الباب السابع
في ضرب العرب المثل بمن عرف حمقه
العرب تضرب للأحمق، تارة بمن قد عرف حمقه من الناس، وتارة بما ينسب إلى سوء التدبير من البهائم والطير، وتارة بما لا يقع منه فعل، ولكن لو تصور له فعل كان ما ظهر منه حمقاً.
حمقى ضرب بهم المثل
فأما ضربهم المثل بمن قد عرف حمقه فقال أبو هلال العسكري: تقول العرب: أحمق من هبنقة وستأتي أخباره، وأحمق من حذنة، قيل هو رجل بعينه، وقيل هو الصغير الأذن، الخفيف الرأس، القليل الدماغ، وكذلك يكون الأحمق. وقيل: حذنة امرأة كانت تمتخط بكوعها. وتقول العرب: أحمق من أبي غبشان وأحمق من جحا وأحمق من عجل بن لجيم وأحمق من حجينة وهو رجل من بني الصداء وأحمق
من بيهس ومن مالك بن زيد مناة ومن عدي بن حباب وأحمق من الممهورة إحدى خدمتيها.
حيوانات ضرب المثل بحمقها
وأما ذكرهم للبهائم فيقولون: أحمق من الضبع وأحمق من أم عامر، وأحمق من نعجة على حوض لأنها إذا وردت الماء أكبت عليه ولا تنثني وأحمق من ذئبة لأنها تدع ولدها وترضع ولد الضبع.
طيور ضرب المثل بحمقها
وأما ذكرهم الطير، فيقولون: أحمق م حمامة لأنها لا تصلح عشها وربما سقط بيضها فانكسر، وربما باضت على الأوتاد فيقع البيض، وأحمق من نعامة لأنها إذا مرت ببيض غيرها حضنته وتركت بيضها، وأحمق من رخمة، وأحمق من عقعق لأنه يضيع بيضه وفراخه، وأحمق من كروان لأنه إذا رأى أناساً سقط على الطريق فيأخذونه.
ومن الموصوف بالحمق من الحيوان: الحبارى، والنعجة، والبعير، والطاووس، والزرافة.
نبتة ضرب المثل بحمقها
وأما ضربهم المثل بمن لا فعل له كقولهم: أحمق من رجلة وهي البقلة الحمقاء لأنها تنبت في مجاري السيل.
الباب الثامن
في ذكر أخبار من ضرب المثل بحمقه وتغفيله
هؤلاء ينقسمون إلى رجال ونساء.
من أخبار هبنقة الأحمق
فمنهم هبنقة واسمه يزيد بن ثروان ويقال: ابن مروان أحد بني قيس بن ثعلبة، ومن حمقه أنه جعل في عنقه قلادة من ودع وعظام وخزف وقال: أخشى أن أضل نفسي ففعلت ذلك لأعرفها به. فحولت القلادة ذات ليلة من عنقه لعنق أخيه فلما أصبح قال: يا أخي أنت أنا فمن أنا؟ وأضل بعيراً فجعل ينادي من وجده فهو له، فقيل له: فلم تنشده؟ قال: فأين حلاوة الوجدان؟ وفي رواية: من وجده فله عشرة، فقيل له: لم فعلت هذا؟ قال: للوجدان حلاوة في القلب.
واختصمت طفاوة وبنو راسب في رجل ادعى كل فريق أنه في عرافتهم، فقال هبنقة: حكمه أن يلقى في الماء فإن طفا فهو من طفاوة وإن رسب فهو من
راسب. فقال الرجل: إن كان الحكم هذا فقد زهدت في الديوان. وكان إذا رعى غنماً جعل يختار المراعي للسمان وينحي المهازيل، ويقول: لا أصلح ما أفسده الله.
