إنما تخفض حرفاً واحداً لا بلداً له خمسمائة قرية.
يزين الرجال علمهم لا مظهرهم
قال أبو الفضل بن المهدي: قال لي أبو محمد الأزدي: واظب على العلم فإنه يزين الرجال، كنت يوماً في حلقة أبي سعيد يعني السيرافي فجاء ابن عبد الملك خطيب جامع المنصور وعليه السواد والطويلة والسيف والمنطقة، فقام الناس إليه وأجلوه، فلما جلس قال: لقد عرفت قطعة من هذا العلم وأريد أن أستزيد منه، فأيهما خير سيبويه أو الفصيح؟ فضحك الشيخ ومن في حلقته ثم قال: يا سيدنا محبرة اسم أوفعل أو حرف؟ فسكت ثم قال: حرف. فلما قام لم يقم له أحد.
فصل
في عدم مخاطبة العوام بالإعراب
وقد تكلم قوم من النحويين بالإعراب مع العوام فكان ذلك من جنس التغفيل وإن كان صواباً لا ينبغي أن يكلم كل قوم إلا بما يفهمون.
لا يخاطب العامة بالنحو
قال ابن عقيل: كان شيخنا أبو القاسم بن برهان الأسدي يقول
لأصحابه: إياكم والنحو بين العامة فإنه كاللحن بين الخاصة. قال ابن عقيل: وتعليل هذا أن التحقيق بين المحرفين ضائع، وتضييع العلم لا يحل، ولهذا روي: حدثوا الناس بما يعقلون أتحبون أن يكذب على الله ورسوله؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا عمير ما فعل النغير " ولعب مع الحسن والحسين، وإنما نسب المعلمون للحماقة لمعاملتهم الصبيان بالتحقيق.
هرب المتقاضيان من القاضي الفصيح
قال الأصمعي: كان يحيى بن معمر قاضياً بخراسان، فتقدم إليه رجل وامرأته فقال يحيى للرجل: رأيت إن سألتك حق شكرها وشبرك إن شاءت تطلها وتضهلها، قال: يقول الرجل لامرأته والله ما أدري ما يقول، قومي حتى ننصرف. الشكر: الفرج والشبر: النكاح وتطلها: تبطل حقها وتضهلها: تعطيها حقها قليلاً قليلاً. وكذلك قال عيسى بن عمر ليوسف بن عمر وهو يضربه بالسياط: والله إن
كانت إلا أثياباً في اسيفاط قبضها عشاروك. قال ابن قتيبة: ومثل هذا يستقبح والأدب غض فكيف اليوم؟
نحوي في كنيف
وقع نحوي في كنيف فصاح به الكناس: أنت في الحياة. قال: ابغ لي سلماً وثيقاً وامسكه امساكاً رفيقاً ولا بأس علي، فقال له: لو كنت تركت الفضول يوماً لتركته الساعة وأنت في الخرا إلى الحلق.
نحوي عند بائع بطيخ
وقف نحوي على صاحب بطيخ فقال: بكم تلك وذانك الفاردة؟ فنظر يميناً وشمالاً ثم قال: اعذرني فما عندي شيء يصلح للصفع.
نحوي عند زجاج
وقف نحوي على زجاج فقال: بكم هاتان القنينتان اللتان فيهما نكتتان خضراوتان؟ فقال الزجاج: " مدهامتان فبأي آلاء ربكما تكذبان ".
نحوي عند قصاب
وعن أبي زيد النحوي قال: وقفت على قصاب وعنده بطون، فقلت: بكم البطنان؟ فقال: بدرهمان يا ثقيلان.
وعن أحمد بن محمد الجوهري قال: سمعت أبا زيد النحوي، قال: وقفت على قصاب وقد أخرج بطنين سمينين فعلقهما، فقلت: بكم البطنان؟ فقال: بمصفعان يا مضرطان. ففرت لئلا يسمع الناس فيضحكون.
نحوي عند نخاس
قال: حدثنا أبو حمزة المؤدب قال: حدثنا أحمد بن محمد القزويني وكان شاعراً أنه دخل سوق النخاسين بالكوفة فقعد إلى نخاس فقال: يا نخاس اطلب لي حماراً لا بالصغير المحتقر ولا بالكبير المشتهر، إن أقللت علفه صبر وإن أكثرت علفه شكر، لا يدخل تحت البواري ولا يزاحم بي السواري، إذا خلا في الطريق تدفق وإذا أكثر الزحام ترفق، فقال له النخاس بعد أن نظر إليه ساعة: دعني، إذا مسخ الله القاضي حماراً اشتريته لك.
حدثنا بعض أصحابنا قال: قلت لبقال: عندك بسر فرساً؟ قال: عندي قرعة.
نحوي عند طبيب
وعن إسحاق بن محمد الكوفي قال: جاء أبو علقمة إلى عمر الطبيب فقال: أكلت دعلجاً فأصابني في بطني سجح، فقال: خذ غلوص وخلوص، فقال أبو علقمة: وما هذا؟ قال: وما الذي قلت أنت؟ كلمني بما أفهم، قال: أكلت زبداً في سكرجة فأصابني نفخ في بطني، فقال: خذ صعتراً.
