عقاب البواب الذي ترك الغراب يصيح
وعن عبد الله بن محمد الصوري قال: رأيت سهل بن بشر الكاتب يوماً وقد نعق غراب أبقع على حائط صحن الدار فضاق صدره، وقال: هاتم البواب، فجيء به، فقال: لم تركت هذا الغراب يصيح ها هنا؟ فقال البواب: أيها الأستاذ وأي ذنب لي، أنا أحفظ بابي، وليس هذا ممن يدخل من الباب فيلزمني جنايته، فكيف أستطيع منعه من الصياح؟ فقال: قفاه، فما يصفع صفعاً عظيماً إلى أن شفعت فيه.
شهادتكم بيوم الفطر تؤدي إلى عقابكم
وعن أبي علي النميري قال: تراءينا هلال شوال، فأتينا سوار بن عبد الله لنشهد عنده، فقال حاجبه: أنتم مجانين، الأمير لم يختضب بعد ولم يتهيأ، ولئن وقعت عينه عليكم ليضربنكم مائتين، انطلقوا، فانصرفنا وصام الناس يوم الفطر.
لا تقبل شهادة الأحمق التقي
وعن أبي بكر النقاش قال: قيل لعبد الله بن مسعود القاضي: تجيز شهادة العفيف التقي الأحمق؟ قال: لا، وسأريكم هذا، ادع يا غلام أبا الورد حاجبي، وكان أحمق فلما أتاه قال: اخرج فانظر ما الريح، فخرج ثم رجع فقال: شمال يشوبها جنوب، فقال: كيف ترون؟ أتروني أجيز شهادة مثل هذا؟ قال: وقد ذكر مثل هذه الحكاية ابن قتيبة.
وعن أبي أحمد الحارثي قال: كنت أعاشر بعض كتاب الديلم فسمعته مرة يحلف ويقلو: والله الذي لا إله إلا هو أعني به الطلاق والعتاق.
القائد ثور وامرأته بقرة
قال: وكتب مرة بحضرتي تذكرة بأضاحي يريد تفريقها في دار صاحبه وقد قرب عيد الأضحى، فكتب: القائد ثور، امرأته بقرة، ابنه كبش، ابنته نعجة، الكاتب
تيس، فقلت: يا سيدي الروح الأمين ألقى إليك هذا، فلم يدر ما خاطبته به وسلمت منه.
رسالة إلى صديق
وكتب إلى صديق له: كتبت إليك هذه الكلمات يا سيدي وربي أعني به قميصي من منزلك الذي أنا أسكنه، وقد نفضت الدم من قفاك المرسوم بي، وليس وحق رأسك الذي أحبه عبدي من نبيذك الذي تشربه شيء، فوجه إلي على يدي هذا الرسول فإنه ثفة أوثق مني ومنك.
قال أبو أحمد: وبلغني عن بعض قواد الديلم أنه قال: كاتبي أحذق الناس بأمر الدواب والضياع وشري الأمتعة، وما فيه عيب إلا أنه لا يقرأ ولا يكتب.
تعزية الحجاج في صديق
وعن عبد الله بن إبراهيم الموصلي قال: نابت الحجاج في صديق له مصيبة ورسول لعبد الملك شامي عنده، فقال الحجاج: ليت إنساناً يعزيني بأبيات، فقال الشامي: أقول؟ قال: قل، فقال: وكل خليل سوف يفارق خليله، يموت أو يصاب أو يقع من فوق البيت أو يقع البيت عليه أو يقع في بئر أو يكون شيئاً لا نعرفه فقال الحجاج: قد سليتني عن مصيبتي بأعظم منها في أمير المؤمنين إذ وجه مثلك لي رسولاً.
أطلق الحمار أعزك الله
وجد في بعض الكتب أن قدامة بن زيد وجه غلاماً له إلى قطربل ليبتاع له شراباً وأركبه حماراً، فمضى الغلام وابتاع له الشراب، فلما صار إلى باب قطربل عارضه صاحب المصلحة، فضربه، وأراق ما معه، وحبسه، فاتصل الأمر بقدامة فكتب إلى صاحب الخبر: بسم الله الرحمن الرحيم، جعلت فداك برحمته فإن صاحب مصلحتين
قطربل قويا على غلام لي فضرباه خمسين رطلاً من تقطيع الزكرة، فرأيك أعزك الله في إطلاق الحمار مصاباً إن شاء الله عز وجل.
