الطويل:
قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا
فقال لي: قبحك الله ما هذه المعاشرة؟ فاستيقظت وحلفت أني ما قصدته. ومثل هذا ما جرى لعبد الله بن حسن فإنه كان يساير السفاح وينظر إلى مدينته التي بناها ظاهر مدينة الأنبار فأنشده: الوافر:
ألم تر مالكاً أضحى يبني ... بيوتاً نفعها لبني بقيلة
يرجى أن يعمر عمر نوح ... وأمر الله يأتي كل ليلة
فغضب فاعتذر إليه. وبينا عيسى بن موسى يساير أبا مسلم يوم إدخاله على المنصور تمثل عيسى فقال:
الطويل:
سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت ... وما حل في أكباد عاد وجرهم
فقال أبو مسلم: هذا مع الأمان الذي أعطيت؟ فقال عيسى: اعتقت ما أملك إن كان هذا شيئاً أضمرته.
ثلاث غفلات لجارية الأمين
ولما حوصر الأمين قال لجاريته: غني، فغنت الطويل:
كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر جرماً منك ضرج بالدم
فاشتد ذلك عليه ثم قال غني غير هذا. فغنت: البسيط:
شكت فراقهم عيني فأرقها ... إن التفرق للأحباب بكاء
فقال: لعنك الله أما تعرفين غير هذا؟ فغنت: البسيط:
ما اختلف الليل والنهار وما ... دارت نجوم السماء في الفلك
إلا لنقل السلطان من ملكٍ ... قد غاب تحت الثرى إلى ملك
فقال: قومي، فقامت فعثرت بقدح بلور فكسرته، فإذا قائل يقول: " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ".
ولما دخل المأمون على زبيدة ليعزيها في الأمين قالت: أرأيت أن تسليني في غدائك اليوم عندي؟ فتغدى وأخرجت إليه من جواري الأمين من تغنيه فغنت:
الطويل:
هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما فعلت يوماً بكسرى مرازبه
فوثب مغضباً، فقالت له: يا أمير المؤمنين حرمني الله أجره إن كنت علمت أو دسست إليها، فصدقها.
المعتصم يتطير من قول شاعر
ولما فرغ المعتصم من بناء قصره دخل الناس عليه، فاستأذنه إسحاق بن إبراهيم أن ينشده شعراً في صفته وصفة المجلس أوله: الكامل:
يا دار غيرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك
فتطير المعتصم وعجب الناس من إسحاق كيف فعل هذا مع فهمه، فقاموا وخرب القصر وما اجتمع فيه بعد ذلك اثنان.
وأنشد الصاحب بن عباد عضد الدولة مديحاً له من قصيدة يقول فيها:
الطويل:
ضممت على أبناء تغلب تاءها ... فتغلب ما كر الجديدان تغلب
فتطير عضد الدولة من قول تغلب وقال: نعوذ بالله، فتيقظ الصاحب لقوله وتغير لونه.
وقال إسحاق المهلبي: دخلت على الواثق فقال: غنني صوتاً عربياً، فقلت: السريع:
يا دار إن كان البلى محاك ... فإنه يعجبني أراك
قال فتبينت الكراهية في وجهه وندمت.
الشاعر العجلي يوجأ في عنقه لغفلته
ودخل أبو النجم العجلي على هشام بن عبد الملك فأنشده أبياتاً حتى بلغ
فيها ذكر الشمس فقال: " وهي على الأفق كعين الأحول "، فأمر أن يوجأ في عنقه وأخرج.
أرطاة يخطىء خطأً غير مقصود
ودخل أرطأة على عبد الملك بن مروان وكان شيخاً كبيراً فاستنشده ما قاله في طول عمره فأنشده: الوافر:
رأيت المرء تأكله الليالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبغي المنية حين تأتي ... على نفس ابن آدم من مزيد
فاعلم أنها ستكر حتى ... توفي نذرها بأبي الوليد
فارتاع عبد الملك وظن أنه عناه وعلم أرطأة أنه زل فقال: يا أمير المؤمنين إني أكنى بأبي الوليد، وصدقه الحاضرون.
