بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 75

و ممن رأيت بمصر الشيخ أبا العباس القسطلانى، أخص أصحاب الشيخ القرشى، زاهد مصر فى وقته، ترك زينة دنياه، و خدم الشيخ القرشى بنفسه، و إنفاقه ماله و فى بيته كانت إقامة الشيخ القرشى، و كان أكثر أوقاته آخر عمره بمكة، و بها مات، كثير الرياضيات، يقال: إنه دخل مرة على النبى، صلّى اللّه عليه و سلم، فقال له النبى، صلّى اللّه عليه و سلم: «أخذ اللّه بيديك يا أحمد» و سافرت سنة بمكة، و كانت لى معه أوقات و فوائد، و كان يكرمنى فوق طورى، لقينى مرة فى الطواف فأخذنى و دخل قبة الشراب، كانت بيده يختل فيها بعض الأوقات.

فقال: أريد أن أسألك مسألة، فقلت: يا سيدى، لا تفعل قل أريد أن أفيدك، قال: لا، فسكت، قال: أيهما أعلى و أرجح عندك: الإذن أم الأمر؟ عند ما قال:

كشف لى عن الجواب، سلكت معه الأدب، قلت: يا سيدى، ما أنا قدر هذا الحال، و أنت غالط فىّ، قال: لا بد من الجواب، قلت: يا سيدى، الإذن أعلى من الأمر. فإن المأمور يتصرف بقوى الأمر، كان أهلا للتصرف أم لم يكن، و صاحب الإذن مستعد للتصرف متهئ له، و إنما الإذن له فى إظهاره.

قال اللّه سبحانه لعيسى، مخبرا عما سبق‌[1]لذاته من العطية الكلية، و إذ تخلق و تفعل كذا و كذا بإذنى، فطرب لذلك و أخذ يعنفنى على قولى: أنت غالط فىّ و هذا من مراحمهم و سرهم لناظرهم فجزاهم اللّه خيرا.

و كان بالمدينة وقتا فحصل لأهلها قحط لانقطاع المطر؛ فعزم الناس على الاستسقاء، فقرر أن أهل المدينة يستسقون يوما، و الغرباء المجاورون يوما، فاستسقا أهل المدينة فلم يمطروا، فعمل أبو العباس طعاما كثيرا و أطعم الفقراء و أهل الضرورات، و استسقى فمطروا.

[1]-بداية اللوحة رقم: 59.


صفحه 76

و ممن رأيت بمصر الشيخ ... مزهد السنطى كان من أعيان أصحاب الشيخ القرشى، يسمى أبونا لما كان فيه من الشفقة، و الخير و اللطف، كنت أتردد له فى مسجده الذى كان للشيخ القرشى فيه مدة بزقاق الطباخ، و كان الفقيه عبد العزيز يجى‌ء العشر الأخير من رمضان، و كنت أصلى معهم حين ذاك و عمرى عشر سنين، و كان أسمر اللون، فقال القرشى عنه: هو أبيض القلب، و كان له سن فى التوحيد و قصائد.

و ممن رأيت بمصر الشيخ ...[1]رضي اللّه عنه، كان عظيم الحرمة، مشهورا بالكرامة، تزوره الملوك و الكبراء و الأمراء و أكابر العلماء رضي اللّه عنه.

الشيخ عبد الرحمن النورى‌

و رأيت بمصر الشيخ الكبير الفقيه عبد الرحمن النورى، كان عظيم الشأن، مستكثرا[2]، كثير الكرامات، ما صحبه يوما أحد إلّا و رأى فيه منه كرامة، رآه مرة رجل مغربى كلما جاء من المغرب فاختبل عقله، ففهم الشيخ فانفرد إليه، و قال له: تكلم ما رأيت فلم يستطع فأخبر المغربى أنه يرى الشيخ عبد الرحمن النويرى كل وقت عند الشيخ أبى محمد صالح باصفى من أقصى المغرب، و هذه الجملة التى ذكرتها تغنى عن التفصيل أن ما صحبه أحد إلّا و يرى له كرامة.

قال لى رجل من أهل البهنسا: كان صحبه قعدنا مرة حوله ذكرنا السماع فقلنا له: يا سيدى، أنت ترى أن السماع حق؟.

قال: نعم، إذا كان مع أهله، قلنا له: يا سيدى أما أنت من أهله؟ قال: نعم، قلنا: نريد أن نسمعه معك، فأذن بإحضار شخص ينشد فزمزم بين يديه فرأينا لونه‌

[1]-بياض بالأصل.