رسالة إلى طبيب
وكتب بعضهم إلى طبيب: بسم الله الرحمن الرحيم، ويلك يا يوحنا وامتع بك، قد شربت الدواء خمسين مقعداً، المغص والتقطيع يفتل بطني والعينين والرأس، فلا تؤخر باحتباسك عني فسوف تعلم أني سأموت وتبقى بلا أنا، فعلت موفقاً إن شاء الله.
عملت يا طبيب بوصفك فلم يفد
وصف حجاج بن هرون الكاتب لحنين النصراني علة به، فأمره أن يؤخر غداءه ويأخذ في آخر الليل دواء وصفه له، فكتب إليه حجاج من غد: بسم الله الرحمن الرحيم، وأتم نعمته عليك، شربت الدواء وأكلت قليل كسرة واختلف أحمر مثل السلق مغصاً، فرأيك في إنكار ذلك على بطني، فعلت إن شاء الله.
رسالة مختصرة إلى صديق
وكتب بعضهم إلى صديق له: بسم الله الرحمن الرحيم، وجعلني الله فداءك، لولا علة نسيتها لسرت إليك حتى أعرفك بنفسي والسلام.
رسالة اعتذار
وكتب المتوكل إلى محمد بن عبد الله يطلب فهداً فكتب إليه: نجوت عند مقام لا إله إلا الله وصلى الله على سيدنا محمد، فديته إن كان عندي مما طلبته وزن دانق، لا فهد ولا نمر، فلا تظن يا سيدي إني أبخل عليك بالقليل.
وكتب معاوية بن مروان إلى الوليد بن عبد الملك: قد بعثت إليك خزاً أحمر وأحمى.
نحن في خير ولكن قتل أكثر الأسرة
وكتب رجل من البصرة إلى أبيه: كتبت إليك يا أبت نحن كما يسرك الله عونه وقوته، لم يحدث علينا بعدك إلا كل خير، إلا أن حائطاً لنا وقع على أمي وأخي الصغير وأختي والجارية والحمار والديك والشاة ولم يفلت غيري.
وكتب أبو كعب إلى منزله كتاباً عنوانه: من أبي كعب يدفع عنوانه في عياله إن شاء الله.
رسالة من ولد ملك
وكتب بعض ولد الملوك إلى بعض: استوهب الله المكاره فيك برحمته، أنا وحق جدي رسول الله الذي لا إله إلا هو، أحبك أشد من جدي المتوكل، فقد بلغني أنه قد جاءك من النبيذ شيء كثير كثير شطراً، وأنا أحبه شديد شديد شطراً آخر، وبحياتي عليك ألا بعثت إلي دستجة أو خمس دبات أو ستة أو سبعة أو أكثر جياد بالغة وإلا فثلاث خماسيات ولا تردني فأحرد موفقاً إن شاء الله.
الباب الخامس عشر
في ذكر المغفلين من المؤذنين
عن أبي بكر النقاش قال: حدثنا أن أعرابياً سمع مؤذناً كان يقول: أشهد أن محمداً رسول الله بالنصب فقال: ويحك فعل ماذا؟ وعن محمد بن خلف قال: قيل لمؤذن ما يسمع أذانك فلو رفعت صوتك، فقال: إني لأسمع صوتي من ميل. وقال بعضهم: رأيت مؤذناً يؤذن ثم عدا، فقلت: إلى أين؟ فقال: أن أحب أعرف إلى أين يبلغ صوتي.
وأذن مؤذن فقيل له: ما أحسن صوتك؟ فقال: إن أمي كانت تطعمني البلادة وأنا صغير. يريد البلادر. وعن شريح بن يزيد قال: كان سعيد بن سنان المهدي مؤذناً بجامع حمص، وكان شيخاً صالحاً يسحر الناس في رمضان فيقول في تسحيره: استحثو قديراتكم، عجلوا في أكلكم قبل أن أأذن فيسخم الله وجوهكم وتحردوا.
الباب السادس عشر
في ذكر المغفلين من الأئمة
يحفظ مكان الإمام حتى يجيء
عن أبي العيناء قال: كان المدني في الصف من وراء الإمام، فذكر الإمام شيئاً فقطع الصلاة وقدم المدني ليؤمهم، فوقف طويلاً، فلما أعيا الناس سبحوا له وهو لا يتحرك فنحوه وقدموا غيره، فعاتبوه فقال: ظننته يقول لي: احفظ مكاني حتى أجيء.
كلهم أعداء لا نبالي بهم
وعن محمد بن خلف قال: مر رجل بإمام يصلي بقوم فقرأ: آلم غلبت الترك، فلما فرغ قلت: يا هذا، إنما هو " غلبت الروم " فقال: كلهم أعداء لا نبالي من ذكر منهم.
