مقدمة
1- قبل حوالي عشرين سنة، عثرنا في مكتبة مدرسة أبي حنيفة، في الأعظمية، على مخطوط دون عنوان. ويحوط صفحتي فاتحة المخطوط زخرف جميل، يتخلل أعلاه وأسفله ما يلي: «كتاب فيه أخبار العباس وفضائله ومناقبه، وفضائل ولده ومناقبهم، رضوان الله عليهم أجمعين» ، إلا أن وسط الصفحتين خال من الكتابة. والتعريف بالمخطوط دون ذكر العنوان أمر يدعو للتساؤل خاصة حين يلاحظ محتواه. ومع أنّنا نميل إلى أن عنوان الكتاب هو «أخبار الدولة العباسية» كما سنبين فيما بعد، إلّا أنّنا أبقينا «أخبار العباس وولده» كما جاء في التعريف وكما توحي خطة الكتاب.
إن التعريف المذكور يشعر بأن الكتاب يتناول تاريخ الخلافة العباسية، إلّا أنّه- كما وصل- ينتهي قبيل قيامها. فالمخطوط يتحدث عن العباس، وعبد الله بن العباس، وعلي بن عبد الله، ومحمد بن علي، ثم عن إبراهيم الإمام ابن محمد بن عليّ، ونهايته، وهرب أخيه أبي العباس إلى الكوفة قبيل دخول القوات الخراسانية هذه المدينة. وحين يتناول المخطوط سيرة العباس بن عبد المطلب وأولاده المذكورين، يجعل محور حديثه قضية الإمامة وموقف العباسيين منها وتطلعهم إليها وعملهم في سبيلها. فهو في حقيقته تاريخ موسع للدعوة العباسية.
وقد كتب المخطوط بخط نسخي حسن، ويقع في أربعمائة صفحة وثلاث
صفحات، من قياس 18- 25 سم، وتحوي كل صفحة منها خمسة عشر سطرا بمعدل 11- 12 كلمة في السطر الواحد. ولم يصلنا المخطوط كاملا، إذ تنقصه الأوراق الأولى التي تحوي الديباجة وسيرة العباس إلى خبر وفاته.
وينتهي المخطوط بقائمتين: الأولى ب «تواريخ الخلفاء من بني أمية» ، والثانية ب «تواريخ الخلفاء من بني العباس رضي الله عنهم» . وواضح أن القائمتين ألحقنا بالكتاب، دون أن تكونا منه، إتماما للفائدة. ولكن القائمة الثانية تدلنا على فترة نسخ المخطوط، ذلك أنها تقف عند «تاريخ خلافة الإمام المتوكل على الله أبي [1] عبد الله محمد سنة ثلاثة وستين وسبعمائة ... وهو الخليفة القوام بعصرنا» . وهذا يحدد زمن كتابة المخطوط بين 763- 779 هـ/ 1362- 1377 م.
2- إن نسخة المخطوط الّذي ننشره فريدة، وقد سبق لنا أن عرفنا به قبل عدة سنين [2] . ثم نشر الأستاذ بطرس غريازنيويج قطعة مصورة من مخطوط بعنوان «نبذة من كتاب التاريخ- للمؤلف المجهول من القرن الحادي عشر» مع ترجمة وتعليقات بالروسية [3] ، ثم نشر المخطوط كله مصورا بعنوان «تاريخ الخلفاء للمؤلف المجهول من القرن الحادي عشر» [4] . ويهمنا هذا الكتاب لصلته الوثيقة بمخطوطنا، وللضوء الّذي يلقيه على بعض مشكلاته.
ويتكون تاريخ الخلفاء من قسمين، يتناول القسم الأول منه تاريخ الخلفاء الراشدين، ثم التاريخ الأموي. ويهمنا منه القسم الثاني، وهو ما نشر بعنوان
[1] في الأصل: «أبا» .
[2] عبد العزيز الدري- ضوء جديد على الدعوة العباسية، مجلة كلية الآداب والعلوم، بغداد 1957 ص 64- 82.
[3] من منشورات: معهد الدراسات الشرقية، آثار الآداب الشرقية، السلسلة الكبرى للنصوص (6) ، موسكو 1960.
[4] نشر ضمن السلسلة المذكورة أعلاه رقم (11) ، موسكو 1967.
