بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 71

بد أن تقولوا لى و أمنهم و بسط نفوسهم، قالوا له: رخامك بعناه و رخمناها من رخام الجامع.

الإمام السهروردى يزور الشيخ الكردى‌

و لما جاء الشيخ الإمام السهروردى إلى دمشق فى رسالة الخليفة للملك العادل بالخلعة و الطوق و غيره، قال لأصحابه: أريد أزور عليّا الكردى، قال له الناس:

يا مولانا، لا تفعل أنت إمام الوجود، و هذا رجل لا يصلى و يمشى مكشوف العورة أكثر أوقاته، قال: لا بد لى منه.

و كان الشيخ على الكردى مقيما بدمشق، مقيما بالجامع، فدخل عليه موله يقال له: ياقوت، فساعة دخوله من الباب خرج على من دمشق و سكن جبانتها بالباب الصغير، ما دخلها إلى أن مات، و ياقوت فيها يتحكم، و رأيت هذا ياقوت بالجامع بعد خروجه على منه و من البلد، فقال للشيخ شهاب الدين: هو فى الجبانة، فركب بغلته و مشى فى خدمته من يعرفه موضعه، فلما وصل إلى مكانه ترجل و أخذ يمشى إليه.

فلما رآه على الكردى قد قرب منه فقسر بعورته إليه؛ فقال الشيخ شهاب الدين: ما هذا شى‌ء يقصدنا به، لا بد لنا منك، أنا ضيفك، فأقبل عليه، و جلس معه، و إذا بحمالين‌[1]جاءوا عليهم مأكول معتبر، قيل لهم: من تريدون؟ قالوا:

الشيخ على الكردى، فقال: هاتوه قدام ضيفى، و قال للشيخ شهاب الدين: لنا قلت أنك ضيفى بسم اللّه، كل هذه ضيافتك، فأكل الشيخ، و كان يعظم شأنه.

[1]-بداية اللوحة رقم: 54.


صفحه 72

كرامات الشيخ حسن الطويل‌

و ممن رأيت بمصر من المشايخ بمصر الشيخ الولى حسن الطويل، كان عظيم الشأن، له حرمة عظيمة فى القلوب، و كان الغالب عليه الخوف، و كان من طلبة جدى الفقيه أبى المنصور- رحمه اللّه- و أكثر جلوسه فى مقصورة عمرو، و مقصورة الصلاة بجامع مصر، نذكر له كرامات كثيرة من جملتها: أنه قام مرة فى إظهار مسجد كان مختفيا فى كنيسة، و تعصب النصارى فى منعه.

و مال معهم الملك الكامل، و تارت العوام و الجمهور مع الشيخ حسن، فاتفق أن الملك الكامل نزل للبحر، و كان ذلك الزمان بين الجزيرة و مصر، ينقطع البحر فى الصيف و سقى رمله، فمشى السلطان بين الجزيرة و مصر و الخلق قد وقفوا له بتنفس الشيخ، و قالوا: المسجد المسجد فخاف السلطان أن يرجموه، فدخل إلى صناعة الشوانى تحصن فيها، و اضطر إلى أن قال لشيخ الشيوخ صدر الدين و لوزيره الصاحب الأعز بن شكر: اذهبا و اكشفا أمر هذه‌[1]الكنيسة و حديث هذا المسجد، فتوجها و الخلائق مجتمعون فى الطرقات و على السقائف و على الأسطحة و فى أيديهم الطوب.

و الشيخ و الوزير يشقون فيهم و يردونهم إلى أن وصلا إلى الكنيسة و دخلا إليها، فما وسع شيخ الشيوخ إلا أن فرش سجادته و كبّر بتحية المسجد، فما خرج منه إلّا و الكنيسة كلها فى الأرض، و لو لم يفعلا ذلك كانا يبعثان من تحت الردم، فلما اطلع السلطان على ذلك وجد غبنا فى نفسه و قهرا، فبعث للشيخ حسن و خرج من مصر تبرز للسفر، و إذا بالملك الكامل يرى تلك الليلة فى المنام كأن‌

[1]-بداية اللوحة رقم: 55.


صفحه 73

زبانية. احتاطوا به، و قالوا له: لئن لم ترد الشيخ حسن و إلّا أهلكناك، بعث السلطان خلف وزيره الكبير صفى الدين ابن شكر.