[2]-بداية اللوحة رقم: 60.


صفحه 77

تغير، ثم قال: يشتهى كل منكم شهوة فمنا من اشتهى عسلا، و منا من اشتهى لبنا، و غير ذلك، و كان وراء ظهره خزانة قصار يمد يده للخزانة و يخرج لكل واحد ما اشتهاه، هذا آخر الحكاية الذى ذكرها الشخص الذاكر لها، و بيان هذه الحكاية أن الشيخ لما وردت عليه حالتاه التى تغير بها لونه أظهر وجودها بإظهار أثرها فيه، و هو إخراج ما طلبوه من الكون الغيبى لما لم يكن لهم إدراك ما ورد عليه أظهر لهم أثره، فيما يناسبهم.

و ممن رأيت الشيخ العارف‌[1]بمصر أبا الحسن بن الدقاق، كان من أهل مراكش من بلاد المغرب، كان عظيم الشأن، كان أولا ينسب و هو شاب للشيخ الكبير «أبى محمد صالح» من أصحاب سيدى الإمام «أبى مدين شعيب» رضي اللّه عنه فدخل الشام، فصحب فيها الشيخ العظيم «أبا عبد اللّه محمد الأزهرى العجمى، و أراه عظاما و حكايات تضيق عنها العقول و الأفهام، فمن حكاياته عنه أنه قال:

أدخلنى الشيخ محمد العجمى ثلاثمائة و ستين عالما غير عالم السموات و الأرض.

و قال كان للشيخ محمد أصحاب كلهم أرباب كرامات و علوم، فمما أخبر عنه قال: وصل به إلى جبل قاف و أراه الجبة الدائرة بالجبل حضرا و رأسها على ذنبها دائرة بالجبل.

و قال: كان الشيخ إذا مشى بى إلى أمر خارق أو وطئ أرضا أبقى معه غائبا عن حسى المعهود، فخرج يوما من دمشق و أخذنا صحبته إلى أن وصلنا طبرية، و وقفنا على قبر سليمان، قلت: يا سيدى، هذا قبر سليمان؟.

[1]-بداية اللوحة رقم: 61.


صفحه 78

قال: هكذا يقال، ثم مشى و أنا خلفه محمول به إلى أن وصلنا و أشرفنا على بناء مهول، و إذا بأقوام يلقون الشيخ و سلموا عليه و تبركوا بقدومه، ثم مشوا قدامه فوجدت منهم وحشة[1]، فالتفت الشيخ إلىّ و قال: يا على، احفظ نفسك و اشتغل بى، و لا تشتغل بمن تراه، فهؤلاء جان، و نحن قادمون على سليمان بن داود، نبى اللّه، فلما وصل للبنيان تلقته طائفة أخرى و أدخلوه أبناء صورة قصر عظيم، و الشيخ يمشى و أنا خلفه، و إذا فى صدر المكان رجل قائم عليه هيبة عظيمة، و نور عظيم، و فى يده عصاة، و هو مائل على ظهره.

قال لى الشيخ: هذا سليمان، فتقدم الشيخ و قبل يده و فى أحد أصابعه الخاتم، ثم تأخر الشيخ فأخذه جماعة الجن خدام سليمان و ذهبوا به إلى أن أجلسوه فى موضع و قدموا له ضيافة فأكل الشيخ، و أكلت معه، ثم ذهبوا به يفرجونه على ذخائر سليمان، فأتوا به للبساط فوقف عنده فجاءت ريح ففرشته حتى رآه، ثم جاءوا به لعرش بلقيس فرآه، إلى أن استكمل جميع ذخائر سليمان، ثم عبر على مغارة فيها دوى مزعج و رائحة منكرة.

قالوا له: يا سيدى، هذا سجن ابن إبليس مسجون فى هذه المغارة من زمن نبى اللّه سليمان، فلما أراد الشيخ الانصراف وضعوا له سريرا و أشار الشيخ إلىّ فوضعوا إلىّ سريرا آخر، فلما جلسنا نحسهم ارتفعوا لا نعرف من يحملهم و ساروا[2]بنا فى الهوى على ظهر بحر إلى أن وصلنا إلى دمشق، فحطوا بنا الأرض، فنزل الشيخ من سريره، و نزلت إلى الأرض، فارتفعت الأسرة وعدت.

[1]-بداية اللوحة رقم: 62.

[2]-بداية اللوحة رقم: 63.