«نبذة من كتاب التاريخ» ، ويقع هذا القسم بين ص 475 (235 ب من المخطوط) وص 592 (294 أمن المخطوط) من «تاريخ الخلفاء» ، ويختص بالعباسيين. يبدأ المؤلف هذا القسم بالبسملة، ويقدم له بديباجة في فضائل الدولة العباسية، ثم يعرّف بصلته بالعباسيين، وهي صلة ولاء تعود إلى جده الأكبر (وثاب) ، والد المقرئ يحيى بن وثاب، وكان مولى مكاتبا لعبد الله بن العباس [1] . وهذه المقدمة تلفت النظر، إذ إن المؤلف اكتفى، حين تناول تاريخ الأمويين، بعنوان بسيط وهو «خلافة بني أمية وبني مروان» ، وكأنّه يشعرنا بأن القسم الخاص بالعباسيين هو كتاب ثان، وهو ينعت هذا القسم مرة ب «أخبار الدولة المباركة العباسية» [2] وأخرى ب «أخبار الدولة الهاشمية العباسية» [3] ، مما يوحي بأن عنوانه هو «أخبار الدولة العباسية» .
ومع أن المؤلف يلتزم في هذا القسم ب «الإيجاز والاختصار» كما فعل في القسم الأول [4] ، إلا أنّه يضيف إلى ذلك بعدئذ أنّه تجنب «التطويل بحديث الأسانيد وذكر أسماء الرجال» [5] ، فيلمح إلى أنّه يوجز مؤلفا بعينه، وأنّه لم يأخذ من «الكتب الكبار والمصنفات الأصول» [6] ، كما فعل في تاريخ الراشدين والأمويين. وهو يعترف بذلك ضمنا في معرض حديثه عن أبي مسلم، إذ يقول «وله أحاديث وحكايات جرت عليه بمرو ونسا ونيسابور والري،
[1] ص 236 ب من صورة المخطوط. وسنشير إلى صفحات المخطوط لتسهل الإشارة إلى الكتابين المذكورين.
[2] ص 235 ب.
[3] ص 236 أ.
[4] انظر ص 236 أ.
[5] ص 237 ب.
[6] تاريخ الخلفاء ص 159.
يشتمل عليها التاريخ الكبير وليس يحتملها هذا المختصر» [1] . ويتأكد هذا الاستنتاج بمقارنة هذا القسم بمخطوطنا، إذ نرى أن المؤلف اعتمد على «أخبار العباس وولده» وحده واختصره، ولكن عملية الاختصار لم تعد حذف الأسانيد وبعض الروايات، وأما الباقي فأورده عادة بالنص. وهناك اختلافات بسيطة في بعض التعابير أو الكلمات، لا ندري إن كانت من تصرف المؤلف أو من أثر النسخ، ولكننا نرجح الاحتمال الثاني. وقد مرّ بنا أن المؤلف يسمي هذا القسم «أخبار الدولة العباسية» في حين أن عنوان الكتاب هو «تاريخ الخلفاء» والفرق واضح ومهم بين «أخبار» و «تاريخ» في علم التاريخ عند العرب.
إن ما ذكرنا يجعلنا نتساءل عن أصل مقدمة القسم الخاص بالعباسيين من «تاريخ الخلفاء» - أهي ديباجة مؤلف هذا الكتاب، أم انها اقتباس لديباجة «أخبار العباس وولده» شأن باقي الكتاب. ونحن نرجح الاحتمال الثاني، إذ إن من يختصر كتابا بعينه لا يحتاج إلى توضيح لطبيعة الأخبار التي أخذها جملة عن غيره. ويعزز هذا الرأي أن الديباجة تشير إلى حداثة الدولة العباسية حين تنص «مع أن قرب العهد بها واتصال السماع خلفا عن سلف يحملان على زيادة الشرح» [2] ، وهو قول يصدق على القرن الثالث الهجريّ، بالنسبة للكتابة التاريخية، لأنّه عصر جمع الروايات وتمحيصها على نطاق واسع من قبل الجيل الأول من المؤرخين الكبار، كما فعل مؤلف «أخبار العباس وولده» ، ولكنه لا يرد بالنسبة للقرن الخامس الهجريّ، وهو فترة كتابة تاريخ الخلفاء [3] .
3- وبضوء ما مرّ، فإنّنا نرجح أن عنوان المخطوط الّذي ننشره هو
[1] ص 261 ب.
[2] ص 236 أ.
[3] انظر مقدمة غريازنيويج (بالإنكليزية) لتاريخ الخلفاء ص 52، وص 53 أمنه.
