نقلته الحقيقية، و بقى على شربته أنفاس يستوفيها، و كان ذلك بعد يومين انتقل الشيخ.
و كان أعيان الشيخ يذكرون خصوصية فتحه، و معاريجه، و اطلاعاته كثيرا، نفع اللّه بهم، و رضى عنه.
و كان منهم فى أول جلوس الشيخ للتربية رجلا يقال له «يونس» هو أول من فتح عليه عند الشيخ، حتى كانوا الفقراء يقولوا: هو بكرى الشيخ، فتح عليه فتحا عزيزا، و كان الشيخ ينوه به، و كان كثير الرؤية للخضر7فسئل الشيخ عنه فأثبت له صحة رؤيته له[1].
فقالوا له: يا سيدى، هذا صاحبك أثبت له رؤية الخضر، أنت يا سيدى ما تراه؟!! قال: نعم مرات، و على السدكرات، رضى اللّه عنهم أجمعين.
أبو القاسم المراغى
و منهم الشيخ الصالح الوالى «أبو القاسم المراغى» من بلاد أخميم، صحب الشيخ صغيرا، و عنده بلغ الحلم، و كان من صغره صالحا، كثير المجاهدات و المعاملات، سهلة عليه، خرج عن دنيا متسعة عن أبيه وجده من أبقار و غيره، و أدخله الشيخ الخلوة و فتح عليه.
و كانت له مخاطبة أثبتها الشيخ له، و استمرت به إلى آخر عمره، و انقاد للشيخ جميع أهله، و كانوا بيتا كبيرا مباركين كلهم يحفظون القرآن، و صحبوا الشيخ و بنى لهم رباطا بالمرابغ كان فيه وقتا بعد موت الشيخ، و لم يزل فى صحبة الشيخ إلى أن انتقل سافر للحجاز على التجريد و جرا له ما جريات الرجال، و كان الشيخ يقدمه
[1]-بداية اللوحة رقم: 78.
فى بعض الأوقات للصلاة و الدعاء و وسع عليه و رزق أولادا صلحاء أتقياء، و انقرضت دائرة الشيخ «أبى الحسن» إلى أن لم يبق منها سواه.
و كان الشيخ المغاور نسج بينى و بينه مودة قبل أن أراه حركته إلى أن جاء إلى مصر بإشارة المغاور، و اجتمع بى و وقع بيننا إخاء أقمنا فيه سنين تزيد على أربعين سنة، و كان لى منه ود و بركة، و أخبر بمخاطبات سمعها فى حق منها أنه قال[1]:
قيل لى عن أخى الصفى ألبسته الرداء؟ قلت: فما هذا الرداء قيل لى: هو فى معنى قولنا: عن إبراهيم أنه كان بى حفيا، و من ذلك أنه قال بمحضر جمع كنت أقرأ فى الليل فأخذت عن القراءة.
و مثل لى أخى الصفى ثم مثل لى رجل فقيه يقال له: القرافى كان ينكر على أخى الصفى بم[2]و هو معروف بذلك، فلما مثلا لى سمعت خطابا يعنى به الصفىأُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَو أشار الخطار لأخى الصفى بهذا الوصف ثم أشار للمنكر:فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ.
و قال مرة أخرى: سمعت خطابا فى حق أخى الصفى من الحق يقول: مشى فى بحبوحة الحضرة، و قال مرة أخرى: قيل لى عن أخى الصفى: هو أحد الستة، بل هو أكبرهم.
و كانوا أصحاب الشيخ «أبو الحسن» سموه «أبو القاسم الصغير» لصغر سنه، و تمييزا لأبى القاسم الكبير الأندلسى، فسمعهم الشيخ «أبو الحسن» يوما و هم يقولون: أبو القاسم الصغير فقال: لم تصغروه و هو عند اللّه كبير.
[1]-بداية اللوحة رقم: 79.
[2]-بداية اللوحة رقم: 80.
فمنهم الشيخ الصالح الولى «أبو العباس الخادم، خدم الشيخ «عبد الرزاق الكبير» و الشيخ «عبد الرحيم العظيم» و الشيخ «أبو الحسن» نفع اللّه بهم، و أدخله الخلوة، و فتح له بما قسم له، و شهد له الشيخ بأنه من[1]الذين قال اللّه فيهم:
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ[2].
