بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 58

فيفرغ عليك العذاب حتى يأخذ ألفي ألف الدينار منك بأسرها، وانت تعلم أن حالك تفي بهذا ولكنك تفتقر بعدها ويرجع المال إلي ولا يذهب مني شيء، وأكون قد أهلكت عدوي، وشفيت غيظي، واسترجعت مالي، وصفت نعمتي، وزاد محلي بصرفي وزيراً وتقليدي وزيراً. فلما سمع هذا الكلام سقط في يده وقال: يا عدو الله أو تستحل هذا؟ قلت: لست عدواً لله، بل عدو الله من استحل مني هذا الذي أخرجني إلى الفكر في مثل هذا، ولم لا أستحل مكروه من أراد هلاكي وزوال نعمتي؟ فقال: أو إيش؟ فقلت: أن تحلف الساعة بما استحلفك به من الأيمان المغلظة أنك تكون لي لا علي في صغير أمري وكبيره، ولا تنقص لي رسماً ولا تغير لي معاملة، ولا تدس علي المكاره، ولا تشر لي في سوء أبداً ظاهراً ولا باطناً، فقال: وتحلف أنت أيضاً لي بمثل هذا اليمين على جميل النية وحسن الطاعة والمؤازرة؟ فقلت: افعل، فقال: لعنك الله فما أنت إلا إبليس والله لقد سحرتني. واستدعى دواة وعملنا نسخة يمين فأحلفته أولاً بها ثم حلفت له، فلما أردت القيام قال: يا أبا عبد الله لقد عظمت في نفسي، وخففت ثقلاً عني، والله ما كان المقتدر يفرق بين كفاءتي وبين أخس كتابي مع المال الحاضر، فليكن ما جرى مطوياً. فقلت: سبحان الله. فقال: إذا كان غداً فصر إلى المجلس لتر ما أعاملك به، فنهضت، فقال: يا غلمان بأسركم بين يدي أبي عبد الله، فخرج بين يدي نحو مائتي غلام وعدت إلى داري، ولما طلع الفجر واسترحت جئته في المجلس فعرفني الذين كانوا بحضرته،


صفحه 59

وعرفهم ما جرى من التفريط التام
وعاملني بما شاهده الحاضرون، وأمر بإنشاء الكتب إلى عمال النواحي بإعزازي وإعزاز وكلاتي وعمالي وصيانة أسبابي وضياعي. فشكرت الله وقمت، فقال: يا غلمان بين يديه. فخرج الحجاب يجردون سيوفهم بين يدي والناس يعجبون، ولم يعلم أحد سبب ذلك فما حدثت بذلك إلا بعد القبض عليه. قال لي أبو علي: هل هذا فعل من يحكى عنه تلك الحكايات؟ قلت: لا. وقد حكى التنوخي إن ابن الجصاص صودر في أيام المقتدر فارتفعت مصادراته سوى ما بقي له من الظاهر وكانت ستة آلاف ألف دينار. بما شاهده الحاضرون، وأمر بإنشاء الكتب إلى عمال النواحي بإعزازي وإعزاز وكلاتي وعمالي وصيانة أسبابي وضياعي. فشكرت الله وقمت، فقال: يا غلمان بين يديه. فخرج الحجاب يجردون سيوفهم بين يدي والناس يعجبون، ولم يعلم أحد سبب ذلك فما حدثت بذلك إلا بعد القبض عليه. قال لي أبو علي: هل هذا فعل من يحكى عنه تلك الحكايات؟ قلت: لا. وقد حكى التنوخي إن ابن الجصاص صودر في أيام المقتدر فارتفعت مصادراته سوى ما بقي له من الظاهر وكانت ستة آلاف ألف دينار.

بعض تصرفات الجصاص تدل على ذكاء
قال التنوخي: وحدثني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن مكرم قال: حدثني بعض شيوخنا قال: كنا بحضرة أبي عمرو القاضي فجرى ذكر ابن الجصاص وغفلته فقال أبو عمرو: معاذ الله ما هو كما يقال عنه، ولقد كنت عنده منذ أيام وفي صحن داره سرادق مضروب، فجلسنا بالقرب منه نتحدث، فإذا بصرير نعل من خلف السرادق فقال: يا غلام جئني بصاحب هذا النعل، فأخرجت إليه جارية سوداء فقال: ما كنت تصنعين ها هنا؟ قالت: جئت إلى الخادم أعرفه أني قد فرغت من الطبيخ وأستأذن في تقديمه، فقال: انصرفي لشأنك، فعلمت أنه أراد يعرفني بذلك الوطء إنه وطء جارية سوداء مبتذلة، وأنها ليست من حرمه، فهل يكون هذا من التغفيل.

