أعرابي يخطب الجمعة
وبلغنا أن يزيد بن المهلب ولى أعرابياً على بعض كور خراسان فلما كان يوم الجمعة صعد المنبر وقال: الحمد لله، ثم ارتج عليه، فقال: أيها الناس إياكم والدنيا فإنكم لم تجدوها إلا كما قال الله تعالى: الوافر:
وماالدنيا بباقيةٍ لحي ... وما حي على الدنيا بباقي
فقال كاتبه: أصلح الله الأمير هذا شعر، قال: فالدنيا باقية على أحد؟ قال: لا، قال: فيبقى عليها أحد؟ قال: لا، قال: فما كلفتك إذن؟
خلقت السموات والأرض في ستة أشهر
وبلغنا أن بعض العرب خطب في عمل وليه فقال في خطبته: إن الله خلق السموات والأرض في ستة أشهر. فقيل له في ستة أيام، فقال: والله أردت أن أقولها ولكن استقللتها.
قصص منصور بن النعمان
قال: حدثنا أبو بكر النقاش قال: كتب كاتب منصور بن النعمان إليه من البصرة أنه أصاب لصاً فكره الإقدام على قطعه دون الاستطلاع على أمره، وأنه خياط، فكتب إليه: إقطع رجله ودع يده، فقال: إن الله أمر بغير ذلك، فكتب إليه: نفذ ما أمرتك به، فإن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
وأتى منصوراً نخاس ببغل فقال: هذا شراؤه أربعون ديناراً، فقال: لا تربح علي شيئاً هذه المرة، يا غلام اعطه ألفاً وخمسمائة دينار. ودخل على المأمون فقال: يا أمير المؤمنين الموت فاشٍ بالكوفة ولكنه سليم. ودخل على أحمد بن أبي حاتم وهو يتغدى برؤوس، فقال له أحمد: هلم يا أبا سهل فإنها رؤوس الرضع، فقال: هنيئاً أطعمنا الله وإياك من رؤوس أهل الجنة. وقال له المأمون: يا منصور قد مدت دجلة فأشر علينا. فقال: تكتري مئة سقاء يستقون ذا الماء يرشون الطريق، فقال له المأمون: حرت فيك.
إلحس ما كتبت
قال: حدثنا محمد بن خلف قال: قال بعض الولاة لكاتبه: أكتب إلى فلان وعنفه وقل له: بئس ما صنعت يا خرا. فقال الكاتب: أعزك الله لا يحسن هذا في المكاتبة. قال: صدقت إلحس موضع الخرا بلسانك.
يصف نفسه وصفاً وضيعاً
أخبرني الأمير أبو بكر بن بدر قال: شغب رجال على الحسين بن مخلد يوماً وطالبوه بالمال فقال: أنا ما معي مال في بيتي أخرجه وإنما أنا للسلطان كالمرملة إن صب في أعلاي شيئاً أخذتموه من أسفلي، فإن صبرتم إلى أن ترد الأموال فرقت عليكم وإلا فالأمر لكم.
يريد أن يحم اليوم ويشفى غداً
حدثنا أبو علي محمد بن الحسن الكاتب قال: كنت أكتب لأبي الفضل بن علان وهو بأرجان يتقلدها، فقيل له: قدم أبو المنذر النعمان بن عبد الله يريد فارس، والوجه أن تلقاه في غد، وكان ابن الفضل يحم حمى الربع، فقال: كيف أعمل وغداً يوم حماي ولا أتمكن من لقاء الرجل! ولكن الوجه أن أحم الساعة حتى
أقدر عليه غداً، يا غلام هات الدواج حتى أحم الساعة فإذا عنده أنه إذا أراد أن يقدم نوبة الحمى ويصح غداً تأخرت عنه الحمى.
مقوم ناقة صالح
حدثنا المدائين قال: كان عبد الله بن أبي ثور والي المدينة فخطبهم، فقال: أيها الناس اتقوا الله وارجوا التوبة، فإنه أهلك قوم صالح في ناقة قيمتها خمسمائة درهم. فسموه مقوم الناقة وعزله الزبير.