صفحه 79

و مشى الشيخ و أنا خلفه ساعة، و إذا بدمشق قد ظهرت، و مثل هذه و أعجب منها كثير.

و قال: كنا يوما بدمشق و كان فى أصحاب الشيخ من هو فى الحجاز و من هو من العراق، فذكروا الرطب، فقال أهل الحجاز: رطبنا أطيب، و كان للشيخ خادم اسمه «يوسف» نظر الشيخ إليه، فخرج الخادم من با المكان غاب لحظة ثم دخل و على يده طبق فيه رطب، كما جنى من على النخل، فوضعه بين يدى الشيخ، فقال الشيخ: يا حجازى، هذا رطب بلادنا، أحضروا أنتم رطب بلادكم.

و مثل هذا كثير، و من العلوم ما لا يسطر فى الكتب المعهودة.

و كان هذا الشيخ العجمى فى علومه يعظم النبى، صلّى اللّه عليه و سلم تعظيما لم يعهد مثله عن شهادات و كشوف علوية، و علوم لدنية، و كان الشيخ أبو الحسن على ذلك، و دخل ديار مصر مجردا، و سكن بدهروط. و نشأ له دائرة متسعة، و أولاد صلحاء نجباء، و أصحاب فى مواضع متعددة، و كان يتردد[1]إلىّ، و أقام عندى مرة ستة أشهر، و عمل فيها خلوة أيام لم يستطع شيئا و ورد فيها عليه علوم هائلة.

و كان وافر العقل، حسن الصورة، عظيم الهيئة، حسن الخلق، و حصلت بينى و بينه مصاهرة، و كان سيدى الأستاذ يثبته و يعظمه، رضى اللّه عنهم أجمعين.

قال الشيخ أبو الحسن: كان الشيخ محمد العجمى إذا كان فى السياحات لا يطول له ظفر و لا شعر، و لا يحدث حدثا يحتاج إلى طهارة، فإذا دخل البلاد العامرة أجرى عليه ما يجرى على الناس من ذلك.

[1]-بداية اللوحة رقم: 64.


صفحه 80

الشيخ عمر الحبال‌

و ممن رأيت بمصر الشيخ أبا حفص عمر الحبال، من أعيان أصحاب الشيخ الإمام القطب أبى مدين، رضي اللّه عنه، غلب حال مرة، فخرج من المكان الذى كان فيه البرية، بعد أن فصد يديه و ذراعيه الاثنين، و خرج والدم يخرج منهما فارّا إلى اللّه سبحانه، لشوق غلب عليه قاصدا إتلاف نفسه، فلم يزل إلى فلا سقط فيها.

و إذا برجل من المكاشفين راى قبة خضراء نورا منصوبة فى القضاء تسع مكان القبة إلى أن وصل إليها وجد الشيخ منطرحا تحت تلك القبة المنصوبة[1]فأخذه و ربط ذراعيه و لاطفه إلى أن عاد إلى حسه، و لما سافر من مصر طالبا للصعيد يريد الحج كان فى مركب كبير من أكبر المراكب فى النيل، و انقلب المركب غرق و نال كل من كان فيه ما قسم له من سلامة و غرق، فعدموا الشيخ عمل الحبال فغطسوا عليه فرفعوه من قعر البحر جالسا متربعا كما كان قبل الغرق لم يتحرك منه عضو و لا خرج عن صورته استسلاما للّه، وفيا بين يديه.

و ممن اجتزت بمصر و الصعيد العلماء الأكابر أصحاب سيدنا الإمام القطب أبى الحسن بن الصباغ، رضي اللّه عنه و عنهم أجمعين، الشيخ الوحيد الجليل الفريد أبو الحجاج يوسف المغاور، رضي اللّه عنه، كان من أهل قرطبة، صحب جماعة من صلحاء الأندلس أشبيلية و غيرها، و كان منهم الشيخ الغزال.

قال لى الشيخ المغاور: كان الشيخ الغزال يقول لى: يا يوسف، ما أنت لى، أنت لرجل تلقاه فى آخر عمرك بالمشرق- يعنى ديار مصر- قال لى الشيخ المغاور: ما فى الأرض موضع إلا وطئته هذه الرجل، و أشار إلى رجله بالسياحة.

[1]-بداية اللوحة رقم: 65.


