وقال يوماً: أشتهي بغلة مثل بغلة النبي صلى الله عليه وسلم حتى أسميها دلدل.
وقال يوماً: خريت على يدي، فلو غسلتها ألف مرة لم تنظف حتى أغسلها مرتين.
ونظر يوماً في المرآة فقال لإنسان عنده: ترى لحيتي طالت؟ فقال له: المرآة في يدك. فقال: صدقت، ولكن الشاهد لا يرى ما لا يراه الغائب.
وكسر يوماً لوزاً فطارت لوزة فقال: لا إله إلا الله، كل شيء يهرب من الموت حتى البهائم.
وأهدى إلى العباس بن الأحنف الوزير نبقاً وكتب إليه: تفيلت أن تبقى فأهديتك النبقا فكتب في جوابه: ما تفيلت يا أبا عبد الله ولكن تبقرت. وكان ابن الجصاص يسبح كل يوم فيقول: نعوذ بالله من نعمه، ونتوب إليه من إحسانه، ونستقيله من عافيته، ونسأله عوائق الأمور. حسبي الله وأنبياؤه والثغور الكنائس، سبحان الله قبل الله سبحان الله بعد الله.
وأتاه غلامه يوماً بفرخ فقال: أنظروا إلى هذا الفرخ ما أشبهه بأمه، ثم قال: أمه ذكر أم أنثى؟ واعتل مرة فقيل له: كيف تجدك؟ فقال: الدنيا كلها محمومة.
وذكر محمد بن أحمد الترمذي قال: كنت عند الزجاج أعزيه بأمه وعنده الخلق من الرؤساء والكتاب، إذ أقبل ابن الجصاص فدخل ضاحكاً وهو يقول: الحمد لله قد سرني والله يا أبا إسحاق، فدهش الزجاج ومن حضر، وقيل له: يا هذا، كيف سرك ما غمه وغمنا؟ فقال: ويحك، بلغني أنه هو الذي مات، فلما صح عندي أنها هي التي ماتت سرني ذلك. فضحك الناس جميعاً.
وكتب ابن الجصاص إلى وكيل له يحمل إليه مائة من قطناً فحملها، فلما حلجها خرج منها ربع الوزن، فكتب إلى الوكيل: لم يحصل من هذا القطن إلا خمسة وعشرون مناً فلا تزرع بعد هذا إلا قطناً محلوجاً وشيئاً من الصوف أيضاً.
ودخل يوماً بستاناً فثار به المرار، فطلب بصلاً بخل ليطفىء المرار، ولم يكن عند البستاني فقال له: لم لم تزرع لنا بصلاً بخل.
وكان يوماً خلف الإمام فقال الإمام: " ولا الضالين "، فقال ابن الجصاص: أي لعمري.
وكان إذا سبح يقول: حسبي الله وحدي.
وقال يوماً: ينبغي للإنسان أن يصير إلى المقابر ليغتاظ، أراد يسير ليتعظ.
وقال يوماً: كان الفأر يؤذينا في سقوفنا، فوصف لي إنسان دواء فما سمعت لهم حسوه، وأراد حساً.
وذكر يوماً ثلاثة أصناف من الثياب ثم قال: إذا لبست واحدة من هؤلاء فما أبالي بغيرها.
وقال يوماً: كان الهواء البارحة بارداً، إلا إني لم أجده.
وقدمت له هريسة من نعامة فاستطابها فقال: كيف لو أكلتها بقرية؟ أراد سكباجاً. ومرض فقيل له: لعلك تناولت شيئاً ضاراً؟ فقال: لا والله ما أكلت إلا مزورة بفرخ فروج.
وذكر بين يديه رجل فقال: أخبرتني أمه أنه ولد أبوه وله ثمانون سنة.
وقدمت إليه اسفيداجة فقال لمن حوله: كلوا فهذه أم القرى.
وقال يوماً: قمت البارحة إلى المستراح وقد انطفأ القنديل، فما زلت أتلمظ المقعدة حتى وجدتها.
ودخل يوماً على مريض فجلس عنده، فشكا إليه الكتف فقال: والله ما أغفل من وجع كتفي هذين، وضرب بيديه على ركبتيه.
ابن الجصاص لم يكن أحمق
وقد نقل عن ابن الجصاص ما يدل على أنه كان يقصد التطابع لا أنه كان بهذه المثابة.
