الطويل:
هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما فعلت يوماً بكسرى مرازبه
فوثب مغضباً، فقالت له: يا أمير المؤمنين حرمني الله أجره إن كنت علمت أو دسست إليها، فصدقها.
المعتصم يتطير من قول شاعر
ولما فرغ المعتصم من بناء قصره دخل الناس عليه، فاستأذنه إسحاق بن إبراهيم أن ينشده شعراً في صفته وصفة المجلس أوله: الكامل:
يا دار غيرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك
فتطير المعتصم وعجب الناس من إسحاق كيف فعل هذا مع فهمه، فقاموا وخرب القصر وما اجتمع فيه بعد ذلك اثنان.
وأنشد الصاحب بن عباد عضد الدولة مديحاً له من قصيدة يقول فيها:
الطويل:
ضممت على أبناء تغلب تاءها ... فتغلب ما كر الجديدان تغلب
فتطير عضد الدولة من قول تغلب وقال: نعوذ بالله، فتيقظ الصاحب لقوله وتغير لونه.
وقال إسحاق المهلبي: دخلت على الواثق فقال: غنني صوتاً عربياً، فقلت: السريع:
يا دار إن كان البلى محاك ... فإنه يعجبني أراك
قال فتبينت الكراهية في وجهه وندمت.
الشاعر العجلي يوجأ في عنقه لغفلته
ودخل أبو النجم العجلي على هشام بن عبد الملك فأنشده أبياتاً حتى بلغ
فيها ذكر الشمس فقال: " وهي على الأفق كعين الأحول "، فأمر أن يوجأ في عنقه وأخرج.
أرطاة يخطىء خطأً غير مقصود
ودخل أرطأة على عبد الملك بن مروان وكان شيخاً كبيراً فاستنشده ما قاله في طول عمره فأنشده: الوافر:
رأيت المرء تأكله الليالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبغي المنية حين تأتي ... على نفس ابن آدم من مزيد
فاعلم أنها ستكر حتى ... توفي نذرها بأبي الوليد
فارتاع عبد الملك وظن أنه عناه وعلم أرطأة أنه زل فقال: يا أمير المؤمنين إني أكنى بأبي الوليد، وصدقه الحاضرون.
ذو الرمة عند عبد الملك
ودخل ذو الرمة على عبد الملك فأنشده: البسيط:
ما بال عينيك منها الدمع ينسكب ... كأنه من كلى مفرية سرب
واتفق أن عيني عبد الملك كانت تسيلان، فظن أنه عرض به فغضب، وقطع إنشاده وأخرجه. ودخل شاعر على طاهر بن عبد الله فأنشده: الخفيف:
شب بالإبل من عزيزة نار ... أوقدتها وأين منك المزار
وكان اسم والدة طاهر عزيزة فتغامز الحاضرون وأعلموه بهفوته فأمسك.
غفلة شاعر في حضرة عقبة بن مسلم
ودخل رجل على عقبة بن مسلم الأزدي فأنشده: المديد:
يا ابنة الأزدي قلبي كئيبٌ ... مستهامٌ عندكم ما يؤوب
ولقد لاموا فقلت دعوني ... إني من تلحون فيه حبيب
فتغير وجه عقبة، فنظر الشاعر فقطع.
أسرجوا العلوي
ودخل الرئيس أبو علي العلوي يوماً على بعض الرؤساء، فتحادثا فجءا غلام لذلك الرجل فقال: يا سيدي أي الخيل نسرج اليوم؟ فقال: اسرجوا العلوي. فقال له أبو علي: أحسن اللفظ يا سيدي، فاستحيا وقال: هفوة.
المشاكلة اللفظية تسبب الأزمات
واجتاز المرتضى أبو القاسم نقيب العلويين، يوم جمعة على باب جامع المنصور عند المكان الذي يباع فيه الغنم، فسمع المنادي يقول: نبيع هذا التيس العلوي بدينار، فظن أنه قصده بذلك فعاد متألماً من المنادي فكشف عن الحال،
فوجد أن التيس إن كان في رقبته حلمتان سمي علوياً نسبة لشعرتي العلوي المسبلتين على رقبته. ونحو هذا ما جرى لأبي الفرج العلوي، فإنه كان أعرج أحول، فسمع منادياً ينادي على تيس: كم عليكم في هذا العلوي الأعرج الأحول؟ فلم يشك أنه عناه، فراغ عليه ضرباً إلى أن تبين أن التيس أحول أعرج فضحك الحاضرون مما اتفق.