«أخبار الدولة العباسية» . ونحن نلاحظ أن كلمة «دولة» هنا لا تعني بالضرورة الكيان السياسي المفهوم، بل إن مؤلف «أخبار العباس وولده» استعملها بمعنى «دعوة» إذ يقول: «إن إبراهيم الإمام بن محمد أوصى أبا العباس عبد الله بن محمد بالقيام بالدولة، وأمره بالجد والحركة، وأن لا يكون له بالحميمة لبث ولا عرجة حتى يتوجه إلى الكوفة» [1] . ويذكر الأزدي أن عبد الله بن عليّ كان يشجع المسوّدة قبيل معركة الزاب قائلا: «إنها الدولة التي لا يباريها أحد إلا صرعة الله» [2] ، ولا تعني كلمة «دولة» هنا إلا «دعوة» أو حركة مباركة. وينسب الأزدي، في رواية، إلى مروان بن محمد قوله لأحد قادته حين استهان بالمسوّدة: «دع عنك هذا، على ودي أن دولتهم لنا، وأن عسكري معهم» [3] . وبصرف النظر عن قيمة الرواية، فإن كلمة «دولة» في هذا النص تقرب في المعنى مما ذكر، وقد تعني «الدّور» .
هذا إلى أن صاحب تاريخ الخلفاء يستعمل كلمة «دولة» مرادفة لكلمة «دعوة» في أكثر من موضع [4] .
وهذا يعزّز رأينا في أن عنوان الكتابة هو «أخبار الدولة العباسية» ، ما دامت كلمة دولة تعني دعوة أو حركة.
4- إن عنوان المخطوط، ومقارنته بالقسم الثاني من «تاريخ الخلفاء» تدل على أنّه يبدأ بأخبار العباس بن عبد المطلب [5] . ولما كان المختصر- كما
[1] أخبار العباس وولده (الأخبار) ص 409.
[2] الأزدي تاريخ الموصل ج 2 ص 112.
[3] نفس المصدر ص 131. قارن بالبلاذري أنساب الأشراف ص 242 (الرباط) ، حيث يستعمل «دولة» بمعنى العصر الجديد.
[4] قارن ص 289 و 363 من الأخبار ب ص 264 ب و 280 ب من تاريخ الخلفاء على التوالي.
[5] تاريخ الخلفاء ص 237 ب.
ورد في تاريخ الخلفاء- يوازي ربع الأصل وهو «أخبار العباس وولده» ، فإن المقارنة بينهما تعطينا فكرة عن الأوراق المفقودة من أول المخطوط.
ففي تاريخ الخلفاء تشغل ترجمة العباس أربع صفحات [1] ، وهذا يعني أن «أخبار العباس وولده» ترجم للعباس بحوالي ست عشرة صفحة، بقي منها في المخطوط ثلاث صفحات، وهذا يعني أن ما فقد يقع في حدود ثلاث عشرة صفحة.
أما نهاية المخطوط فتبدو مبتورة، ولكن الدلائل لا تؤكد ذلك.
فمقارنة المخطوط بتاريخ الخلفاء تضعف احتمال النقص، ذلك أن روايات مخطوطنا تنتهي عند الصفحة 290 أس من تاريخ الخلفاء حيث يبدأ الخبر التالي بالعبارة الآتية: «وروي من عدة وجوه أن أبا العباس.. إلخ» ، وهذا يعني أن مختصر «أخبار العباس وولده» انتهى، وأن مؤلف تاريخ الخلفاء عاد إلى طريقته في الأخذ من عدة مصادر. كما أن مؤلف «الأخبار» في حديثه عن تهيؤ مروان لمواجهة المسوّدة يقول «وأقام يحشد يريد أن ينهض إلى الهاشمية، وقد أيقن بزوال ملك بني أمية، حتى ظهر أبو العباس (رضي الله عنه) فإنّه أول خلفاء بني العباس..» [2] ، ولا محل للتعريف بأبي العباس لو تناول المؤلف تاريخ الخلفاء العباسيين. هذا إلى أن إضافة قائمة بأسماء الخلفاء العباسيين، وهي متأخرة، تؤكد أن المؤلف لم يتناول الخلفاء. ويبدو أن النسّابين الأولين، مثل ابن الكلبي، لم يتناولوا الخلفاء العباسيين في كتاباتهم، فابن الكلبي يقف في «جمهرة النسب» عند أولاد علي بن عبد الله ولا يتناول أولاد محمد بن علي [3] ، وباثنين منهم بدأت الخلافة العباسية، وهذا يجعل وقوف
[1] نفس المصدر ص 237 ب- 239 ب.
[2] الأخبار ص 379.