الجصاص يدلي بنصيحة تدل على العقل البالغ
عن أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي عن أبيه، قال: حدثني أبو القاسم الجهني، قال: كنت بحضرة أبي الحسن بن الفرات وابن الجصاص حاضر، فذكروا ما يعتقده الناس لأولادهم، فقال ابن الفرات: ما أجل ما يعتقده الناس لأعقابهم فقال من حضر: الضياع، وقال بعضهم: العقار، وقال بعضهم: العقار الصامت، وقال بعضهم: الجوهر الخفيف الثمين. فإن بني أمية سئلوا أي الأموال كانت أنفع لكم في نكبتكم؟ فقالوا: الجوهر الخفيف المثمن كنا نبيعه فلا نطالب بمعرفته، والواحدة منه أخف من ثمنها، وابن الجصاص ساكت، فقال له


صفحه 60

ابن الفرات: ما تقول أنت يا عبد الله؟ فقال: أجل ما يعتقده الناس لأولادهم الضياع والإخوان، فإنهم إن اعتقدوا لهم ضياعاً أو عقاراً أو صامتاً من غير إخوان ضاع ذلك وتمحقق، وأحدث الوزير بحديث جرى منذ مديدة يعلم منه صدق قولي، فقال له ابن الفرات ما هو؟ فقال: الناس يعرفون أن أبا الحسن كان رجلاً مشتهراً بالجوهر يعتقده لنفسه وأولاده وجواريه، فكنت جالساً يوماً في داري فجاءني بوابي فقال: بالباب امرأة تستأذن، فأذنت لها، فدخلت، فقالت لي: تخلي لي مجلسك، فأخليته، فقالت لي: أنا فلانة جارية أبي الحسن، فعرفتها وبكيت لما شاهدتها عليه ودعوت غلماني ليحضروا لي شيئاً أغير به حالها، فقالت: لا تدع أحداً فإني لم أضنك دعوتهم لتغير حالي وأنا في غنية وكفاية، ولم أقصدك لذلك ولكن لحاجة هي أهم من هذا. فقلت: ما هي؟ فقالت: تعلم أن أبا الحسن لم يكن يعتقد لنا إلا الجوهر، فلما جرى وتشتتنا وزال عنا ما كنا فيه، كان عندي جوهر قد سلمه إلي ووهبه لي ولابنته مني فلانة، وهي معي ها هنا فخشيت أن أظهره بمصر فيؤخذ مني، فتجهزت للخروج وخرجت متخفية وابنتي معي، فسلم الله تعالى ووصلنا هذا البلد، وجميع مالنا سالم، فأخرجت من الجوهر شيئاً قيمته خمسة آلاف دينار، وسرت به إلى السوق فبلغ ألفي دينار، فقلت: هاتوا. فلما أحضروا المال، قالوا: أين صاحب المتاع؟ قلت: أنا هي، قالوا: ليس محلك أن يكون هذا لك وأنت لصة، فعلقوا بي ليحملوني إلى صاحب الشرطة فخشيت أن أقع فأعرف فيؤخذ الجوهر وأطالب أنا بمال، فرشوت القوم دنانير كانت معي وتركت الجوهر عليهم وأقبلت، فما نمت ليلتي غماً مما جرى علي من خشية الفقر، لأن مالي هذا سبيله، فأنا غنية فقيرة، فلم أدر ما أفعل، فذكرت ما بيننا وبينك فجئتك، والذي أريد منك جاهك وبذله لي حتى تخلص لي حقي وما أخذ مني، وتبيع الباقي وتخلص لي ثمنه، وتشتري لي ولابنتي به عقاراً نقتات من غلته. قال: فقلت: من أخذ منك الجوهر؟ قالت: فلان، فأنفذت إليه فاستخليت به، وقلت: هذه امرأة من داري وإنما أنفذت المتاع لأعرف قيمته ولئلا يراني الناس


صفحه 61

أبيع شيئاً بدون قيمته فلم تعرضتم لها؟ فقالوا: ما علمنا ذلك، ورسمنا كما تعلم لا نبيع شيئاً إلا بمعرفة، ولما طالبناها بذلك اضطربت فخشينا أن تكون لصة، فقلت له: أريد الجوهر الساعة، فجاء به، فلما رأيته عرفته، وكنت أنا اشتريته لأبي الحسن بخمسة آلاف دينار، فأخذته منه وصرفته، وأقامت المرأة في داري وتلطفت لها في بيع الجوهر بأوفى ثمن، فخصها منه أكثر من خمسة آلاف دينار فابتعت لها بذلك ضياعاً ومسكناً فهي تعيش في ذلك وولدها إلى الآن. فنظرت فإذا الجوهر لما كان معها بلا صديق حجر، بل كان سبباً لمكروه، ولما وجدت صديقاً يعينها حصل لها منه هذا المال الحليل، فالصديق أفضل من العقد. فقال ابن الفرات: أجدت يا أبا عبد الله.
ينسبون هذا الرجل إلى التغفيل، وقد سمعتم ما قال، فكيف يكون هذا مغفلاً!؟

النساء المنسوبات إلى التغفيل
فصل
فأما النساء المنسوبات إلى التغفيل.

