المزابلي، فلما اشتم المزابلي تلك الرائحة وسمع الصوت قال: ما لك عافاك الله ومن أنت؟ قال: أنا جبرائيل أرسلني ربي، فلم يشك المزابلي في صدق القول وأجهش بالبكاء والدعاء، فقال: يا جبرائيل ومن أنا حتى يرسلك الله إلي؟ فقال: الرحمن يقرئك السلام ويقول لك: موسى الزكوري غداً رفيقك في الجنة. فصعق أبو عبد الله فتركه موسى فرجع، فلما كان من الغد كان يوم الجمعة أقبل المزابلي يخبر الناس برسالة جبرائيل ويقول: تمسوا بابن الزكوري واسألوه أن يجعلني في حل واطلبوه لي، فأقبل العامة إلى دار ابن الوكوري يطلبونه ويستحلونه.
ضرس الكافر مثل أحد
عن أبي النقاش عن شيخ له قال: كنت في جامع واسط ورجلان يحدثان في حديث جهنم، فقال أحدهما: بلغني أن الله عز وجل يعظم خلق الكافر حتى يكون ضرسه مثل أحد، فقال له الآخر: ليس هذا أمره. وإلى جانبهما شيخ متأله كثير الصلاة فالتفت إليهما فقال: لا تنكروا هذا، إن الله على كل شيء قدير، وتصديق ما كنتما فيه كتاب الله، قال: وما ذاك يا عم؟ قال: قوله تعالى: فأولئك يبدل الله سنانهم خشبات فهو ما يبدل السن خشبة إلا وهو قادر على أن يجعله مثل أحد.
كيف استراح من الشك
عن الزهري قال: بلغني عن حجاج الشاعر أنه مر يوماً في درب وفي آخره ميزاب، قال: أصابني لم يصبني أصابني، فلما طال عليه ذلك، جاء وجلس تحته وقال: استرحت من الشك.
الزاهد المغفل
عن أبي علي الطائي قال: قرأ رجل عند بعض المتزهدين وكان مغفلاً: " وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه " فقال: دعنا من آيات الفجار.
تواضع عجيب غريب
عن محمد المخرمي قال: كنا في مجلس فشممت رائحة أنكرتها، فنظرت فإذا رجل قد وضع في شاربه عذرة، فقلت له: ما هذا؟ قال: تواضعاً لربي عز وجل.
التقي العاقل لا يتباهى بتقواه
قال طاهر بن الحسين للمروزي: منذ كم دخلت العراق؟ قال: منذ عشرين سنة وإني أصوم الدهر منذ ثلاثين سنة، قال طاهر: سألتك عن مسألة فأجبتني عن مسألتين.
آية سببت له الخشوع والوجد
عن أبي عثمان الجاحظ قال: أخبرني يحيى بن جعفر قال: كان لي جار من أهل فارس وكان بلحية ما رأيت أطول منها قط، وكان طول الليل يبكي، فأنبهني ذات ليلة بكاؤه ونحيبه وهو يشهق ويضرب على رأسه وصدره ويردد آية من كتاب الله تعالى، فلما رأيت ما نزل به قلت لأسمعن هذه الآية التي قتلت هذا وأذهب نومي، فتسمعت عليه فإذا الآية " يسألونك عن المحيض قل هو أذى " فعلمت أن طول اللحية لا يخلف.
لا أترك تسبيحاً تعلمته
وعنه، قال: أخبرني النظام قال: مررت بناحية باب الشام فرأيت شيخاً قاعداً على باب داره وبين يديه حصى ونوى، وهو يسبح ويعد بهما ويقول: حسبي الله حسبي الله، فقلت: يا عم ليس هذا هو التسبيح، قال: كيف هو
التسبيح عندك؟ قلت: سبحان الله، قال: يا أحمق هذا تسبيح تعلمته بعبادان منذ ستين سنة أسبح به، فاتركه لقولك يا جهل.
دعاء المغفل
وقال: رأيت أبا محمد السيرافي، وكان طويل اللحية يدعو ربه وقد رفع يديه إلى السماء وهو يقول: يا منقذ الموتى، ومنجي الغرقى، وقابل التوبات، وراحم العثرات، أنت تجد من ترحمه غيري وأنا لا أجد من يعذبني سواك.
دعاء الله والملائكة والناس
قال: رأيت أبا سعيدي البصري يدعو ربه، وكان طويل اللحية أحمق، وهو يقول: يا رباه، يا سيداه، يا مولاه، يا جبرائيل، يا إسرافيل، يا ميكائيل، يا كعب الأحبار يا أويس القرني بحق محمد وجرجيس عليك، ارخص أمتك على الدقيق.
خشوع الحمقى
عن بشر بن عبد الوهاب قال: كان يجلس إلى عمود في دمشق رجل جميل الهيئة، فرأيته يوماً وقد سجد ويقول في سجوده: سجد لك خضرتي وحمرتي وصفرتي وبياضي وسوادي، خاشعاً ضارعاً خاضعاً ماصاً لبظر أمه، ومن أنا عندك؟! الزاني ابن الزانية حتى لا تغفر له؟
النظر إلى الدنيا بعينين، إسراف
كان لأبي العتاهية تلميذ تصوف وتزهد وقير إحدى عينيه وقال: النظر إلى الدنيا بعينين إسراف.