و قال: هؤلاء الطائفة أنت تعرفهم، و هم يعرفونك، ما أعرف رجوع الشيخ حسن إلا منك، فخرج إليه الصاحب صفى الدين و استرضاه و يسأله الرجوع، رجع و مات بدمياط سنة حوصرت فى زمان الملك الكامل، نفع اللّه به، و كان السلطان ليلة رأى فى المنام يمثل له للشيخ حسن فى الرؤيا فلما رجع طلب الاجتماع به فقال الشيخ حسن: لا سبيل لذلك فلهج السلطان فى طلبه، قال الشيخ: قال رآنى فتذكر السلطان أنه‌[1]رآه.

الشيخ أبى عبد اللّه القرطبى‌

و رأيت منهم الشيخ الجليل أبى عبد اللّه القرطبى، أجل أصحاب الشيخ القرشى، رضى اللّه عنهم، كان كبير الشأن، عظيم الحرمة بين الشيوخ و العلماء، و عند الملوك، و آخاها الملك العادل و عظمه الملك الكامل، و كان يمشى إلى زيارته، و كان أكثر إقامته بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة و السلام.

و كان له بالنبى، صلّى اللّه عليه و سلم، وصلة و أخوته و رد سلام و حمله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم رسالة للملك الكامل، و توجه بها الشيخ أبو عبد اللّه القرطبى إلى مصر ليؤديها، و نزل فى الرصد، و جاءه الملك الكامل، و تصاغر له، و عظم شأنه، و سمع رسالته و قام بحكمها، و قضى جميع حاجات كان تقاضاها و دعا للمدينة، ثم جاء إلى مكة، و كان بها الشيخ ابن القسطلانى أخوة من صحبه الشيخ القرشى، فخلى الشيخ‌

[1]-بداية اللوحة رقم: 56.


صفحه 74

الجليل أبو الحسن الواسطى، عرف بالنقاش، من أعيان أصحاب الشيخ الإمام شهاب الدين.

قال: كنت جالسا مع الشيخ أبى عبد اللّه القرطبى، و الشيخ أبى العباس بن القسطلانى حين عود أبى عبد اللّه من مصر، فسأله أبو العباس عن أعيان المصريين واحدا واحدا، و هو يجيبه بما علمه من أحوالهم، فقال له‌[1]: كيف رأيت الصفى بن أبى منصور عنى، فقال: ليوشك أن تشعر البلاد فلا يبقى فيها سواه، و جلست معه مرة فى الجامع فأخذنى و قام إلى جهة خالية و قال لى معك كلام، قلت له:

نعم، قال: قيل لى أنت عالم المدينة، و فهمت من هذا الخطاب أن يكون له نبأ.

و من عادتى إذا قيل لى عن أمر يكون وقوعه بعد عشر سنين، أشرع فى أسبابه من حين أعلمت به، قلت له: هذا تعب، فقال: فكيف رأيك، قلت: تتركه حتى يأتى وقته، يأتى حكمه، قال: ما أنا موحد أنا رجل سنى، قلت له: فشد وسطك.

و هذا الحديث لو كان مع شيخه كان عظيما فجزاهم اللّه عنا خيرا، و شرح قوله:

ما أنا موحد، لما أشرت به عليه أن الموحد فى أفعاله مسلوب الإرادة، مستريح على القدرة، يعامل مخرق عاداتها، فاعترف بأنه يسلك فى أفعاله سبيل السنة بالسعى فى الأسباب المرتبة، رضي اللّه عنه.

قال: رأيت مرة ثمانية يمشون فى الهواء، فيهم واحد يمشى بالأفعال على الهواء كما يمشى بهم على الأرض، و عمل مرة فى مكة طعاما عم به سائر المجاورين إلا صوفية الأعاجم، فلما فرغ اجتمعوا و جاءوا إليه طالبوه، فاستغفر لهم، و عمل لهم وليمة، فلما فرغ قدم لهم طستا غسلوا[2]فيه أيديهم، فلما فرغوا جلس و شرب هو الطست جميعه.

[1]-بداية اللوحة رقم: 57.

[2]-بداية اللوحة رقم: 58.