ريطة الحمقاء
فمنهن التي نقضت غزلها، قال مقاتل بن سليمان: هي امرأة من قريش تسمى ريطة بنت عمرو بن كعب، كانت إذا غزلت نقضته، قال ابن السائب: اسمها رايطة، وقال أبو بكر بن الأنباري: أسمها ريطة بنت عمرو المرية، ولقبها الجعرا، وهي من أهل مكة، وكانت معروفة عند المخاطبين، فعرفوها بصنعتها، ولم يكن لها نظير في فعلها وكانت متناهية الحمق، تغزل الغزل من القطن، أو الصوف، فتحكمه، ثم تأمر خادمها بنقضه، قال بعضهم: كانت تغزل هي وجواريها، ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن.

دغة الحمقاء
ومنهن دغة بنت مغنج، ومغنج هو ربيعة بن عجل، واسم دغة ماوية، ودغة


صفحه 62

لقب، وكانت قد تزوجت صغيرة في بني العنبر فحبلت، فلما جاءها المخاض ظنت أنها أحدثت، فقالت لضرتها: يا هنتاه هل يفتح الجعر فاه؟ قالت: نعم ويدعوا أباه، فمضت ضرتها فأخذت الولد، فبنو العنبر تنسب إليها فسموا بنو الجعر لذلك. ورأت يافوخ ولدها يضطرب فشقته بسكين وأخرجت دماغه، وقالت: أخرجت هذه المادة من دماغه ليسكن وجعه. وذكر عنها أنها كانت حسنة الثغر فولدت غلاماً، وكان أبوه يقبله ويقول: وا بأب دردرك. فظنت أن الدردر أعجب إليه، فحطمت أسنانها، فلما قال: وا بأبي دردرك، قالت: يا شيخ كلنا ذو دردر، فقال: أعييتني بأشر فكيف بدردر والأشر التحزيز في أطراف أسنان الأحداث والدردر مغارز الأسنان فضرب المثل بحمق دغة.

ربطة بنت عامر الحمقاء
ومنهن ريطة بنت عامر بن نمير كانت تعلم رأس أولادها بالقزع لتعرف أولادها من أولاد غيرها.

الفزارية الحمقاء
ومنهن الممهورة إحدى خدمتيها. أنبأنا محمد بن عبد الملك قال: حدثنا ابن خلف قال: يقال هو أحمق من الممهورة إحدى خدمتيها وهي امرأة من فزارة.

حذنة الحمقاء
ومنهن حذنة وقد مضى الخلاف في هذا الإسم وذكرنا في أحد الأقوال إنه اسم امرأة كانت تمتخط بكوعها.


صفحه 63

الباب التاسع
في ذكر أخبار جماعة من العقلاء
صدرت عنهم أفعال الحمقى وأصروا عليها مستصوبين لها فصاروا بذلك الإصرار حمقى ومغفلين

أول العقلاء الحمقى إبليس
فأول القوم إبليس، فإنه كان متعبداً مؤذناً للملائكة فظهر منه من الحمق والغفلة ما يزيد على كل مغفل، فإنه لما رأى آدم مخلوقاً من طين، أضمر في نفسه لئن فضلت عليه لأهلكنه، ولئن فضل علي لأعصينه. ولو تدبر الأمر لعلم أنه كان الاختيار قد سبق لآدم لم يطق مغالبته بحيلة ولكنه جهل القدر ونسي المقدار.

اعتض على حكمة الله
ثم لو وقف على هذه الحالة لكان الأمر يحمل على الحسد، ولكنه خرج إلى الإعتراض على المالك بالتخطئة للحكمة، فقال: " أرأيتك هذا الذي كرمت علي " والمعنى لم كرمته؟ ثم زعم أنه أفضل من آدم بقوله: " خلقتني من نارٍ وخلقته من طين " ومجموع المندرج في كلامه: أني أحكم من الحكيم وأعلم من العليم، وأن الذي فعله من تقديم آدم ليس بصواب هذا، وهو يعلم أن علمه مستفادٌ من العالم الأكبر فكأنه يقول: يا من علمني أنا أعلم منك، ويا من قدر تفضيل هذا علي ما فعلت صواباً.