أبو غبشان الأحمق
ومنهم أبو غبشان وهو من خزاعة كان يلي الكعبة، فاجتمع مع قصي بن كلاب بالطائف على الشرب، فلما سكر اشترى منه قصي ولاية البيت بزق خمر، وأخذ منه مفاتيحه وسار بها إلى مكة، وقال: يا معشر قريش هذه مفاتيح بيت أبيكم إسماعيل، ودها الله عليكم من غير غدر ولا ظلم. وأفاق أبو غبشان فندم فقيل: أندم من أبي غبشان وأخسر من أبي غبشان، وأحمق من أبي غبشان، قال بعضهم: البسيط:
باعت خزاعة بيت الله إذ سكرت ... بزق خمرٍ فبئست صفقة البادي
باعت سدانتها بالخمر وانقرضت ... عن المقام وضل البيت والنادي
ثم جاءت خزاعة فغالبوا قصياً فغلبهم.
عبد الله بن بيدرة الأحمق
ومنهم شيخ مهو وهي قبيلة من عبد القيس واسمه عبد الله بن بيدرة
وكانت إياد تعير بالفسو، فقام رجل منهم بعكاظ ومعه بردا حبرة فنادى: ألا إنني من إياد فمن يشتري مني عار الفسو ببردي هذين. فقال عبد الله بن بيدرة فقال: أنا. واتزر بأحدهما وارتدى الآخر، وأشهد الإيادي عليه أهل القبائل وانصرف عبد الله إلى قومه فقال: جئتكم بعار الأبد، فلزم العار بذلك عبد القيس.
عجل بن لجيم الأحمق
ومنهم عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. من حمقه أنه قيل له: ما سميت فرسك؟ فقام إليه ففقأ إحدى عينيه وقال: سميته الأعور.
قال العنزي: الطويل:
رمتني بنو عجلٍ بداء أبيهم ... وأي امرىءٍ في الناس أحمق من عجل
ألبس أبوهم عار عين جواده ... فصارت به الأمثال تضرب بالجهل
حمزة بن بيض الأحمق
ومنهم حمزة بن بيض. عن أبي طالب عمر بن إبراهيم أنه قال: دعا حمزة بن بيض حجاماً وكان الحجام ثقيلاً كثير الكلام، فلما أرهف المشاريط قال له: الساعة توجعني. قال: لا. قال: فانصرف اليوم. قال: لا تفعل فإنك محتاج إلى إخراج الدم وذلك بين في وجهك وهي سنة نبوية، قال: انصرف وعد إلي غداً، قال: لست تدري ما يحدث إلى غد والمشاريط حادة وإنما هي لحظة. قال: إن كان كما تقول فاعطني فردة بيضة من خصيتك تكون في يدي رأينة إن أوجعتني
أوجعتك. فقام الحجام وقال: أرى أن تدع الحجامة في هذا العام، وانصرف.
عن محمد بن العلاء الكاتب أنه قال: قال حمزة بن بيض لغلام له: أي يوم صلينا الجمعة في الرصافة؟ ففكر الغلام ساعة ثم قال: يوم الثلاثاء. وقيل لحمزة بن بيض: كم تشرب من النبيذ؟ قال: أكثر من رطلين شيء.
أبو أسيد الأحمق
ومنهم أبو أسيد. عن محمد بن رجاء قال: قال أبو أسيد وحدث بحديث: كان ذلك في خلافة المهدي قبل موت المنصور. وقال: مر على أبي أسيد بعيران فقام قوم كانوا حوله: ما أفرههما؟ فقال أبو أسيد: أحدهما أفره من الآخر، قالوا: أيهما أفره؟ قال: القدامي أفره من الأول. وعزى أبا أسيد رجل عن مصيبته فقال له: رزقنا الله مكافأتك. وعن محمد بن عبد المطلب قال: قال أبو أسيد ونظر إلى رجل نائم: قم، فكم تنام كأنك بعير ناد وقيل لأبي أسيد: حدثنا عن ابن عمر، فقال: كان يحف شاربه حتى يبدو بياض إبطيه.