أراد أن يمدحه فذمه
وقال أبو الحسن الصابىء: دخل بعض أصدقائنا إلى رجل قد ابتاع داراً في جواره، فسلم عليه وأظهر الأنس بقربه وقال: هذه الدار كانت لصديقنا وأخينا، إلا أنك بحمد الله أوفى منة وكرماً وأوسع نفساً وصدراً، والحمد لله الذي بدلنا به من هو خيرٌ منه وأنشد: بدل بالبازي غرابٌ أبقع. فضحك منه الرجل حتى استلقى وخجل، وصارت نادرة يولع الرجل بها.
الباب العاشر
في ذكر المغفلين من القراء والمصحفين
الإصرار على الغلط
عن عبد الله بن عمر بن أبان أن مشكدانة قرأ عليه في التفسير " ويعوق وبشراً " فقيل له ونسراً، فقال: هي منقوطة بثلاثة من فوق، فقيل له النقط غلط، قال: فارجع إلى الأصل. وعن محمد بن أبي الفضل قال: قرأ علينا عبد الله بن عمر بن أبان ويعوق وبشراً فقال له رجل إنما هو ونسراً، فقال: هو ذا فوقها نقط مثل رأسك. وقال أبو العباس بن عمار الكاتب: انصرفت من مجلس مشكدانة فمررت بمحمد بن عباد بن موسى فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من عند مشكدانة، فقال: ذاك الذي يصحف على جبرائيل. يريد قراءته ويعوق وبشراً وكانت حكيت عنه. حدثنا إسماعيل بن محمد قال: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقرأ " فإن لم يصبها وابل فظل ". قال: وقرأ " من الخوارج مكلبين ".
وعن محمد بن جرير الطبري قال: قرأ علينا محمد بن جميل الرازي " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يجرحوك ". قال الدارقطني: وحدثني أنه سمع أبا بكر الباغندي أملى عليهم في حديث ذكره " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوياً " بضم الهاء وياء.
تشنيعات على ابن أبي شيبة
قال ابن كامل: وحدثنا أبو شيخ الأصبهاني محمد بن الحسين قال: قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة في التفسير وإذا بطشتم بطشتم خبازين يريد قوله " جبارين ". وعن محمد بن عبد الله المنادي يقول: كنا في دهليز عثمان بن أبي شيبة فخرج إلينا وقال ن والقلم في أي سورة هو؟. وعن إبراهيم بن دومة الأصبهاني أنه يقول: أملى علينا عثمان بن أبي شيبة في التفسير قال: خذوا سورة المدبر قالها بالباء. قال الدارقطني: قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة في التفسير " فلما جهزهم
بجهازهم جعل السقاية في رجل أخيه " فقيل له: " السقاية في رحل أخيه " فقال: أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لعاصم. وقال القاضي المقدمي:
قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة جعل السقاية في رجل أخيه فقيل له " في رحل أخيه " فقال: تحت الجيم واحدة. وعن محمد بن عبد الله الحضرمي إنه قال: قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة فضرب بينهم سنور له ناب فقيل له إنما هو " بسور له باب " فقال: أنا لا أقرأ قراءة حمزة، قراءة حمزة عندنا بدعة.
استمر على تصحيفه أربعين سنة
قال: حدثني أبو الحسين أحمد بن يحيى قال: مررت بشيخ في حجره مصحف وهو يقر: ولله ميزاب السموات والأرض فقلت: يا شيخ ما معنى ولله ميزاب السموات والأرض؟ قال: هذا المطر الذي نراه، فقلت: ما يكون التصحيف إلا إذا كان بتفسير، يا هذا إنما هو " ميراث السموات والأرض " فقال: اللهم اغفر لي، أنا منذ أربعين سنة أقرؤها وهي في مصحفي هكذا.
ادعى الاشتغال بالقرآن وهو الجاهل به
قال: حدثني أبو فزارة الأسدي قال: قلت لسعيد بن هشيم: لو حفظت عن أبيك عشرة أحاديث سدت الناس، وقيل هذا ابن هشيم فجاءوك فسمعوا منك، قال: شغلني عن ذلك القرآن، فلما كان يوم آخر قال لي: جبير كان نبياً أم صديقاً؟