رضي بإهلاك نفسه
فلما أعيته الحيل رضي بإهلاك نفسه فأوثق عقد إصراره ثم أخذ يجتهد في إهلاك غيره ويقول لأغوينهم، وجهله في قوله " لأغوينهم " من وجهين؛


صفحه 64

أحدهما: أنه أخرج ذلك مخرج القاصد لتأثر المعاقب له، وجهل أن الحق سبحانه لا يتأثر ولا يؤذيه شيءٌ، ولا ينفعه، لأنه الغني بنفسه. والثاني: نسي أنه من أريد حفظه لم يقدر على إغوائه، ثم انتبه لذلك فقال: " إلا عبادك منهم المخلصين "، فإذا كان فعله لا يؤثر وإضلاله لا يكون لمن قدرت له الهداية فقد ذهب علمه باطلاً.

رضي إبليس بالخساسة
ثم رضي لخساسة همته بمدة يسيرة يعلم سرعة انقضائها فقال: " انظرني إلى يوم يبعثون " وصارت لذته في إيقاع العاصي بالذنب كأنه يغيظ بذلك ولجهله بالحق أنه يتأثر، ثم نسي قرب عقابه الدائم فلا غفلة كغفلته ولا جهالة كجهالته وما أعجب قول القائل في إبليس: الرجز:
عجبت من إبليس في نخوته ... وخبث ما أظهر من نيته
تاه على آدم في سجدةٍ ... وصار قواداً لذريته

ابن الراوندي الفيلسوف الأحمق
وما رأيت من غير إبليس وزاد عليه في الجنون والتغفيل مثل أبيالحسين ابن الراوندي فإن له كتباً يزري فيها على الأنبياء عليهم السلام ويشتمهم، ثم عمل كتاباً يرد فيه على القرآن ويبين أن فيه لحناً، وقد علم أن هذا الكتاب العزيز قد عاداه خلق كثير ما فيهم من تعرض لذلك منه ولا قدر.

زعم أنه استدرك على الفصحاء
فاستدرك هو بزعمه على الفصحاء كلهم. ثم عمل كتاب الدامغ فأنا أستعصم أن أذكر بعض ما ذكر فيه من التعريض للرد على الخالق سبحانه، وذكر إياه بأقبح ما يذكر به آدمي مثل أن يقول: منه الظلم ومنه الشر، في عبارات أقبح من هذه قد ذكرت بعضها في التاريخ، فالعجب ممن يعترض على الخالق بعد إثباته. فأما الجاحد فقد استراح، أتراه خلق لهؤلاء عقولاً كاملة وفي صفاته هو نقص، تعالى الله عن تغفيل هؤلاء.


صفحه 65

غفلة قابيل
فصل
ثم اتبع إبليس في الغفلة والحمق قابيل فإن من أعظم التغفيل قوله لمن قبله قربانه " لأقتلنك "، وهذا من أسمج الأشياء، لأنه لو فهم لنظر سبب قبول قربان أخيه ورد قربانه، ثم من التغفيل أنه حمل على ظهره ولم يهتد لدفنه.

القرآن الكريم حدثنا عن بعض المغفلين
ومثل هذا التغفيل " حرقوه وانصروا آلهتكم " ومثله " أن امشوا واصبروا على آلهتكم " ومن جنسه " أنا أحيي وأميت ".
ومثله " أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ". فافتخر بساقية لا هو أجراها ولا يدري منتهاها ولا مبتداها، ونسي أمثالها مما ليس تحت حكمه، وليس في الحمق أعظم من ادعاء فرعون أنه الإله.

إبليس عند فرعون
قد ضرب الحكماء له مثلاً فقالوا: أدخل إبليس على فرعون فقال: من أنت؟ قال: إبليس، قال: ما جاء بك؟ قال: جئت أنظر إليك فأعجب من جنونك، قال: وكيف؟ قال: أنا عاديت مخلوقاً مثلي، وامتنعت من السجود له، فطردت ولعنت، وأنت تدعي أنك أنت الإله! هذا والله الجنون البارد.

اتخاذ الأصنام تغفيل
ومن أعجب التغفيل اتخاذ الأصنام آلهة، فالإله ينبغي أن يفعل لا أن يفعل. ومن التغفيل بنيان نمرود الصرح ثم رميه بنشابه ليقتل بزعمه إله السماء، أتراه لو كان خصمه في مكان فرأى قوساً موتورة إلى جهته، أما كان يمكنه أن ينزوي عنها!

تصرف إخوة يوسف تغفيل
ومن أعظم التغفيل ما جرى لإخوة يوسف في قولهم " أكله الذئب "