عن علي بن أبي علي التنوخي عن أبيه قال: اجتمعت ببغداد سنة ست وخمسين وثلاثمائة مع أبي علي بن أبي عبد الله بن الجصاص فرأيته شيخاً حسناً طيب المحاضرة، فسألته عن الحكايات التي تنسب إلى أبيه، مثل قوله خلف الإمام حين قرأنا " ولا الضالين " فقال: أي لعمري بدلاً عن آمين، ومثل قوله أراد أن يقبل رأس الوزير فقل له: أفيه ذهب؟ فقال: لو كان في رأس الوزير خرا لقبلته، ومثل قوله وقد وصف مصحفاً بالعتق فقال: كسروي! فقال: أما أي لعمري ونحو هذا فكذب، وما كان فيه علامة تخرجه إلى هذا، وما كان إلا من أدهى الناس، ولكنه يطلق بحضرة الوزراء قريباً مما يحكى عنه لسلامة طبع كان فيه، ولأنه كان يحب أن يصور نفسه عندهم بصورة الأبله ليأمنه الوزراء لكثرة خلواته بالخلفاء فيسلم عليهم.
قصة الجصاص مع ابن الفرات
وأنا أحدثك عنه حديثاً حدثنا به، تعلم معه أنه كان في غاية الحزم، فإنه حدثني فقال: إن أبا الحسن بن الفرات لما ولي الوزارة قصدني قصداً قبيحاً، فأنفذ العمال إلى ضياعي وأمر بقبض معاملاتي وبسط لسانه بثلبي وتنقصني في مجلسه، فدخلت يوماً داره فسمعت حاجبه يقول وقد وليت: أي بيت مال يمشي على وجه الأرض ليس له من يأخذه؟ فقلت: إن هذا من كلام صاحبه وإني مسلوب، وكان عندي في ذلك الوقت سبعة آلاف دينار عيناً وجواهر، سوى ما يحتويه عليه ملكي. فهسرت ليلتي أفكر في أمري معه، فوقع لي الرأي في الثلث الأخير، فركبت إلى داره في الحال فوجدت الأبواب مغلقة فطرقتها، فقال البوابون: من هذا؟ قلت: ابن الجصاص. فقالوا: ليسوا هذا وقت وصول، والوزير نائم، فقلت:
عرفوا الحجاب إني حضرت في مهم، فعرفوهم فخرج إلي أحدهم فقال: إنه إلى ساعة ينتبه فيجلس، فقلت: الأمر أهم من ذاك، فنبهه وعرفه عني، فدخل وأبطأ ساعة ثم خرج وأدخلني إلى دار حتى انتهيت إلى مرقده وهو جالس على سرير له وحواليه نحو خمسين فراشاً وغلمان كأنهم حفة وهو مرتاع قد ظن أن حادثة حدثت وأني جئته برسالة الخليفة وهو متوقع لما أورده، فقام فرفعني وقال: ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ هل حدثت حادثة أو معك من الخليفة رسالة؟ قلت: خير ما حدثت حادثة، ولا معي رسالة، ولا جئت إلا في أمر يخصني، ويخص الوزير، ولم تصلح المفاوضة فيه إلا على خلوة. فسكن وقال لمن حوله: انصرفوا. فمضوا وقال: هات، قلت: أيها الوزير إنك قد قصدتني أقبح قصد وشرعت في هلاكي وإزالة نعمتي، وفي إزالتها خروج نفسي وليس عن النفس عوض، ولعمري إني أسأت في خدمتك وقد كان في هذا التقويم بلاغ وجد عندي، وقد اجتهدت في إصلاحك بكل ما قدرت عليه، وأبيت إلا الإقامة على إيذائي، وليس شيء أضعف في الدنيا من السنور، وإذا عوينت في دكان البقال وظفر صاحبها بها ولزها إلى زاوية ليخنقها، وثبت عليه فخدشت وجهه وبدنه، ومزقت ثيابه، وطلبت الحياة بكل ما يمكنها، وقد وجدت نفسي معك في هذه الصورة ولست أضعف من السنور بطشاً، وقد جعلت هذا الكلام عذراً بيناً فإن نزلت تحت حكمي في الصلح وإلا فعلي وعلي، وحلفت أيماناً مغلظة لأقصدن الخليفة الساعة ولأحولن إليه من خزائني ألفي ألف دينار عيناً