى.
[1]-سورة طه: آية 121.
[2]-بداية اللوحة رقم: 48.
فأخرجت الطواقى، كل واحدة قدر رأس القط، و قلت للجندى اقعد، و اكشف رأسك، ففعل، و أخذت كل طاقية، و سميت اللّه تعالى، و ألبستها له، فقال ابن طريف: ما هذا يا أخى يا عتيق؟ قلت: هذا يا أخى مثل طحينك أمس.
و دخلت يوما على سيدى الشيخ عتيق، و كان بكرة الجمعة، قلت له:
يا سيدى، تخرج اليوم للجمعة؟ قال لى: لا أنا ضعيف، و كان شيخا كبيرا فى عشر المائة، ثم عدت له قبل الجمعة فأجده قد اغتسل و هو يلبس أثوابه للجمعة قلت:
يا سيدى، أنت ما قلت: إنك ما تخرج اليوم، قال: يا بنى، بعد رواحك قال لى الحق سبحانه: اخرج للناس اعمل لهم تسنيما فامتثلت الأمر، و ها أنا خارج، و شرح هذا أنه كان من المقربين، فيخرج ليجتمع به الأبرار، فيمزج لهم أشربتهم من شرابه، قال اللّه تعالى فى حق الأبرار فى الجنة: عن أعين شرابهم الكافور و مزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون.
و حضر عنده يوما جماعة من الفقراء منهم التماسكى[1]من فقراء العراق، سمع الشيخ عتيقا و هو يقول: قال: يا سيدى من القائل لك؟ قال له الشيخ: اللّه قال:
يا سيدى هذا القول كله منه.
قال: نعم، و يمسك بيدى كلما قمت و قعدت قال: يا سيدى، هذا لك وحدك، قال له الشيخ عتيق: هذا أفعله مع سائر خلقه، قال له التماسكى: فما فضليتك عليهم؟ قال له الشيخ: أنا أبصره و هم ما يبصروه.
و سئل الشيخ أبو الحسن بن الصباغ عن هذا الشيخ عتيق، قال: هو أكبر المحدثين فى هذا الوقت، و ما فى من ظهر و خفى مثله.
[1]-بداية اللوحة رقم: 49.
و قال لى الشيخ عتيق: كنت فى بدايتى ما سمعت عن أحد من الرجال أنه عمل عملا إلا و عملته حتى تذكرت الملائكة، و أن غداءهم التسبيح؛ فأقمت مدة أتغدى بالذكر و أشبع منه بالتغدى كما أشبع بالطعام.
و قال لى كنت مرة على جبل الربوة بدمشق قلت لربى: يا رب هؤلاء الذين بطيرهم فى الهوى كيف تفعل ...؟.
فما فرغ منى الكلام إلا و أخذنى رفعنى فى الهواء صوب السماء إلى أن صارت دمشق تحتى كدور الدرهم، قلت له أشهد أنك على كل شىء قدير، ردنى إلى موضعى.
و كان قاضى دمشق زكى الدين قد أخذه أسكنه عنده فى طبقة فوقع للملك العادل أن يصادره، و طلب منه عشرين ألف[1]دينارا فجاء للشيخ بعد أن أخذوا منه أربعة آلاف دينار، فجاء للشيخ و طلب من الشيخ أن يشفع فيه عند السلطان فقال له نعم أشفع فيك عند اللّه.
قال له القاضى: أريد من سيدى أن يجتمع بالسلطان الملك العادل، فقال:
نعم، فمشى الشيخ للملك العادل و دخل عليه و تلقاه السلطان و احترمه، و كان قد تقدم بينه و بين السلطان لفظة أخوة، قال له الشيخ: يا أخى، لا تتعرض لأخى القاضى زكى الدين، أخذ السلطان يلاطف الشيخ و يعتذر له، قال له الشيخ: ما تتركه مبارك، و قام خرج راح إلى منزلة السلطان نائم بالليل، و يرى قد أجاطت به زبانية جهنم.
[1]-بداية اللوحة رقم: 50.