بعثه الشيخ «عبد الرحيم» لسوق قنا ليشترى طاجنا، فمضى إلى سوق قنا فلم يجد شيئا فمشى إلى قوص اشترى منها طاجنا و عاد، و لم نجد فى رواحه لقوص و عوده لقنا زمانا زائدا على مسافة شرائه من قنا، رضي اللّه عنه، و كان من أعيان أصحابه الشيخ الإمام «أبو عبد اللّه محمد الشاطبى» صحب الشيخ صحبه حسنة، و ألبسه خرقة التصوف، و لم يلبسها غيره من الشيخ اعتمادا من الشيخ عن نسبة أصحابه فى الباطن؛ فألبسه إياها بسؤاله له ذلك، و أدخله الخلوة و فتح عليها بما قسم له.
و كان له مخاطبات و استقامات فى التصوفات، و خلق جميل، و ولاه الشيخ الإمامة فى خانقاته، و جاء إلى مصر بعد وفاة الشيخ و حصل بينى و بينه ود كثير، و انتفعت به، و اجتمعنا بمكة فى المجاورة سنة ثلاثة و عشرين و ستمائة، و خرجت يوما للطواف بخاطر خطر لى فى غير وقت عادتى للخروج إلى الطواف فيه فأجده فى الطواف.
فقال: ما جاء بك فى غير وقت عادتك؟!! قلت له: وجدت باعثا أزعجنى، قال: هو خاطرى كنت الساعة أطوف و أسمع مخاطبته فى حقك مضمونها: قد عقدت بينكما محبة أخوة فى اللّه، و باللّه، و من اللّه، فأظهرت له قبول ذلك[3]، و السرور به.
[1]-بياض بالأصل.
[2]-سورة المطففين: آية 24.
[3]-بداية اللوحة رقم: 81.
فقال: هل ترى أن يظهر ذلك فى الحسن؟ قلت له: نعم، فمشينا إلى الحجر الأسود قبلناه و عقدنا عنده عقدة الأخوة، و سافر لدمشق و حصل له بها ظهور و انتفع به جماعة، رضي اللّه عنه.
و منهم الشيخ الصالح العارف «أبو الربيع سليمان السهرويدى» صحب الشيخ «صحبة حسنة» أدخله الخلوة، و فتح عليه بما قسم له، و كانت له بداية حسنة، و بذل معتبر فى سبيل اللّه، خرج عنه الشيخ حين بايعه، و عاش بعد الشيخ بجلالة و حرمة، و انتفعت به جماعة، و كان له رباط فى طحطا فى جماعة كانوا يقتدون به رضي اللّه عنه.
و منهم الشيخ الصالح الولى «أبو العباس اليمنى» كان من زهاد الأرض ملتزما، لبس المرقعة، و الاستمرار للاستغراق فى التوجه و الإعراض عن الوجود بالكلية، ملحوظا بالولاية، ثابتا على هذا الحال إلى أن مات، رضي اللّه عنه.
و منهم الشيخ الصالح الولى «أبو الطاهر» رضي اللّه عنه، كان من أعبدهم، مستمر الاشتغال دائما، كبير الانفراد و الخلوة، ملحوظا بالولاية إلى أن انتقل الشيخ و سافر لمكة، و أقام بها على حالة تجريده، و بعده. إلى أن مات بها.
و منهم الشيخ الصالح الفقيه «أبو عبد اللّه محمد بن عبد العزيز خان» الخادم الكبير، رأس الخدام، و صاحب أسرار الشيخ، و كان الشيخ يظهر له الحرمة، و كانت الخدام ستة[1]و عشرين خادما، و وصاه الشيخ على أطفاله أولاده، و كانوا جمعا كبيرا، يضيق الوقت على استيعاب ذكرهم، كملوا ستمائة أكثرهم عاشرناهم و انتفعنا بهم، رضى اللّه عنهم.
[1]-بداية اللوحة رقم: 82.
و كان للشيخ أخوة رجال أعيان منهم: الشيخ العارف «أبو عبد اللّه» كان قبل الشيخ فى السن، صاحب فتوحات و منازلات و مخاطبات، ملحوظ بالحرمة، و أخ آخر يقال له «يوسف» كان قريبا من الشيخ، عزيزا فى دائرته، كان مشاركا لأصحابه فيما كانوا فيه، و أخ آخر يقال له «إسماعيل» كان أجرا ملحوظا بالحرمة، و كلهم مجتمعون على الشيخ، بارين له.