ودخل أبو علقمة النحوي على أعين الطبيب، فقال: امتع الله بك، إني أكلت من لحوم هذه الجوازم فطسئت طسأة فأصابني وجع من الوالبة إلى ذات العنق، فلم يزل يربو وينمو حتى خالط الحلب والشراسيف فهل عندك دواء؟ قال: نعم خذ حرقفاً وسلقفاً وسرقفاً فزهزقه وزقزقه واغسله بماء روث واشربه، فقال أبو علقمة: لم أفهم عنك هذا، فقال: أفهمتك كما أفهمتني.
نحوي عند جرار
قال: حدثنا أبو عثمان عن أبي حمزة المؤدب قال: دخل أبو علقمة النحوي سوق الجرارين بالكوفة، فوقف على جرار فقال، أجد عندك جرة لا فقداء ولا دباء ولا مطربلة الجانب، ولتكن نجبة خضراء نضراء قد خف محملها وأتعبت صانعها، قد مستها النار بألسنتها، أن نقرتها طنت، وإن أصابتها الريح رنت؟ فرفع الجرار رأسه إليه ثم قال له: النطس بكور الجروان أحر وجكى، والدقس باني والطبر لري شك لك بك، ثم صاح الجرار: يا غلام شرج ثم درب وإلى الوالي
فقرب، يا أيها الناس، من بلي بمثل ما نحن فيه؟ وأنشد لثعلب. السريع:
إن شئت أن تصبح بين الورى ... ما بين شتام ومغتاب
فكن عبوساً حين تلقاهم ... وكلم الناس بإعراب
الباب التاسع عشر
في ذكر من قال شعراً من المغفلين
أنشد بعض الحمقى
عن المبرد قال: قال الجاحظ: أنشدني بعض الحمقى: مجزوء الرمل:
إن داء الحب سقمٌ ... ليس يهنيه القرار
ونجا من كان لا يع ... شق من تلك المخازي
فقلت: إن القافية الأولى راء والثاني زاي؟ فقال: لا تنقط شيئاً، فقلت: إن الأولى مرفوعة والثانية مكسورة، فقال: أنا أقول تنقط وهو يشكل.
ألجاته ضرورة الشعر إلى الطلاق
وحكى بعضهم: قال: اجتمعنا ثلاثة نفر من الشعراء في قرية تسمى طيهاثا فشربنا يومنا، ثم قلنا: ليقل كل واحد بيت شعر في وصف يومنا فقلت: نلنا لذيذ العيش في طيهاثا، فقال الثاني: لما احتثثنا القدح احتثاثا
فارتج على الثالث فقال: امرأته طالق ثلاثا ثم قعد يبكي على امرأته ونحن نضحك عليه.
الأمير كسنور وأعداؤه كالفئران
عن أبي الحسن علي بن منصور الحلبي قال: كنت أحضر مجلس سيف الدولة فحضرته وقد انصرف من غزو عدو له ظفر به، فدخل الشعراء ليهنئوه فدخل رجل وأنشد: الطويل:
وكانوا كفأرٍ وسوسوا خلف حائطٍ ... وكنت كسنورٍ عليهم تسلقا
فأمر سيف الدولة بإخراجه، فقام على الباب يبكي، فأخبر سيف الدولة ببكائه فأمر برده فقال: ما لك تبكي؟ فقال: قصدت مولانا بكل ما أقدر عليه فلما خاب أملي وقابلني بالهوان ذلت نفسي فبكيت، فقال له سيف الدولة: ويلك من يكون له مثل هذا النثر يكون له ذلك النظم! فكم أملت؟ قال: خمس مائة درهم فأمر له بألف درهم.
شعر تستحق أم قائله الطلاق
عن الصولي، قال لمحمد بن الحسن ابن فقال له: إني قد قلت شعراً، قال: انشدنيه، قال: فإن أجدت تهب لي جاريةً أو غلاماً؟ قال: أجمعهما لك. فأنشده: مجزوء الكامل:
إن الديار طيفا ... هيجن حزناً قد عفا
أبكينني لشقاوتي ... وجعلن رأسي كالقفا
فقال: يا بني، والله ما تستاهل جاريةً ولا غلاماً، ولكن أمك مني طالق ثلاثاً إذا ولدت مثلك.
منا الوزير ومنا الأمير ومنا أنا
قال أبو سجادة الفقيه في شعر له:
المتقارب:
ومنا الوزير ومنا الأمير ... ومنا المشير ومنا أنا
يقع التغفيل من فطناء الشعراء
وقد وقع شيء يشبه التغفيل من فطناء الشعراء، قال: فإن البحتري دخل على بعض من يمدحه فأنشده: لك الويل من ليل تطاول آخره فقال الممدوح: لك الويل والحرب.
ومدح رجل معن بن زائدة فقال: الطويل:
أتيتك إذا لم يبق غيرك جابر ... ولا واهب يعطي اللها والرغائبا
فقال معن: ليس هذا مدحاً، وهلا قلت كما قال أخو بني تيم لمالك بن مسمع: الخفيف:
قلدته عرى الأمور نزار ... قبل أن تملك السراة النحورا