[3] انظر هشام بن محمد بن السائب الكلبي- جمهرة النسب [مخطوط المتحف البريطاني] ص 15- 16
مخطوطنا- وهو موضوع في إطار كتب الأنساب- عند نهاية الدعوة أمرا مألوفا. وحين نفحص القسم الأخير من مخطوطنا (ص 189 ب- 202 ب) نراه يبدأ في ص 189 ب، بالبسملة، وأول عنوان يصادفنا هو «جود إبراهيم الإمام» ، وهو عنوان مكرر ولا صلة له بالمحتوى، ويتبعه بمقتل إبراهيم الإمام، وولده، ووصيته لأبي العباس وسير هذا ببعض أهله إلى الكوفة.
وهذا يشير إلى أن القسم الأخير هو إضافة إلى المسوّدة الأولى للكتاب تتم أخبار إبراهيم الإمام حتى نهايته.
وهكذا فإنّنا نرجح أن المخطوط تام في آخره ولم يسقط منه شيء.
5- إن فقد الأوراق الأولى من المخطوط حرمنا كما يبدو من اسم المؤلف.
ولكن دراسة أسلوب الكتاب ومصادره تدل على أنّه كتب في أواسط القرن الثالث الهجريّ. فهو في الأساس كتاب أخبار يعنى بإيراد الأسانيد ويلتفت إلى اختلاف الروايات. ومع أنّه يراعي تسلسل النسب في إطاره إلا أنّه لم يحافظ بدقة على خط كتب الأنساب، إذ إنّه لا يعنى إلا بالابن الأكبر.
كما أن الاهتمام الخاص بالإسناد يبين الأثر الواضح لمدرسة أهل الحديث في الأسلوب.
وتتنوع مصادر معلومات الكتاب حسب طبيعة الموضوع، وتدل على جهد واسع في جمع الروايات. فقد أخذ المؤلف جل معلوماته عن الدعوة من روايات شفوية [1] ، وأخذ من مؤرخين سابقين ومعاصرين، وانفرد بإيراد وثائق ومعلومات هامة.
أخذ مؤلف «الأخبار» عن مؤلفين معروفين سبقوه- من إخباريين، مثل أبي مخنف (ت، 157 هـ/ 774 م) ، وعوانة بن الحكم (ت، 147 هـ/
[1] انظر بصورة خاصة ص 257 وما بعدها من الأخبار.
819 م) ، والهيثم بن عدي (ت، 206- 7 هـ/ 821- 2 م) ، والمدائني (ت، 235 هـ/ 850 م) ، وعن مؤرخين كالواقدي (ت، 207 هـ/ 823 م) ونسابين مثل هشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت، 204- 206 هـ/ 819- 821 م) ، ومصعب الزبيري (ت، 235 هـ/ 850 م) وغيرهم مثل محمد بن سلام (ت، 231 هـ/ 845 م) . واتصل بمعاصرين وأخذ عنهم مثل محمد بن شبة (ت، 262 هـ/ 875 م) والعباس بن محمد الدوري (ت، 271 هـ/ 881 م) ، والمبرد (ت، 285 هـ/ 898 م) ، ومحمد بن يحيى بن جابر البلاذري (ت، 279 هـ/ 293 م) . وقد أخذ روايات المعاصرين بأسانيدها، وخير مثل لذلك ما رواه عن البلاذري فهو يعطي رواياته بإسناد متصل، ولذا تختلف سلسلة الإسناد أحيانا عما جاء في كتاب أنساب الأشراف للبلاذري [1] ، أو يعطي إسنادا حين لا يوجد إسناد في رواية أنساب الأشراف [2] ، أو يورد نصا يختلف لحد ما عن النص الوارد في أنساب الأشراف [3] مما يدل على أنّه روى عنه مباشرة.
وانفرد المؤلف بمعلومات عن بداية الدعوة (حتى سنة 100 هـ) ، وعن بعض أحداثها وأسرارها، كما أورد قوائم مفصلة بأسماء النقباء والدعاة في خراسان ومراتبهم وتنظيماتهم. ويبدو أنّه أخذها من الحلقات الداخلية لرجال الدعوة، إذا استقى الكثير منها من رؤساء الدعوة ومن الدعاة البارزين فيها، مثل سالم الأعمى عن ميسرة النبال [4] وبكير بن ماهان، وموسى السراج،
[1] قارن الأخبار ص 143، بالأنساب ق 1 ص 561 (إسطنبول) ، والأخبار 228 بالأنساب ق 1 ص 566.
[2] قارن الأخبار ص 163 بالأنساب ق 1 ص 568.
[3] قارن الأخبار ص 164 بالأنساب ق 1 ص 566، والأخبار 229، بالأنساب ق 1 ص 566.
[4] الأخبار ص 186 وص 188 وص 189.