و كان للشيخ ولد كبير من زوجته، و كانت له قبل ابنة الشيخ «عبد الرحيم» تحت دائرة والده، موافقة للفقراء فيما كانوا عليه، جاور بمكة، يسمى «عبد اللّه» رضى اللّه عنهم، و نفعنا بهم أجمعين.
كرامات الشيخ أبى العباس المرينى
و ممن رأيت الشيخ الولى العارف المعظم «أبو العباس المرينى» كان بالمغرب، كثير السياحات، عظيم الكرامات، أقام اثنى عشر سنة لم يحل بينه و بين السماء حجاب، و لا بينه و بين الأرض، و أقام ست سنين بمكة لم يدخل جوفه سوى ماء زمزم، و ربى عليه الشحم و اللحم، فالحظ- رحمك اللّه- طهارة جثته نشأت هذا الإنشاء.
كان له وضلة بالنبى، صلّى اللّه عليه و سلم يرد7بما سلم[1]و يجاوبه مهما تحدث معه، و كان فى مدة سياحته مستغرقا فيها إلى أن رأى يعقوب أمير المؤمنين بالغرب مرأى و أحوال وجدها من نفسه من أحوال المريدين، كان سببها أنه قتل أخاه غيرة على الملك فندم على قتل أخيه ندما أورث له توبة أثرت فى باطنه أحوالا حسنة، و تغير عليها من نفسه ما لا يعهده بثمرة التوبة.
[1]-بداية اللوحة رقم: 83.
فما كان أبركه عليه ذنب. رب قطيعة جلبت وصالا، و كم فى الزوايا من خبايا، فشكى ما يجده لمريده، كانت تدخل قصره فقالت له: هذه أحوال المريدين، و قال لها: كيف أعمل بنفسى، و من تعرفين يداوينى، قالت له: الشيخ «أبو مدين» سيد هذه الطائفة فى هذا الزمان، فبعث «يعقوب» للشيخ «أبى مدين» طلبه طلبا حثيثا و التجأ إليه التجاء اقتضى إجابة الشيخ «أبى مدين» له فقال: نطع اللّه سبحانه و تعالى بطاعته، و أنا فما أصل إليه أنا أموت بتلمسان.
و كان الشيخ حين ذلك فى بجاية، فلما وصل لتلمسان قال لرسل «يعقوب» سلموا على صاحبكم و قولوا له: شفاك اللّه على يد «أبى العباس المرينى» و يفعل على يده، و مات الشيخ سيدنا «أبو مدين» بتلسمان و مضت الرسل ليعقوب فأخبروه بما أوصى به الشيخ؛ فطلب الشيخ «المرينى» طلبا حثيثا[1]، و سيّر إلى كل الجهات إلى أن ظفروا به و أخبروه بما عليه من الطلب، و وجد من الحث سبحانه إذنا بالاجتماع، فمشى إلى أن اجتمع به؛ ففرح «يعقوب» بالظفر بوجوده، فأول ما عمل أن أمر بذبح دجاجات، و خنق أخرى، و أن تطبخ كل واحدة منهما على حدة، و قدمهما بين يدى الشيخ، و سأله أن يتناول الأكل ليواكله، فنظر الشيخ إليهما و أمر الخادم برفع المخنوقة.
قال: ما لهذه حاجة هذه جيفة، و أكل من الأخرى، فسلم «يعقوب» نفسه له، و نزل نفسه معه منزلة خادم، و فتح له على يده، و ترك الملك و ما أدراك ما ملك المغرب، و من «يعقوب» و سلمة لابنه، و اشتغل مع الشيخ فيما كانا يجتمعان عليه، و ثبت قدم «يعقوب» فى الولاية ببركة الشيخ «أبى العباس» و إشارة السيد «أبى مدين».
[1]-بداية اللوحة رقم: 84.
و مما جرى ليعقوب بإشارة الشيخ أن الناس كانوا محتاجين للمطر، فركب الشيخ على بغلته و «يعقوب» على فرس، و خرجا إلى ظاهر مراكش فوصلا إلى رابطة فنزلا بها و قال «أبو العباس المرينى» ليعقوب: صل و استسق للمسلمين.