صفحه 75

و ممن رأيت بمصر الشيخ أبا العباس القسطلانى، أخص أصحاب الشيخ القرشى، زاهد مصر فى وقته، ترك زينة دنياه، و خدم الشيخ القرشى بنفسه، و إنفاقه ماله و فى بيته كانت إقامة الشيخ القرشى، و كان أكثر أوقاته آخر عمره بمكة، و بها مات، كثير الرياضيات، يقال: إنه دخل مرة على النبى، صلّى اللّه عليه و سلم، فقال له النبى، صلّى اللّه عليه و سلم: «أخذ اللّه بيديك يا أحمد» و سافرت سنة بمكة، و كانت لى معه أوقات و فوائد، و كان يكرمنى فوق طورى، لقينى مرة فى الطواف فأخذنى و دخل قبة الشراب، كانت بيده يختل فيها بعض الأوقات.

فقال: أريد أن أسألك مسألة، فقلت: يا سيدى، لا تفعل قل أريد أن أفيدك، قال: لا، فسكت، قال: أيهما أعلى و أرجح عندك: الإذن أم الأمر؟ عند ما قال:

كشف لى عن الجواب، سلكت معه الأدب، قلت: يا سيدى، ما أنا قدر هذا الحال، و أنت غالط فىّ، قال: لا بد من الجواب، قلت: يا سيدى، الإذن أعلى من الأمر. فإن المأمور يتصرف بقوى الأمر، كان أهلا للتصرف أم لم يكن، و صاحب الإذن مستعد للتصرف متهئ له، و إنما الإذن له فى إظهاره.

قال اللّه سبحانه لعيسى، مخبرا عما سبق‌[1]لذاته من العطية الكلية، و إذ تخلق و تفعل كذا و كذا بإذنى، فطرب لذلك و أخذ يعنفنى على قولى: أنت غالط فىّ و هذا من مراحمهم و سرهم لناظرهم فجزاهم اللّه خيرا.

و كان بالمدينة وقتا فحصل لأهلها قحط لانقطاع المطر؛ فعزم الناس على الاستسقاء، فقرر أن أهل المدينة يستسقون يوما، و الغرباء المجاورون يوما، فاستسقا أهل المدينة فلم يمطروا، فعمل أبو العباس طعاما كثيرا و أطعم الفقراء و أهل الضرورات، و استسقى فمطروا.

[1]-بداية اللوحة رقم: 59.


صفحه 76

و ممن رأيت بمصر الشيخ ... مزهد السنطى كان من أعيان أصحاب الشيخ القرشى، يسمى أبونا لما كان فيه من الشفقة، و الخير و اللطف، كنت أتردد له فى مسجده الذى كان للشيخ القرشى فيه مدة بزقاق الطباخ، و كان الفقيه عبد العزيز يجى‌ء العشر الأخير من رمضان، و كنت أصلى معهم حين ذاك و عمرى عشر سنين، و كان أسمر اللون، فقال القرشى عنه: هو أبيض القلب، و كان له سن فى التوحيد و قصائد.

و ممن رأيت بمصر الشيخ ...[1]رضي اللّه عنه، كان عظيم الحرمة، مشهورا بالكرامة، تزوره الملوك و الكبراء و الأمراء و أكابر العلماء رضي اللّه عنه.

الشيخ عبد الرحمن النورى‌

و رأيت بمصر الشيخ الكبير الفقيه عبد الرحمن النورى، كان عظيم الشأن، مستكثرا[2]، كثير الكرامات، ما صحبه يوما أحد إلّا و رأى فيه منه كرامة، رآه مرة رجل مغربى كلما جاء من المغرب فاختبل عقله، ففهم الشيخ فانفرد إليه، و قال له: تكلم ما رأيت فلم يستطع فأخبر المغربى أنه يرى الشيخ عبد الرحمن النويرى كل وقت عند الشيخ أبى محمد صالح باصفى من أقصى المغرب، و هذه الجملة التى ذكرتها تغنى عن التفصيل أن ما صحبه أحد إلّا و يرى له كرامة.

قال لى رجل من أهل البهنسا: كان صحبه قعدنا مرة حوله ذكرنا السماع فقلنا له: يا سيدى، أنت ترى أن السماع حق؟.

قال: نعم، إذا كان مع أهله، قلنا له: يا سيدى أما أنت من أهله؟ قال: نعم، قلنا: نريد أن نسمعه معك، فأذن بإحضار شخص ينشد فزمزم بين يديه فرأينا لونه‌

[1]-بياض بالأصل.

[2]-بداية اللوحة رقم: 60.