وورقاً ولا أصبح إلا وهي عنده، وأنت تعلم قدرتي عليها، وأقول خذ هذا المال وسلم ابن الفرات إلى فلان واستوزره، وأذكر له أقرب من يقع في نفسي أنه يجيب إلى تقليده ممن له وجه مقبول ولسان عذب وخط حسن، ولا أعتمد إلا على بعض كتابك فإنه لا يفرق بينك وبينهم إذا رأى المال حاضراً، فيسلمك في الحال ويراني المتقلد بعين من أخذه وهو صغير فجعله وزيراً، وغرم عليه هذا المال الكثير فيخدمني ويتدبر برأيي، وأسلمك إليه
فيفرغ عليك العذاب حتى يأخذ ألفي ألف الدينار منك بأسرها، وانت تعلم أن حالك تفي بهذا ولكنك تفتقر بعدها ويرجع المال إلي ولا يذهب مني شيء، وأكون قد أهلكت عدوي، وشفيت غيظي، واسترجعت مالي، وصفت نعمتي، وزاد محلي بصرفي وزيراً وتقليدي وزيراً. فلما سمع هذا الكلام سقط في يده وقال: يا عدو الله أو تستحل هذا؟ قلت: لست عدواً لله، بل عدو الله من استحل مني هذا الذي أخرجني إلى الفكر في مثل هذا، ولم لا أستحل مكروه من أراد هلاكي وزوال نعمتي؟ فقال: أو إيش؟ فقلت: أن تحلف الساعة بما استحلفك به من الأيمان المغلظة أنك تكون لي لا علي في صغير أمري وكبيره، ولا تنقص لي رسماً ولا تغير لي معاملة، ولا تدس علي المكاره، ولا تشر لي في سوء أبداً ظاهراً ولا باطناً، فقال: وتحلف أنت أيضاً لي بمثل هذا اليمين على جميل النية وحسن الطاعة والمؤازرة؟ فقلت: افعل، فقال: لعنك الله فما أنت إلا إبليس والله لقد سحرتني. واستدعى دواة وعملنا نسخة يمين فأحلفته أولاً بها ثم حلفت له، فلما أردت القيام قال: يا أبا عبد الله لقد عظمت في نفسي، وخففت ثقلاً عني، والله ما كان المقتدر يفرق بين كفاءتي وبين أخس كتابي مع المال الحاضر، فليكن ما جرى مطوياً. فقلت: سبحان الله. فقال: إذا كان غداً فصر إلى المجلس لتر ما أعاملك به، فنهضت، فقال: يا غلمان بأسركم بين يدي أبي عبد الله، فخرج بين يدي نحو مائتي غلام وعدت إلى داري، ولما طلع الفجر واسترحت جئته في المجلس فعرفني الذين كانوا بحضرته،
وعرفهم ما جرى من التفريط التام
وعاملني بما شاهده الحاضرون، وأمر بإنشاء الكتب إلى عمال النواحي بإعزازي وإعزاز وكلاتي وعمالي وصيانة أسبابي وضياعي. فشكرت الله وقمت، فقال: يا غلمان بين يديه. فخرج الحجاب يجردون سيوفهم بين يدي والناس يعجبون، ولم يعلم أحد سبب ذلك فما حدثت بذلك إلا بعد القبض عليه. قال لي أبو علي: هل هذا فعل من يحكى عنه تلك الحكايات؟ قلت: لا. وقد حكى التنوخي إن ابن الجصاص صودر في أيام المقتدر فارتفعت مصادراته سوى ما بقي له من الظاهر وكانت ستة آلاف ألف دينار. بما شاهده الحاضرون، وأمر بإنشاء الكتب إلى عمال النواحي بإعزازي وإعزاز وكلاتي وعمالي وصيانة أسبابي وضياعي. فشكرت الله وقمت، فقال: يا غلمان بين يديه. فخرج الحجاب يجردون سيوفهم بين يدي والناس يعجبون، ولم يعلم أحد سبب ذلك فما حدثت بذلك إلا بعد القبض عليه. قال لي أبو علي: هل هذا فعل من يحكى عنه تلك الحكايات؟ قلت: لا. وقد حكى التنوخي إن ابن الجصاص صودر في أيام المقتدر فارتفعت مصادراته سوى ما بقي له من الظاهر وكانت ستة آلاف ألف دينار.