جحا الأحمق
ومنهم جحا ويكنى أبا الغصن، وقد روي عنه ما يدل على فطنة وذكاء، إلا أن الغالب عليه التغفيل، وقد قيل: إن بعض من كان يعاديه وضع له حكايات والله أعلم.
عن مكي بن إبراهيم أنه يقول: رأيت جحا رجلاً كيساً ظريفاً وهذا الذي يقال عنه مكذوب عليه، وكان له جيران مخنثون يمازحهم ويمازحونه فوضعوا عليه.
من حماقات جحا
وعن أبي بكر الكلبي أنه قال: خرجت من البصرة فلما قدمت الكوفة، إذا أنا بشيخ جالس في الشمس، فقلت: يا شيخ أين منزل الحكم؟ فقال لي: وراءك، فرجعت إلى خلفي، فقال: يا سبحان الله! أقول لك وراءك وترجل إلى خلفك. أخبرني عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: " وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينةٍ غصباً " قال: بين أيديهم، فقلت: أبو من؟ قال: أبو الغصن، فقلت: الإسم؟ قال: جحا. وقد رويت لنا هذه الحكاية على غير هذه الصفة. وعن عباد بن صهيب قال: قدمت الكوفة لأسمع من إسماعيل بن خالد، فمررت بشيخ جالس فقلت: يا شيخ، كيف أمر إلى منزل إسماعيل بن خالد؟ فقال: إلى ورائك، فقلت: أرجع؟ فقال: أقول لك وراءك وترجع! فقلت: أليس ورائي خلفي؟ قال: لا. قلت: بالله من أنت يا شيخ؟ قال: أنا جحا، قال المصنف: وجمهور ما يروى عن جحا، تغفيل نذكره كما سمعناه.
عن أبي الحسن، قال رجل لجحا: سمعت من داركم صراخاً، قال: سقط قميصي من فوق، قال: وإذا سقط من فوق، قال: يا أحمق لو كنت فيه أليس كنت قد وقعت معه؟
وحكى أبو منصور الثعالبي في كتاب غرر النوادر قال: تأذى أبو الغصن جحا بالريح مرة فقال يخاطبها: ليس يعرفك إلا سليمان بن داود الذي حبسك حتى أكلت خراك.
وخرج يوماً من الحمام في يوم بارد، فضربته الريح فمس خصيتيه، فإذا إحدى بيضتيه قد تقلصت، فرجع إلى الحمام وجعل يفتش الناس، فقالوا: ما لك؟ فقال: قد سرقت إحدى بيضتي، ثم إنه دفىء وحمى، فرجعت البيضة، فلما وجدها سجد شكر لله، قال: كل شيء لا تأخذه اليد لا يفقد.
ومات جار له، فأرسل إلى الحفار ليحفر له، فجرى بينهما لجاج في أجرة الحفر، فمضى جحا إلى السوق واشترى خشبة بدرهمين وجاء بها، فسئل عنها فقال: إن الحفار لا يحفر بأقل من خمسة دراهم، وقد اشترينا هذه الخشبة بدرهمين لنصلبه عليها ونربح ثلاثة دراهم ويستريح من ضغطة القبر ومسألة منكر ونكير.
وحكي: أن جحا تبخر يوماً فاحترقت ثيابه فغضب وقال: والله لا تبخرت إلا عرياناً.
وهبت يوماً ريحٌ شديدةٌ فأقبل الناس يدعون الله ويتوبون، فصاح جحا: يا قوم، لا تعجلوا بالتوبة وإنما هي زوبعة وتسكن.
وذكر أنه اجتمع على باب دار أبي جحا تراب كثير من هدم وغيره، فقال أبوه: الآن يلزمني الجيران برمي هذا التراب وأحتاج إلى مؤنة وما هو بالذي يصلح لضرب اللبن فما أدري ما أعمل به، فقال له جحا: إذا ذهب عنك هذا المقدار فليت شعري أي شيء تحسن؟، فقال أبوه: فعلمنا أنت ما تصنع به. فقال: يحفر له آبار ونكبسه فيها.