ذو الرمة عند عبد الملك
ودخل ذو الرمة على عبد الملك فأنشده: البسيط:
ما بال عينيك منها الدمع ينسكب ... كأنه من كلى مفرية سرب
واتفق أن عيني عبد الملك كانت تسيلان، فظن أنه عرض به فغضب، وقطع إنشاده وأخرجه. ودخل شاعر على طاهر بن عبد الله فأنشده: الخفيف:
شب بالإبل من عزيزة نار ... أوقدتها وأين منك المزار
وكان اسم والدة طاهر عزيزة فتغامز الحاضرون وأعلموه بهفوته فأمسك.
غفلة شاعر في حضرة عقبة بن مسلم
ودخل رجل على عقبة بن مسلم الأزدي فأنشده: المديد:
يا ابنة الأزدي قلبي كئيبٌ ... مستهامٌ عندكم ما يؤوب
ولقد لاموا فقلت دعوني ... إني من تلحون فيه حبيب
فتغير وجه عقبة، فنظر الشاعر فقطع.
أسرجوا العلوي
ودخل الرئيس أبو علي العلوي يوماً على بعض الرؤساء، فتحادثا فجءا غلام لذلك الرجل فقال: يا سيدي أي الخيل نسرج اليوم؟ فقال: اسرجوا العلوي. فقال له أبو علي: أحسن اللفظ يا سيدي، فاستحيا وقال: هفوة.
المشاكلة اللفظية تسبب الأزمات
واجتاز المرتضى أبو القاسم نقيب العلويين، يوم جمعة على باب جامع المنصور عند المكان الذي يباع فيه الغنم، فسمع المنادي يقول: نبيع هذا التيس العلوي بدينار، فظن أنه قصده بذلك فعاد متألماً من المنادي فكشف عن الحال،
فوجد أن التيس إن كان في رقبته حلمتان سمي علوياً نسبة لشعرتي العلوي المسبلتين على رقبته. ونحو هذا ما جرى لأبي الفرج العلوي، فإنه كان أعرج أحول، فسمع منادياً ينادي على تيس: كم عليكم في هذا العلوي الأعرج الأحول؟ فلم يشك أنه عناه، فراغ عليه ضرباً إلى أن تبين أن التيس أحول أعرج فضحك الحاضرون مما اتفق.
أراد أن يمدحه فذمه
وقال أبو الحسن الصابىء: دخل بعض أصدقائنا إلى رجل قد ابتاع داراً في جواره، فسلم عليه وأظهر الأنس بقربه وقال: هذه الدار كانت لصديقنا وأخينا، إلا أنك بحمد الله أوفى منة وكرماً وأوسع نفساً وصدراً، والحمد لله الذي بدلنا به من هو خيرٌ منه وأنشد: بدل بالبازي غرابٌ أبقع. فضحك منه الرجل حتى استلقى وخجل، وصارت نادرة يولع الرجل بها.
الباب العاشر
في ذكر المغفلين من القراء والمصحفين
الإصرار على الغلط
عن عبد الله بن عمر بن أبان أن مشكدانة قرأ عليه في التفسير " ويعوق وبشراً " فقيل له ونسراً، فقال: هي منقوطة بثلاثة من فوق، فقيل له النقط غلط، قال: فارجع إلى الأصل. وعن محمد بن أبي الفضل قال: قرأ علينا عبد الله بن عمر بن أبان ويعوق وبشراً فقال له رجل إنما هو ونسراً، فقال: هو ذا فوقها نقط مثل رأسك. وقال أبو العباس بن عمار الكاتب: انصرفت من مجلس مشكدانة فمررت بمحمد بن عباد بن موسى فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من عند مشكدانة، فقال: ذاك الذي يصحف على جبرائيل. يريد قراءته ويعوق وبشراً وكانت حكيت عنه. حدثنا إسماعيل بن محمد قال: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقرأ " فإن لم يصبها وابل فظل ". قال: وقرأ " من الخوارج مكلبين ".