صفحه 81

و الخطوة، و رأيت من الرجال كثيرا ما رأيت من ظهر[1]على ظاهره حكم التوحيد إلا الذى يقوم ببواطن الموحدين غيره، كان ظاهره لا تؤثر فيه الحوادث شيئا، لا الحر و البرد، و لا الجوع و لا الشبع، و لا السم و لا المدح و لا الذم.

أقام فى أسوان فى أخذة أخذها أربعين يوما ملفوف فى كساء، لم يتحرك منه عضو حركة واحدة، فسألته عن باطن حاله فى هذه الأخذة، كيف كان؟ قال:

كنت فيها بين المحمدية و الموسوية- يعنى الرؤية و المكالمة- يتعاقبان عليه.

و لما اجتمع بالشيخ «أبى الحسن بن الصباغ» فى آخر عمره، و كان نحوا من ثمانين سنة، آوى إليه و استراح عليه، و اطلع على جميع أحواله؛ فعظمه الشيخ و شهد له أنه من السبعة الأوتاد، و أخذ عنده أخذتين: أخذة سبعة عشر يوما، و الأخرى خمسة عشر يوما، و قال الشيخ لأصحابه عنه: هذا المغاور أطلعه اللّه على علمى، و هذه شهادة عظيمة؛ لأن علم الرجل هو غاية سره مع اللّه، عز و جل سبحانه.

و مما حدثنى به، قال: كنت سنين مغاورا بالحرب، و سنين بالسياحة أدخل إلى بلاد الكفار و الأمور، و أمر بالدخول إلى بلادهم لأجلها، و حجا بى بحكمى، إن أردت أن لا يرونى ما يرونى، فورد علىّ أمر حق من جهة[2]الحق سبحانه بأن أدخل إلى بلاد الكفر لأجتمع فيها برجل صدّيق، فدخلت لأرضهم و أريتهم نفسى؛ فأخذونى أسيرا، و فرح بى من أخذنى، و كفننى و جاء بى للسوق ليبيعنى، و كان هذا هو الطريق المقصود الذى أمرت به؛ فاشترانى شخص راكب دابة معتبر، و وقفنى على الكنيسة لأكون فيها خادما؛ فباشرت خدمتها أياما، و إذا بهم قد أحضروا بسطا كثيرة، و مباخر و طيبا كثيرا.

[1]-بداية اللوحة رقم: 66.

[2]-بداية اللوحة رقم: 67.


صفحه 82

قلت لهم: ما الخبر؟ قالوا: الملك عادته زيارة الكنيسة يوما فى السنة، و قد جاء وقت زيارته، فنحن نهيئها له و نخليها لها، لا يبقى فيها أحد يدخل وحده، يعبد فيها، فلما غلقوها بقيت أنا فيها، و انحجبت عنهم فلم يرونى، و إذا بالملك قد جاء ففتحوها، و دخلها وحده، و غلق عليه الباب، فدار بالكنيسة يفتشها و أنا أنظره، و هو لا يرانى، إلى أن اطمأن دخل المدبح الذى فيه و توجه للقبلة، و كبر للصلاة، فقيل لى: هذا الذى أردنا لك الاجتماع به، فظهرت و وقف وراءه حتى سلم من الصلاة، و التفت رآنى.

قال: من تكون؟ قلت: مسلم مثلك، قال: و ما جاء بك إلى هاهنا؟ قلت: له أنت. فأقبل علىّ و سألنى عن أمرى، فأخبرته عما أمرت به من الاجتماع، و لم يكن الطريق إلا بصورة ما جرى‌[1]من هذه الصورة، و تمكينهم منى و اتخاذهم لى خادما للكنيسة ليقع الاجتماع فسرّ بى، و كاشفنى و كاشفته، و وجدته من كبار الصديقين، فقلت له: كيف حالك بين هؤلاء الكفار، و أنت على ما أنت عليه فى باطن الحال، قال: يا أبا الحجاج، لى فوائد بينهم لا أبلغ مثلها لو كنت من المسلمين.

قلت له: صف، قال: توحيدى و إسلامى و أعمالى خالصة للّه وحده، ما لأحد عليه اطلاع، و آكل حلالا ما فيه شبهة، و أنفع المسلمين نفعا لو كنت أكبر ملوكهم ما بلغته من الدفع عنهم، و كف أذية الكفار حتى لا يصل إليهم، و أفعل منهم من القتل و الإفساد لأحوالهم ما لو كنت أعظم ملوك المسلمين ما بلغته، و سأريك بعض تصرفاتى فيهم. ثم ودعنى و ودعته.

[1]-بداية اللوحة رقم: 68.