من كان بين محمد وآله
قال بعضهم: كان لي عم له سبعو سنة، فسمعته يقول في دعائه: بمن كان بين محمد وآله من النبيين والمرسلين، فقلت له: يا عم، اسمعك تدعو بهذا الدعاء فمن كان بين محمد وآله من النبيين والمرسلين؟ فقال: العشرة الذين بايعوه تحت الشجرة.
قصة متزهد لا يعرف من هم الأنبياء
قال بعض معارفنا: إنه حضر في بعض البلاد عند متزهد، وحضر جماعة يتبركون به، منهم قاضي البلاد، فجرى ذكر لوط عليه السلام فقال المتزهد: عليه لعنة الله، فقيل له: ويحك هذا نبي، فقال: ما علمت، ثم التفت إلى القاضي فقال: خذ علي التوبة مما قلت، فتاب، ثم أفاضوا في الحديث فجرى ذكر فرعون فقالوا له: ما تقول فيه؟ فقال: أنا الآن تبت فلا أدخل بين الأنبياء.
الباب الثاني والعشرون
في ذكر المغفلين من المعلمين
معاشرة الصبيان سبب للغفلة
وهذا شيء قل أن يخطىء ونراه مطرداً، ولا نظن السبب في ذلك إلا معاشرة الصبيان، وقد بلغني أن بعض المؤدبين للمأمون أساء أدبه على المأمون وكان صغيراً، فقال المؤمون: ما ظنك بمن يجلو عقولنا بأدبه ويصدأ عقله بجهلنا، ويوقرنا بزكانته ونستخفه بطيشنا، ويشحذ أذهاننا بفوائده ويكل ذهنه بغينا، فلا يزال يعارض بعلمه جهلنا، وبيقظته غفلتنا، وبكماله نقصنا، حتى نستغرق محمود خصاله، ويستغرق مذموم خصالنا، فإذا برعنا في الاستفادة برع هو في البلادة، وإذا تحلينا بأوفر الآداب تعطل من جميع الأسباب، فنحن الدهر ننزع منه آدابه المكتسبة فنستفيدها دونه ونثبت فيه أخلاقنا الغريزية فينفرد بها دوننا، فهو طول عمره يكسبنا عقلاً ويكتسب منا جهلاً، فهو كذبالة السراج ودودة القز.
قاضٍ لا يقبل شهادة المعلمين
قال الجاحظ: كان ابن شبرمة لا يقبل شهادة المعلمين. وكان بعض الفقهاء يقول: النساء أعدل شهادة من معلم.
معرفة المؤدب بالقراء عجيبة
وقد روينا أن الشعبي قال: سمعت أبا بكر يقول: مررت بمؤدب وقد تلا على غلام فريق في الجنة وفريق السعير فقلت: ما قال الله من هذا شيئاً، إنما هو " فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير " فقال: أنت تقرأ على حرف أبي عاصم بن علاء الكسائي، وأنا أقرأ على حرف أبي حمزة بن عاصم المدني، قلت: معرفتك بالقراء أعجب وأغرب.
حيلة المعلم للإمساك بتلميذه
قال: حدثنا محمد بن خلف قال: قال بعض المجان: مررت ببعض دور الملوك، فإذا أنا بمعلم خلف ستر قائم على أربعة ينبح نبح الكلاب، فنظرت إليه فإذا صبي خرج من خلف الستر، فقبض عليه المعلم، فقلت للمعلم: عرفني خبرك، قال: نعم، هذا صبي يبغض التأديب ويفر، ويدخل إلى الداخل ولا يخرج، وإذا طلبته بكى، وله كلب يلعب به فأنبح له فيظن أني كلبه ويخرج إليه فآخذه.
لماذا أقرأ الكسائي بالري
عن الكسائي قال: كان الذي دعاني أن أقرأت بالري أني مررت بمعلم صبيان يقرأ ذواتى أكل خمط وأتل بالتاء فتجاوزته فإذا معلم آخر قد ذكرت له ذلك فقال: أخطأ، الصواب وابل فدعاني إني أقرأت الصبيان.
قال الجاحظ: قلت لبعض المعلمين: ما لي لا أرى لك عصا؟ قال: لا أحتاج إليها، إنما أقول لمن يرفع صوته أمه زانية فيرفعون أصواتهم وهذا أبلغ من العصاة وأسلم.