يقولون له: تفرج عن القاضى لحديث الشيخ ولى اللّه و إلّا أهلكناك، ففاق العادل من نومه مرعوبا و أمر بالإفراج عنه، ورد ما أخذ منه، فقال الشيخ للقاضى: قلت لك خلينى أتحدث لك مع سلطانى، ما فعلت حتى كلفتنى الحديث مع سلطانك، و نحن بحمد اللّه صبحنا هذا الشيخ السيد، و كان يلاطفنى و يحدثنى بأكثر أحواله، ولى بطريق صحبته نسبتى من شيخه الشيخ أبى النجا، نفع اللّه بهم أجمعين.
كرامات الشيخ على الكردى
و ممن رأيت بدمشق الشيخ على الكردى كان ظاهره الوله، و كان يتحكم فى أهل دمشق تحكم المالك[1]و لما دخلت دمشق ساعة دخولى لها، و كنت فى حشكلة من الغلمان و اللباس و الأهل، و أنا حين ذلك ابن اثنتى عشرة سنة قعدت فى الجامع، و إذا بشخص قد أقبل له رأس كبيرة، عليه لباد مقطع، فشق ساحة الجامع من باب جيرون إلى أن جاءنى عند مقصورة الغزالى مد يده إلىّ مملوءة تفاحا، و قال: خذ، ففزعت منه، و استندت إلى من كان بجوارى، فرجمنى بهم تفاحة تخلف أخرى و مضى، فبعد رواحه جاءنا الشيخ أبو القاسم الصقلى، كان رجلا معتبرا، مقيما بدمشق، و معه الفقيه نجم الدين بن اللهيب.
كان مدرسا بدمشق، و كان خال والدى، فأخبرناهما بخبر الرجل الذى جاءنى بالتفاح، فتعجبا من ذلك عجبا كثيرا و قالا: يا بنى، أبشر يكون لك شأن، فهذا قطب الشام أتاك بالضيافة، يقال له: على الكردى، و عزيز أن عمل مثل هذه مع
[1]-بداية اللوحة رقم: 51.
أحد، فقمت و مشيت إليه إلى باب جيرون و قبلت يده، وضحك لى و سألت عنه سيدى الشيخ عتيق فقال: يا بنى، إمام فيه فى وقته.
و قال: هذا الشيخ على الكردى، لرجل من أعيان دمشق يقال له: بدر الدين، اعمل للفقراء فى دارك سماعا و أطعمهم، فقال له: السمع و الطاعة، فرتب الرجل طعاما و قوّالا و دعا الفقراء المعروفين بالجامع و غيره[1]فهم مجتمعون، و قد جاء الشيخ على إلى الدار رأى فى صفة منهما مغلفات سكر، قال لصاحب الدار: ارم هؤلاء أكلهم فى البركة، قال: باسم اللّه، و رمى الجميع فى البركة و صار الفقراء يشربون الجلاب و يرقصون حتى آخر النهار، و أكلوا و انصرفوا، قال الشيخ على:
شيلوا غلف المغلفات، شالوهم وجدوهم صحاحا، و السكر باق فيهم بمغلفاتهم.
قال لصاحب الدار: أغلق علىّ الدار واقفلها و لا تجيئنى إلّا بعد ثلاثة أيام، فخرج صاحب الدار و تركه فيها وحده، و قفل عليه الباب، ثانى يوم وجده فى الطريق سلم عليه و راح الرجل داره، وجدها مقفولة كما قفلها، ففتحها و دخل وجد أكثر بسط الرخام مقلعا مثورا؛ فخرج فطلب الشيخ عليا حتى لقيه، قال له:
يا سيدى، لم ثورت رخام الدار؟ فقال له: يا بدر الدين، تكون رجلا جيدا و تضيف الفقراء على رخام حرام.
قال له صاحب الدار: هذه ارثتى عن أبى وجدى، فتغيظ عليه الشيخ و خلاه، ففكر صاحب الدار فى فعل الشيخ و علم مكاشفا به فذكر أنها كانت تشعثت و أصلح رخامها بعض وراء المرخمين الذين كانوا رخموها قال لهم: عرفونى ما صنعتم فى ترخيم الدار[2]قالوا له: فيه عيب عملنا شيئا فى غير موضعه، قال: لا
[1]-بداية اللوحة رقم: 52.