بعث الله محمداً هادياً لا جابياً
قال: وكتب حيان عامل مصر إلى عمر بن عبد العزيز: إن الناس قد أسلموا فليس جزية. فكتب إليه عمر: أبعد الله الجزية إن الله بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً للجزية.
الأمير يجلس للنظر أول من أمس
حدثنا سليمان بن حسن بن مخلد: قال: حدثني أبي قال: كنت عند شجاع بن القاسم وقد دخل قوم من المتظلمين خاطبهم في أمورهم فقال: ليس النظر في هذا الآن والأمير يجلس للنظر في هذا ومثله أول من أمس فتصيرون إليه.
القباء المخرق
دخل شجاع على المستعين مرة وطرف قبائه مخرق، فسأله عن سبب ذلك فقال: اجتزت في الدرب وكان فيه كلب فوطأت قباءه فخرق ذنبي ... فما تمالك المستعين أن ضحك.
عامل الرشيد على الرقة
وعن جرير بن المقفع عن وزير كسرى قال: كان قباذ أحمق، كان يأتي البستان فيشم الريحان في منبته ويقول: لا أقلعه رحمة له. وبلغنا عن نصر بن مقبل وكان عامل الرشيد على الرقة، أنه أمر بجلد شاة الحد، فقالوا إنها بهيمة. قال: الحدود لا تعطل وإن عطلتها فبئس الوالي أنا. فانتهى خبره إلى الرشيد، فلما وقف بين يديه قال: من أنت؟ قال: مولى لبني كلاب، فضحك الرشيد وقال: كيف بصرك بالحكم؟ قال: الناس والبهائم عندي واحد في الحق، ولو وجب الحق على بهيمة وكانت أمي أو أختي لحددتها ولم تأخذني في الله لومة لائم. فأمر الرشيد أن لا يستعان به.
الحكيم والوزير الركيك
حضر بعض حكماء الهند مع وزير ملكهم وكان الوزير ركيكاً فقال للحكيم: ما العلم الأكبر؟ قال: الطب، قال: فإني أعرف من الطب أكثره، قال: فما دواء المبرسم أيها الوزير؟ قال: دواؤه الموت حتى تقل حرارة صدره، ثم يعالج بالأدوية الباردة ليعود حياً، قال: ومن يحييه بعد الموت؟ قال: هذا علم آخر وجد في كتاب النجوم ولم أنظر في شيء منه إلا في باب الحياة فإني وجدت في كتاب النجوم أن الحياة للإنسان خير من الموت، فقال الحكيم: أيها الوزير الموت على كل حال خير للجاهل من الحياة.
عدل أبي خندف
عرض أبو خندف دوابه فأصاب فيها واحدة عجفاء مهزولة فقال: هاتوا الطباخ، فبطحه وضربه خمسين مقرعة، وقال له: ما لهذه الدابة على هذه الحال؟ قال: يا سيدي أنا طباخ ما علمي بأمر الدواب، قال: بالله أنت طباخ! فلم لم تقل
لي؟ اذهب الآن فإذا كان غداً أضرب السائس ستين مقرعة يفضل عشرون فطب نفساً.
تسلمت ثلاثة وهم واحد
وروى أبو الحسن محمد بن هلال الصابىء قال: خرج قوم من الديلم إلى أقطاعهم فظفروا باللص المعروف بالعراقي فحملوه إلى الوزير أبي عبد الله المهلبي فتقدم بإحضار أبي الحسين أحمد بن محمد القزويني الكاتب وكان ينظر في شرطة بغداد، فقال له المهلبي: هذا اللص العيار العراقي الذي عجزتم عن أخذه فخذوه واكتب خطك بتسليمه، فقال: السمع والطاعة إلى ما يأمر به الوزير، ولكنك تقول ثلاثة وهذا واحد فكيف اكتب خطي بتسليم ثلاثة؟ فقال يا هذا، هذا العدد صفة لهذا الواحد فكتب يقول: أحمد بن محمد القزويني الكاتب تسلمت من حضرة الوزير اللص العيار العراقي ثلاثة وهم واحد رجل، وكتب بخطه في التاريخ. فضحك الوزير، وقال لنصراني هناك: قد صحح القزويني مذهبكم في تسليم هذا اللص.