بعض تصرفات الجصاص تدل على ذكاء
قال التنوخي: وحدثني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن مكرم قال: حدثني بعض شيوخنا قال: كنا بحضرة أبي عمرو القاضي فجرى ذكر ابن الجصاص وغفلته فقال أبو عمرو: معاذ الله ما هو كما يقال عنه، ولقد كنت عنده منذ أيام وفي صحن داره سرادق مضروب، فجلسنا بالقرب منه نتحدث، فإذا بصرير نعل من خلف السرادق فقال: يا غلام جئني بصاحب هذا النعل، فأخرجت إليه جارية سوداء فقال: ما كنت تصنعين ها هنا؟ قالت: جئت إلى الخادم أعرفه أني قد فرغت من الطبيخ وأستأذن في تقديمه، فقال: انصرفي لشأنك، فعلمت أنه أراد يعرفني بذلك الوطء إنه وطء جارية سوداء مبتذلة، وأنها ليست من حرمه، فهل يكون هذا من التغفيل.
الجصاص يدلي بنصيحة تدل على العقل البالغ
عن أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي عن أبيه، قال: حدثني أبو القاسم الجهني، قال: كنت بحضرة أبي الحسن بن الفرات وابن الجصاص حاضر، فذكروا ما يعتقده الناس لأولادهم، فقال ابن الفرات: ما أجل ما يعتقده الناس لأعقابهم فقال من حضر: الضياع، وقال بعضهم: العقار، وقال بعضهم: العقار الصامت، وقال بعضهم: الجوهر الخفيف الثمين. فإن بني أمية سئلوا أي الأموال كانت أنفع لكم في نكبتكم؟ فقالوا: الجوهر الخفيف المثمن كنا نبيعه فلا نطالب بمعرفته، والواحدة منه أخف من ثمنها، وابن الجصاص ساكت، فقال له
ابن الفرات: ما تقول أنت يا عبد الله؟ فقال: أجل ما يعتقده الناس لأولادهم الضياع والإخوان، فإنهم إن اعتقدوا لهم ضياعاً أو عقاراً أو صامتاً من غير إخوان ضاع ذلك وتمحقق، وأحدث الوزير بحديث جرى منذ مديدة يعلم منه صدق قولي، فقال له ابن الفرات ما هو؟ فقال: الناس يعرفون أن أبا الحسن كان رجلاً مشتهراً بالجوهر يعتقده لنفسه وأولاده وجواريه، فكنت جالساً يوماً في داري فجاءني بوابي فقال: بالباب امرأة تستأذن، فأذنت لها، فدخلت، فقالت لي: تخلي لي مجلسك، فأخليته، فقالت لي: أنا فلانة جارية أبي الحسن، فعرفتها وبكيت لما شاهدتها عليه ودعوت غلماني ليحضروا لي شيئاً أغير به حالها، فقالت: لا تدع أحداً فإني لم أضنك دعوتهم لتغير حالي وأنا في غنية وكفاية، ولم أقصدك لذلك ولكن لحاجة هي أهم من هذا. فقلت: ما هي؟ فقالت: تعلم أن أبا الحسن لم يكن يعتقد لنا إلا الجوهر، فلما جرى وتشتتنا وزال عنا ما كنا فيه، كان عندي جوهر قد سلمه إلي ووهبه لي ولابنته مني فلانة، وهي معي ها هنا فخشيت أن أظهره بمصر فيؤخذ مني، فتجهزت للخروج وخرجت متخفية وابنتي معي، فسلم الله تعالى ووصلنا هذا البلد، وجميع مالنا سالم، فأخرجت من الجوهر شيئاً قيمته خمسة آلاف دينار، وسرت به إلى السوق فبلغ ألفي دينار، فقلت: هاتوا. فلما أحضروا المال، قالوا: أين صاحب المتاع؟ قلت: أنا هي، قالوا: ليس محلك أن يكون هذا لك وأنت لصة، فعلقوا بي ليحملوني إلى صاحب الشرطة فخشيت أن أقع فأعرف فيؤخذ الجوهر وأطالب أنا بمال، فرشوت القوم دنانير كانت معي وتركت الجوهر عليهم وأقبلت، فما نمت ليلتي غماً مما جرى علي من خشية الفقر، لأن مالي هذا سبيله، فأنا غنية فقيرة، فلم أدر ما أفعل، فذكرت ما بيننا وبينك فجئتك، والذي أريد منك جاهك وبذله لي حتى تخلص لي حقي وما أخذ مني، وتبيع الباقي وتخلص لي ثمنه، وتشتري لي ولابنتي به عقاراً نقتات من غلته. قال: فقلت: من أخذ منك الجوهر؟ قالت: فلان، فأنفذت إليه فاستخليت به، وقلت: هذه امرأة من داري وإنما أنفذت المتاع لأعرف قيمته ولئلا يراني الناس