الأعمش يصلي خلف إمام ثقيل
وعن مندل بن علي قال: خرج الأعمش ذات يوم من منزله بسحر، فمر بمسجد بني أسد وقد أقام المؤذن الصلاة، فدخل يصلي، فافتتح الإمام الركعة الأولى بالبقرة ثم في الركعة الثانية آل عمران، فلما انصرف قال له الأعمش: أما تتقي الله، أما سمعت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أم الناس فليخفف فإن خلفه الكبير والضعيف وذا الحاجة ". فقال الإمام قال الله عز وجل: " وإنها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين ". فقال الأعمش: أنا رسول الخاشعين إليك بأنك ثقيل.
تصحيح الخطأ بالرفس
وعن المدائني قال: قرأ إمام ولا الظالين بالظاء المعجمة، فرفسه رجل من خلفه، فقال الإمام: آه ضهري، فقال له رجل: يا كذا وكذا خذ الضاد من ضهرك واجعلها في الظالين وأنت في عافية، وكان الراد عليه طويل اللحية.
لا تطل في صلاتك أيها الإمام
قال الجاحظ: أخبرني أبو العنبس قال: كان رجل طويل اللحية أحمق جارنا، وكان أقام بمسجد المحلة يعمره ويؤذن فيه ويصلي، وكان يعتمد السور الطوال ويصلي بها، فصلى ليلة بهم العشاء فطول، فضجوا منه، وقالوا: اعتزل مسجدنا حتى نقيم غيرك فإنك تطول في صلاتك وخلفك الضعيف وذو الحاجة، فقال: لا أطول بعد ذلك، فتركوه، فلما كان من الغد أقام وتقدم فكبر وقرأ الحمد، ثم فكر طويلاً وصاح فيهم: إيش تقولون في عبس؟ فلم يكلمه أحد إلا شيخ أطول لحية منه وأقل عقلاً، فإنه قال: كيسة مر فيها.
إمام لا يحسب
وقرأ إمام في صلاته وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر، فتم ميقات ربه خمسين ليلة فجذبه رجل وقال: ما تحسن تقرأ ما تحسن تحسب.
أطال الإمام فهرب المصلون
وتقدم إمام فصلى فلما قرأ الحمد افتتح بسورة يوسف، فانصرف القوم وتركوه، فلما أحس بانصرافهم قال: سبحان الله! " قل هو الله أحد ". فرجعوا فصلوا معه.
ارتج على الإمام فظل يردد
وقرأ إمام في صلاته: " إذا الشمس كورت " فلما بلغ قوله: " فأين تذهبون "، ارتج عيه وجعل يردد حتى كادت تطلع الشمس، وكان خلفه رجل معه جراب فضرب به رأس الإمام وقال: أما أنا فأذهب، وهؤلاء لا أدري إلى أين يذهبون.
الباب السابع عشر
في ذكر المغفلين من الأعراب
الأعرابي والخياط
عن أبي عثمان المازني أنه قال: قدم أعرابي على بعض أقاربه بالبصرة، فدفعوا له ثوباً ليقطع منه قميصاً، فدفع الثوب إلى الخياط فقدر عليه ثم خرق منه، قال: لم خرقت ثوبي؟ قال: لا يجوز خياطته إلا بتخريقه، وكان مع الأعرابي هراوة من أرزن فشج بها الخياط، فرمى بالثوب وهرب، فتبعه الأعرابي وأنشد يقول: الكامل:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... فيما مضى من سالف الأحقاب
من فعل علج جئته ليخيط لي ... ثوباً فخرقه كفعل مصاب
فعلوته بهراوةٍ كانت معي ... فسعى وأدبر هارباً للباب
أيشق ثوبي ثم يقعد آمناً ... كلا ومنزل سورة الأحزاب
الكريم لا يرجع في هبته
وعن الأصمعي أنه قال: مررت بأعرابي يصلي بالناس فصليت معه، فقرأ والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها كلمة بلغت منتهاها لن يدخل النار ولن يراها رجل نهى النفس عن هواها، فقلت له: ليس هذا من كتاب الله، قال: فعلمني، فعلمته الفاتحة والإخلاص، ثم مررت بعد أيام، فإذا هو يقرأ الفاتحة وحدها، فقلت له: ما للسورة الأخرى؟ قال: وهبتها لابن عم لي، والكريم لا يرجع في هبته.