صفحه 77

تغير، ثم قال: يشتهى كل منكم شهوة فمنا من اشتهى عسلا، و منا من اشتهى لبنا، و غير ذلك، و كان وراء ظهره خزانة قصار يمد يده للخزانة و يخرج لكل واحد ما اشتهاه، هذا آخر الحكاية الذى ذكرها الشخص الذاكر لها، و بيان هذه الحكاية أن الشيخ لما وردت عليه حالتاه التى تغير بها لونه أظهر وجودها بإظهار أثرها فيه، و هو إخراج ما طلبوه من الكون الغيبى لما لم يكن لهم إدراك ما ورد عليه أظهر لهم أثره، فيما يناسبهم.

و ممن رأيت الشيخ العارف‌[1]بمصر أبا الحسن بن الدقاق، كان من أهل مراكش من بلاد المغرب، كان عظيم الشأن، كان أولا ينسب و هو شاب للشيخ الكبير «أبى محمد صالح» من أصحاب سيدى الإمام «أبى مدين شعيب» رضي اللّه عنه فدخل الشام، فصحب فيها الشيخ العظيم «أبا عبد اللّه محمد الأزهرى العجمى، و أراه عظاما و حكايات تضيق عنها العقول و الأفهام، فمن حكاياته عنه أنه قال:

أدخلنى الشيخ محمد العجمى ثلاثمائة و ستين عالما غير عالم السموات و الأرض.

و قال كان للشيخ محمد أصحاب كلهم أرباب كرامات و علوم، فمما أخبر عنه قال: وصل به إلى جبل قاف و أراه الجبة الدائرة بالجبل حضرا و رأسها على ذنبها دائرة بالجبل.

و قال: كان الشيخ إذا مشى بى إلى أمر خارق أو وطئ أرضا أبقى معه غائبا عن حسى المعهود، فخرج يوما من دمشق و أخذنا صحبته إلى أن وصلنا طبرية، و وقفنا على قبر سليمان، قلت: يا سيدى، هذا قبر سليمان؟.

[1]-بداية اللوحة رقم: 61.


صفحه 78

قال: هكذا يقال، ثم مشى و أنا خلفه محمول به إلى أن وصلنا و أشرفنا على بناء مهول، و إذا بأقوام يلقون الشيخ و سلموا عليه و تبركوا بقدومه، ثم مشوا قدامه فوجدت منهم وحشة[1]، فالتفت الشيخ إلىّ و قال: يا على، احفظ نفسك و اشتغل بى، و لا تشتغل بمن تراه، فهؤلاء جان، و نحن قادمون على سليمان بن داود، نبى اللّه، فلما وصل للبنيان تلقته طائفة أخرى و أدخلوه أبناء صورة قصر عظيم، و الشيخ يمشى و أنا خلفه، و إذا فى صدر المكان رجل قائم عليه هيبة عظيمة، و نور عظيم، و فى يده عصاة، و هو مائل على ظهره.

قال لى الشيخ: هذا سليمان، فتقدم الشيخ و قبل يده و فى أحد أصابعه الخاتم، ثم تأخر الشيخ فأخذه جماعة الجن خدام سليمان و ذهبوا به إلى أن أجلسوه فى موضع و قدموا له ضيافة فأكل الشيخ، و أكلت معه، ثم ذهبوا به يفرجونه على ذخائر سليمان، فأتوا به للبساط فوقف عنده فجاءت ريح ففرشته حتى رآه، ثم جاءوا به لعرش بلقيس فرآه، إلى أن استكمل جميع ذخائر سليمان، ثم عبر على مغارة فيها دوى مزعج و رائحة منكرة.

قالوا له: يا سيدى، هذا سجن ابن إبليس مسجون فى هذه المغارة من زمن نبى اللّه سليمان، فلما أراد الشيخ الانصراف وضعوا له سريرا و أشار الشيخ إلىّ فوضعوا إلىّ سريرا آخر، فلما جلسنا نحسهم ارتفعوا لا نعرف من يحملهم و ساروا[2]بنا فى الهوى على ظهر بحر إلى أن وصلنا إلى دمشق، فحطوا بنا الأرض، فنزل الشيخ من سريره، و نزلت إلى الأرض، فارتفعت الأسرة وعدت.

[1]-بداية اللوحة رقم: 62.

[2]-بداية اللوحة رقم: 63.