[2]-بداية اللوحة رقم: 53.
بد أن تقولوا لى و أمنهم و بسط نفوسهم، قالوا له: رخامك بعناه و رخمناها من رخام الجامع.
الإمام السهروردى يزور الشيخ الكردى
و لما جاء الشيخ الإمام السهروردى إلى دمشق فى رسالة الخليفة للملك العادل بالخلعة و الطوق و غيره، قال لأصحابه: أريد أزور عليّا الكردى، قال له الناس:
يا مولانا، لا تفعل أنت إمام الوجود، و هذا رجل لا يصلى و يمشى مكشوف العورة أكثر أوقاته، قال: لا بد لى منه.
و كان الشيخ على الكردى مقيما بدمشق، مقيما بالجامع، فدخل عليه موله يقال له: ياقوت، فساعة دخوله من الباب خرج على من دمشق و سكن جبانتها بالباب الصغير، ما دخلها إلى أن مات، و ياقوت فيها يتحكم، و رأيت هذا ياقوت بالجامع بعد خروجه على منه و من البلد، فقال للشيخ شهاب الدين: هو فى الجبانة، فركب بغلته و مشى فى خدمته من يعرفه موضعه، فلما وصل إلى مكانه ترجل و أخذ يمشى إليه.
فلما رآه على الكردى قد قرب منه فقسر بعورته إليه؛ فقال الشيخ شهاب الدين: ما هذا شىء يقصدنا به، لا بد لنا منك، أنا ضيفك، فأقبل عليه، و جلس معه، و إذا بحمالين[1]جاءوا عليهم مأكول معتبر، قيل لهم: من تريدون؟ قالوا:
الشيخ على الكردى، فقال: هاتوه قدام ضيفى، و قال للشيخ شهاب الدين: لنا قلت أنك ضيفى بسم اللّه، كل هذه ضيافتك، فأكل الشيخ، و كان يعظم شأنه.
[1]-بداية اللوحة رقم: 54.
كرامات الشيخ حسن الطويل
و ممن رأيت بمصر من المشايخ بمصر الشيخ الولى حسن الطويل، كان عظيم الشأن، له حرمة عظيمة فى القلوب، و كان الغالب عليه الخوف، و كان من طلبة جدى الفقيه أبى المنصور- رحمه اللّه- و أكثر جلوسه فى مقصورة عمرو، و مقصورة الصلاة بجامع مصر، نذكر له كرامات كثيرة من جملتها: أنه قام مرة فى إظهار مسجد كان مختفيا فى كنيسة، و تعصب النصارى فى منعه.
و مال معهم الملك الكامل، و تارت العوام و الجمهور مع الشيخ حسن، فاتفق أن الملك الكامل نزل للبحر، و كان ذلك الزمان بين الجزيرة و مصر، ينقطع البحر فى الصيف و سقى رمله، فمشى السلطان بين الجزيرة و مصر و الخلق قد وقفوا له بتنفس الشيخ، و قالوا: المسجد المسجد فخاف السلطان أن يرجموه، فدخل إلى صناعة الشوانى تحصن فيها، و اضطر إلى أن قال لشيخ الشيوخ صدر الدين و لوزيره الصاحب الأعز بن شكر: اذهبا و اكشفا أمر هذه[1]الكنيسة و حديث هذا المسجد، فتوجها و الخلائق مجتمعون فى الطرقات و على السقائف و على الأسطحة و فى أيديهم الطوب.
و الشيخ و الوزير يشقون فيهم و يردونهم إلى أن وصلا إلى الكنيسة و دخلا إليها، فما وسع شيخ الشيوخ إلا أن فرش سجادته و كبّر بتحية المسجد، فما خرج منه إلّا و الكنيسة كلها فى الأرض، و لو لم يفعلا ذلك كانا يبعثان من تحت الردم، فلما اطلع السلطان على ذلك وجد غبنا فى نفسه و قهرا، فبعث للشيخ حسن و خرج من مصر تبرز للسفر، و إذا بالملك الكامل يرى تلك الليلة فى المنام كأن
[1]-بداية اللوحة رقم: 55.