الباب الثاني
أن الحمق غريزة
عن إبي إسحاق قال: إذا بلغك أن غنياً افتقر فصدق، وإذ بلغك أن فقيراً استغنى فصدق، وإذا بلغك أن حياً مات فصدق، وإذا بلغك أن أحمق استفاد عقلاً فلا تصدق.
القاضي أبو يوسف يتكلم عن الحماقة
عن أبي يوسف القاضي قال: ثلاث، صدق باثنتين ولا تصدق بواحدة، إن قيل لك إن رجلاً كان معك فتوارى خلف حائط فمات فصدق، وإن قيل لك إن رجلاً فقيراً خرج إلى بلد فاستفاد مالاً فصدق، وإن قيل لك إن أحمق خرج إلى بلد فاستفاد عقلاً فلا تصدق.
عن الأوزاعي إنه يقول: بلغني أنه قيل لعيسى ابن مريم عليه السلام: يا روح الله إنك تحيي الموتى؟ قال: نعم بإذن الله. قيل وتبرىء الأكمة؟ قال: نعم بإذن الله. قيل: فما دواء الحمق؟ قال: هذا الذي أعياني،
قال جعفر بن محمد: الأدب عند الأحمق كالماء في أصول الحنظل، كلما ازداد رياً زاد مرارة.
الحمق شر من الرعونة
قال المأمون: تدرون ما جرى بيني وبين أمير المؤمنين هرون الرشيد؟ كان لي إليه ذنب فدخلت مسلماً عليه، فقال: أغرب يا أحمق. فانصرفت مغضباً ولم أدخل إليه أياماًن فكتب إلي رقعة يقول: الخفيف:
ليت شعري وقد تمادى بك الهج ... ر أمنك التفريط أم كان مني
إن تكن خنتنا فعنك عفا الل ... هـ وإن كنت خنتكم فاعف عني
فسرت إليه، فقال: إن كان الذنب لنا فقد استغفرناك، وإن كان لك فقد غفرناه. فقلت له: قلت له يا أحمق ولو قلت لي يا أرعن كان أسهل علي. فقال: ما الفرق بينهما؟ قلت له: الرعونة تتولد عن النساء فتلحق الرجل من طول صحبتهن، فإذا فارقهن، وصاحب فحول الرجال زالت عنه، وأما الحمق فإنه غريزة. وأنشد بعض الحكماء: الخفيف:
وعلاج الأبدان أيسر خطباً ... حين تعتل من علاج العقول
الباب الثالث
في ذكر اختلاف الناس في الحمق
الحمق فساد في العقل
وقد ذكرنا أن الحمق فساد في العقل أو في الذهن، وما كان موضوعاً في أصل الجوهر، فهو غريزة لا ينفعها التأديب، وإنما ينتفع بالرياضة والتأديب من أصل جوهره سليم، فتدفع الرياضة العوارض المفسدة. وبعد، فإن الناس يتفاوتون في العقل وجوهره ومقدار ما أعطوا منه، فلهذا يتفاوت الحمق. قيل لإبراهيم النظام: ما حد الحمق؟ فقال: سألتني عما ليس له حد. وتلا عمر هذه الآية: " ما غربك بربك الكريم " قال: الحمق يا رب.
كل إنسان وفيه حمقه
وقال علي رضي الله عنه: ليس من أحد إلا وفيه حمقة فيها يعيش. وقال أبو الدرداء: كلنا أحمق في ذات الله، وقال وهب بن منبه: خلق الله آدم أحمق، ولولا ذلك ما هناه العيش.