لماذا يضرب معلم غلمانه
قال: وقلت لمعلم: لم تضرب غلمانك من غير جرم؟ قال: جرمهم أعظم الأجرام، يدعون لي أن أحج، وإن حججت تفرقوا في المكاتب فمتى أحج أنا مجنون؟
انصرفوا اليوم أيها الصبيان
قال غلام للصبيان: هل لكم أن يفلتنا الشيخ اليوم؟ قالوا: نعم، قال: تعالوا لنشهد عليه أنه مريض، فجاء واحد منهم فقال: أراك ضعيفاً جداً وأظنك ستحم، فلو مضيت إلى منزلك واسترحت، فقال لأحدهم: يا فلان، يزعم فلان أني عليل، فقال: صدق الله وهل يخفى هذا على جميع الغلمان إن سألتهم أخبروك، فسألهم فشهدوا، فقال لهم: انصرفوا اليوم وتعالوا غداً.
ضرب معلم غلاماً، فقيل: لم تضربه؟ فقال: إنما أضربه قبل أن يذنب لئلا يذنب.
الجاحظ والمعلم
قيل: إن معلماً جاء إلى الجاحظ فقال: أنت الذي صنعت كتاب المعلمين تعيبهم؟ قال: نعم، قال: وذكرت فيه بعض المعلمين جاء إلى الصياد وقال: إيش تصطاد طرياً أم مالحاً؟ قال: نعم، قال: ذلك أبله ولو كان فيه ذكاء كان يقف
فينظر أن خرج طري علم أو خرج مالح علم.
المعلم والصبيان يتصافعون
قال الجاحظ: مررت بمعلم وصبيانه يتصافعون وبعضهم يصفع المعلم فقلت لهم: ما هذا؟ قال: يكون لي عليهم دين، فقلت له: ينسى ويقضى لا أراه يحصل شيئاً.
انتقام معلم
قال: مررت بمعلم وقد كتب لغلام وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه، يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك، فيكيدوا لك كيداً وأكيد كيداً فمهل الكافرين أمهلهم رويداً فقلت له: ويحك فقد أدخلت سورة في سورة، قال: نعم، إذا كان أبوه يدخل شهراً في شهر، فأنا أيضاً أدخل سورة في سورة فلا آخذ شيئاً ولا ابنه يتعلم شيئاً.
ذهب صبيانه يتصافعون
قال الجاحظ: ومررت بمعلم صبيان وهو جالس وحده وليس عنده صبيانه فقلت له: ما فعل صبيانك؟ قال: ذهبوا يتصافعون، فقلت: اذهب وانظر إليهم، فقال: إن كان ولابد، فغط رأسك لئلا يحسبوك أنا فيصفعوك حتى تعمى.
الجمل يعض إذن نفسه
ورأيت معلماً قد جاءه غلامان قد تعلق كل واحد منهما بالآخر، فقال: يا معلم هذا عض أذني، فقال: ما عضضتها وإنما عض نفسه، فقال: يا ابن الخبيثة جمل حتى يعض أذن نفسه؟
سرق الصبيان خبز المعلم
قال الجاحظ: من أعجب ما رأيت معلماً بالكوفة وهو شيخ جالس ناحية من الصبيان يبكي، فقلت له: يا عم مم تبكي! قال: سرق الصبيان خبزي.
لماذا يشتم المعلم
قال أبو العنبس: كان ببغداد معلم يشتم الصبيان، فدخلت عليه وشيخ معي، فقلنا: لا يحل لك، فقال: ما أشتم إلا من يستحق الشتم، فاحضروا حتى تسمعوا ما أنا فيه، فحضرنا يوماً فقرأ صبي عليها ملائكة غلاظ شداد يعصون الله ما أمرهم ولا يفعلون ما يؤمرون فقال: ليس هؤلاء ملائكة ولا أعراب ولا أكراد. فضحكنا حتى بال أحدنا في سراويله.
وقرأ عليه آخر وهم الذين يقولون لا تنفقوا إلا من عند رسول الله فقال: يا ابن الفاعلة أتلزم النبي بنفقة مال لا تجب عليه؟
شرط بين المعلم والصبيان
قال بعضهم: مررت بمعلم الصبيان، يضربونه وينتفون لحيته، فتقدمت لأخلصه فمنعني وقال: دعهم، بيني وبينهم شرط، إن سبقتهم إلى الكتاب ضربتهم، وإن سبقوني ضربوني، واليوم غلبني النوم فتأخرت ولكن وحياتك إلا بكرت غداً من نصف الليل وتنظر فعلي بهم، فالتفت إليه صبي وقال: أنا أبات الليلة ها هنا حتى تجيء وأصفعك.
المعلم حل المعضلة
عن أبي الفتح محمد بن أحمد الحريمي قال: كان عندنا بخراسان إنسان قروي فكان له عجل، فدخل داره وأدخل رأسه في جب الماء ليشرب، فبقي رأسه في الجب فجعل يعالج رأسه ليخرجه من الجب فلم يقدر، فاستحضر معلم القرية فقال: قد وقعت واقعة، قال: فما هي؟ فأحضره وأراه العجل فقال: أنا أخلصك أعطني سكيناً. فذبح العجل فوقع رأسه في الجب وأخذ حجراً وكسر الجب، فقال القروي: بارك الله فيك قتلت العجل وكسرت الجب.