كتابة اللحن
وقال بعض الكتاب لمغنية: أكتبي لي هذا الصوت، فقالت: أنت الكاتب، فقال: أنت تكتبيه بلحنه وأنا لا أحسن أكتبه بلحنه.
الوزير ذو السعادات
قال أبو الحسن بن هلال الصابىء: عرض على الوزير ذي السعادات أبي الفرج صاحبها وطلبها، ففتح الوزير الدواة وكتب على هذه بخط غليظ، هذه لا تصلح، وكتب على أخرى وهذه غير مرضية، وعلى أخرى هذه غالية، وقال: ادفعوها إليه، فأخذها الرجل وقد تلفت عليه. قال: وكان إذا أخطأ الفرس تحته يأمر بقطع علفه تأديباً له، فإذا قيل له في ذلك، قال: أطعموه ولا تعلموه أني علمت بذلك.
لماذا رفض الإسلام
جاء بعض النصارى إلى عبد الله بن بشار وكان عامل المدينة فقال: أريد أن أسلم على يدك، فقال: يا ابن الفاعلة ما وجدت في عسكر أمير المؤمنين أهون مني جئت تريد أن تلقي بيني وبين عيسى ابن مريم كلاماً إلى يوم القيامة.
صعد بعض الولاة المنبر فخطب فقال: إن أكرمتموني أكرمتكم وإن أهنتموني ليكونن أهون علي من ضرطتي هذه، وضرط ضرطة.
هذا الثلج أبرد من ذاك
جاز بعض الأمراء المغفلين على بياع الثلج فقال: أرني ما عندك، فكسر له قطعة وناوله، فقال: أريد أبرد من هذا، فكسر له من الجانب الآخر، فقال: كيف سعر هذا؟ فقال: رطل بدرهم، ومن الأول رطل ونصف بدرهم، فقال: زن من الثاني. وجاز يوماً بطين في باب الشام فقال لأصحابه: السلطان يريد أن يركب فإن أنا رجعت ورأيت هذا الطين موضعه ضربته بالنار ولا ينفعكم شفاعة أحد.
خطب قبيصة وهو خليفة أبيه على خراسان فأتاه كتابه فقال: هذا كتاب الأمير وهو والله أهل أن يطاع وهو أبي وأكبر مني.
ما ورد كتاب من الميت
وحكى أبو إسحاق الصابي أن رجلاً من كبار كتاب العجم يعرف بأبي العباس بن درستويه حضر مجلس أبي الفرج محمد بن العباس وهو جالس للعزاء بأبيه أبي الفضل، وقد ورد نعيه من الأهواز، وعند أبي الفرج رؤساء الدولة، قد ولي الديوان مكان أبيه، فلما تمكن ابن درستويه في المجلس تباكى وقال: لعل هذا إرجاف ورد كتابه، فقال له أبو الفرج: قد ورد عدة كتب، فقال: دع هذا كله، ورد كتابه بخطه؟ فقال: لو ورد كتابه بخطه ما جلسنا للعزاء. فضحك الناس.
لا يفرق بين يوم الحجاجة ويوم القيامة
وأنشد عبد الله بن فضلويه عامل قرميسين في مجلسه والمجلس غاص بأهله، هذا البيت: البسيط:
يوم القيامة يومٌ لا دواء له ... إلا الطلاء وإلا اللهو والطرب
فقال بعض الحاضرين: إنما هو يوم الحجامة. فقال: اعذروني فإني لا أحسن النحو.
الباب الثالث عشر
في ذكر المغفلين من القضاة
قاضٍ لا يميز بين المدح والهجاء
عن ابن الأعرابي قال: خاصم أبو دلامة رجلاً إلى عافية، فقال: المتقارب:
لقد خاصمتني غواة الرجال ... وخاصمتهم سنةً وافيه
فما أدحض الله لي حجةً ... وما خيب الله لي قافيه
فمن كنت من جوره خائفاً ... فلست أخافك يا عافيه
فقال له عافية: لأشكونك لأمير المؤمنين، قال: لم تشكوني؟ قال: لأنك