وعن مطرف قال: لو حلفت، لرجوت أن أبر أنه ليس أحد من الناس إلا وهو أحمق فيما بينه وبين الله عز وجل، وكان يقول: ما أحد من الناس إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ربه عز وجل، غير أن بعض الحمق أهون من بعض، وعنه قال: عقول الناس على قدر زمانهم، وكان يقول: هم الناس والنسناس، وأرى أناساً غمسوا في ماء الناس. وقال سفيان الثوري: خلق الإنسان أحمق لكي ينتفع بالعيش. وأنشد بعضهم: الطويل:
لعمرك ما شيءٌ يفوتك نيله ... بغبنٍ ولكن في العقول التغابن
الباب الرابع
في ذكر أسماء الأحمق
الأحمق، الرقيع، المائق، الأزبق، الهجهاجة، الهلباجة، الخطل، الخرف، الملغ، الماج، المسلوس، المأفون، المأفوك، الأعفك، الفقاقة، الهجأة، الألق، الخوعم، الألفت، الرطيء، الباحر، الهجرع، المجع، الأنوك، الهبنك، الأهوج، الهبنق، الأخرق، الداعك، الهداك، الهبنقع، المدله، الذهول، الجعبس، الأوره، الهوف، المعضل، الفدم، الهتور، عياياء، طباقاء. فإذا كان يتجه لشيء في أسماء كثيرة وقريب هذه الأسماء على أحمق، وقيل: لو لم يكن من فضيلة الأحمق إلا كثرة أسمائه لكفى. قال ابن الأعرابي: القيع هو الذي يحتاج أن يرقع من حمقه.
الفرق بين الأحمق والمائق
وسئل بعض الأعراب، ما الفرق بين الأحمق والمائق؟ فقال: الأحمق مثل المائح على رأس البئر، والمائق هو مثل المائح الذي هو أسفل البئر، فبينهما من الجودة في الحماقة ما بين هذين. والعرب تقول: أحمق ما يتوجه إلى ما يحسن أن يأتي الغائط. والأخرق هو الذي يخرق الأشياء ولا يحسن لها مأتى.
أسماء النساء ذوات الحمق
ومن أسماء النساء ذوات الحمق: الورهاء، الخرقاء، الدفنس،
الخذعل، الهوجاء، القرئع، الداعكة، الرطيئة.
الباب الخامس
في ذكر صفات الأحمق
صفات الأحمق تقسم إلى قمسين: أحدهما: من حيث الصورة، والثاني: من حيث الخصال والأفعال.
صفات الأحمق من حيث الصورة
ذكر القسم الأول: قال الحكماء: إذا كان الرأس صغيراً رديء الشكل دل على رداءة في هيئة الدماغ. قال جالينوس: لا يخلو صغر الرأس البتة من دلالة على رداءة هيئة الدماغ وإذا قصرت الرقبة دلت على ضعف الدماغ وقلته، ومن كانت بنيته غير متناسبة كان رديئاً حتى في همته وعقله مثل الرجل العظيم البطل، القصير الأصابع، المستدير الوجه، العظيم القامة، الصغير الهامة، اللحيم الجبهة والوجه والعنق والرجلين، فكأنما وجهه نصف دائرة.
صفة الرأس
كذلك إذا كان مستدير الرأس واللحية، ولكن وجهه شديد الغلظ وفي عينيه بلادة وحركة فهو أيضاً من أبعد الناس على الخير، فإن جحظتا فهو وقح مهذار.
صفة العين
فإن كانت العين ذاهبة في طول البدن فصاحبها مكار لص، وإذا كانت العين عظيمة مرتعدة فصاحبها كسلان بطال أحمق محب للنساء. والعين الزرقاء التي في زرقتها صفرة كأنها زعفران، تدل على رداءة الأخلاق جداً، والعين المشبهة لأعين البقر تدل على الحمق، وإذا كانت العين كأنها ناتئة وسائر الجفن لاطىء فصاحبها أحمق، وإذا كان الجفن من العين منكسراً
أو متلوناً من غير علة، فصاحبها كذاب مكار أحمق، والشعر على الكتفين والعنق يدل على الحمق والجرأة؛ وعلى الصدر والبطن يدل على قلة الفطنة.
صفة العنق والشفة
ومن طالت عنقه ورقت، فهو صياح أحمق جبان، ومن كان أنفه غليظاً ممتلئاً فهو قليل الفهم، ومن كان غليظ الشفة، فهو أحمق غليظ الطبع. ومن كان شديد استدارة الوجه فهو جاهل، ومع عظمت أذنه فهو جاهل طويل العمر. وحسن الصوت دليل على الحمق وقلة الفطنة، واللحم الكثير الصلب دليل على غلظ الحس والفهم، والغباوة والجهل في الطول أكثر.
عظم الهامة
وقال الأحنف بن قيس: إذا رأيت الرجل عظيم الهامة طويل اللحية فاحكم عليه بالرقاعة ولو كان أمية بن عبد شمس.