قال له «يعقوب» أنت أحق و أولى، قال له الشيخ: بهذا أمرت، فصلى «يعقوب» و دعا، فنزل المطر على الفور.
و كان الشيخ يقبل[1]الأموال و يأتى بها إلى الحجاز، و يفرقها فى مكة و المدينة مرارا إلى أن مات، رضي اللّه عنه.
و مما جرى له فى تفرقة الأموال أنه كان يعتمد فى صدقاته على المجاورين الفقراء الصالحين، و يهمل أمر الأشراف لما يرى منهم من القتل و التعدى، و سوء الاعتقاد، فبينما هو راقد ذت ليلة و إذا هو يرى سرادق قد نصب من ظاهر الحرم إلى حجرة النبى صلّى اللّه عليه و سلم، فسأل عنه فقيل: هو السيدة فاطمة، جاءت تزور أباها، و إذا بها قد مرت تحت السرادق، قال: فتعرضت للسلام عليها فأعرضت، فقلت لها:
يا سيدتى ما هذا الإعراض؟ فقالت: يا أحمد، أنفك منك و إن كان أجذم، فاستيقظ للإحسان لسائر الأشراف، فكتب كل من فى المدينة من كبير و صغير و ذكر و أنثى، و صار يعمهم بصدقاته، رضي اللّه عنه[2].
و مما حكاه الشيخ المعظم الجليل «أبو محمد صالح» شيخ دكالة المغرب قال:
كنت مع «أبى العباس المرينى» فى السياحة فغبت عنه، و هو نائم، فجئت إليه أجد حية عظيمة قد تطوقت على حلقه و زبيبتها قبالة وجهه، تقاقى كما تقاقى
[1]-بداية اللوحة رقم: 85.
[2]-لا دليل يسند مثل هذه الروايات إذا كانت الرؤية يقظة إما إن كانت مناما فلا بأس بذلك و عموما فالأحكام الشرعية لا تؤخذ من الرؤى و المنامات.
الدجاجة، ففتح «أبو العباس» عينه رأها ثم نام إلى أن سمعت غطيطه؛ فسمعت مخاطبة من[1]السماء: يا أحمد، لقد عجبت ملائكة السماء من توكلك، ثم تحللت و انصرفت.
و جلس يوما على قرن جبل على البحر المالح؛ فوجد حالة أرمى نفسه من قرن الجبل؛ فنزل فى البحر إلى أن وصل إلى قراره؛ فخرجت له يد رفعته إلى قرن الجبل مكانه، ثم قيل له مخاطبة من الجبل: يا أحمد، كم تجرب نفسك فلقد جربناك فوجدناك صادقا، و كانت له كرامات كثيرة عظيمة، رضي اللّه عنه.
كرامات الشيخ أبى الحجاج الأقصرى
و ممن رأيته الشيخ الولى العارف «أبو الحجاج يوسف الأقصرى» كان من أجلاء أصحاب الشيخ «عبد الرحيم» شيخ الشيخ «أبى الحسن بن الصباغ» كان عظيم الشأن، صحب الشيخ «عبد الرحيم» و الشيخ الكبير «عبد الرزاق» الذى كان يثغر الإسكندرية، من أجل أصحاب السيد «أبى مدين» و صحب هذا الشيخ «يوسف» أيضا الشيخ «حبيب العجمى» و كان هو الغالب عليه فى مواجيده و أحواله، و كان عظيم الشأن، و سيرة الشيخ أبى الحجاج فى كراماته و مكاشفاته و أحواله و آثار تحكماته فى أصحابه فوق الوصف، و قد اتسعت دائرته و انتسب إليه خلق كثيرة، و ظهرت عليه بركات يضيق الوقت عن ذكرها.
و كان يوما فى بدايته و هو شاب[2]عند الشيخ «عبد الرحيم» يا يوسف، أبصر هذه الجارية أين هى؟ فأطرق و قال: يا سيد فى الضيعة الفلانية فى دار فلان، فذهب من سيره الشيخ للضيعة للدار التى ذكرها أخذها و جاء بها للشيخ.
[1]-بداية اللوحة رقم: 86.
[2]-بداية اللوحة رقم: 87.