حتى ألقيتنا في هذا المكروه ويوسف عليه السلام أقول له كنت بمصر وأبوك عليه السلام بكنعان بينك وبينه عشر مراحل يبكي عليك لِم لَم ترسل إليه إني في عافية وتريحه مما كان فيه من الحزن وطلحة والزبير أقول لهما علي بن أبي طالب عليه السلام بايعتهماه بالمدينة وخلعتماه بالعراق لم أي شيء أحدث.
وأما الخليل بن أحمد أبو عبد الرحمن الفراهيدي الأزدي فقد كان الغاية في استخراج مسائل النحو وتصحيح القياس فيه وهو أول من استخرج العروض وحصر أشعار العرب بها وعمل أول كتاب العين المعروف المشهور الذي به يتهيأ ضبط اللغة. وكان من الزهاد في الدنيا والمنقطعين إلى العلم ويروى عنه أنه قال: إن لم تكن هذه الطائفة يعني أهل العلم أولياء لله فليس لله ولي. وقد كان وجه إليه سليمان بن علي من الأهواز وكان واليها يلتمس منه الشخوص إليه وتأديب أولاده
ويرغبه ويقال إن الذي وجه إليه سليمان بن حبيب بن المهلب من أرض السند يستدعيه إليه. وكان بالبصرة فأخرج الخليل إلى رسول سليمان بن علي خبزاً يابساً وقال: ما عندي غيره وما دمت أجده فلا حاجة لي في سليمان، فقال الرسول: فماذا أبلغه عنك؟ فأنشأ يقول:
أبلغ سليمان أني عنك في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال
سخا بنفسي أني لا أرى أحداً ... يموت هزلاً ولا يبقى على حال
وكان الخليل يقول الشعر البيتين والثلاثة ونحوها في الآداب كمثل ما يروى له:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت أجهل ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا
وكما يروى له في الزهد:
وقبلك داوى المريض الطبيب ... فعاش المريض ومات الطبيب
فكن مستعداً لداعي الفنى ... فإن الذي هو آت قريب
والخليل أستاذ سيبويه وعامة الحكاية في كتاب سيبويه عن الخليل وكل ما قال سيبويه: وسألته أو قال من غير أن يذكر قائله فهو الخليل.
وممن أخذ عن أبي عمرو بن العلاء أبو محمد يحيى بن المبارك اليزيدي نسب إلى يزيد بن منصور خال المهدي لصحبته إياه وليس هو في النحو من طبقة الخليل ولا من طبقة سيبويه والأخفش وتأخر موته وكان مؤدب المأمون والكسائي مؤدب أخيه محمد الأمين وبينه وبين الكسائي مقارضة بسبب تأديبهما الأخوين. وله قصيدة يمدح نحويي البصرة ويهجو الكسائي وأصحابه. منها:
يا طالبَ النحو ألا فابكهِ ... بعد أبي عمرو وحماد
وابن أبي إسحاق في علمه ... والزين في المشهد والنادي
عيسى وأشباه لعيسى وهل ... يأتي لهم دهرٌ بأنداد
هيهات إلا قائلاً عنهم ... أرسوا له الأصل بأوتاد
فهو بمنهاجهم سالك ... لفضلهم ليس بجحاد
ويونس النحوي لا تنسه ... ولا خليلاً حية الوادي
وقل لمن يطلب علماً ألا ... نادٍ بأعلى شرفٍ ناد
يا ضيعة النحو به مغربٌ ... عنقاء أودت ذات اصعاد
أفسده قومٌ وأزروا به ... من بين أغتامٍ وأوغاد
ذوى مراء وذوى لكنةٍ ... لئام آباد وأجدادِ
؟ لهم قياس أحدثوه هم قياس سوء غير منقاد
فهم من النحو ولو عمروا ... أعمار عادٍ في أبي جاد
أما الكسائي فذاك امرؤ ... في النحو حارٍ غير مراد
وهو لمن يأتيه جهلاً به ... مثل سراب البيد للصاد
وحماد الذي ذكره في النحويين فيما أظن هو حماد بن سلمة لأني لا أعلم في البصريين من ذكر عنه شيء من النحو واسمه حماد إلا حماد بن سلمة. من ذلك ما حدثنا أبو مزاحم موسى بن عبيد الله قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد الوراق قال حدثني مسعود بن عمرو
قال حدثنا علي بن حميد الذارع قال سمعت حماد بن سلمة يقول: من لحن في حديثي فقد كذب علي. قال أبو مزاحم وحدثنا ابن أبي سعد قال حدثني مسعود بن عمرو قال حدثني ابن سلام قلت ليونس: أيما أسن أنت أو حماد بن سلمة؟ قال: هو أسن مني ومنه تعلمت العربية. قال: وحدثني مسعود بن عمر وقال حدثني أبو عمر النحوي صالح بن إسحاق الجرمي قال: ما رأيت فقيهاً قط أفصح من عبد الوارث وكان حماد بن سلمة أفصح منه. وذكر نصر بن علي قال كان سيبويه يستملي على حماد فقال حماد يوماً قال رسول الله صلى الله عليه: ما أحد من أصحابي إلا وقد أخذت عليه ليس أبا الدرداء. فقال سيبويه: ليس أبو الدرداء: فقال حماد: لحنت يا سيبويه. فقال سيبويه لا جرم لأطلبن علماً لا تلحنني فيه أبداً. فطلب النحو ولزم الخليل. ولا أظن اليزيدي عني حماداً الراوية وإن كان مشهوراً برواية الشعر والأخبار لأنه من أهل الكوفة وإنما قصد اليزيدي تفضيل أهل البصرة على أنا لا نعرف لحماد الراوية شيئاً في النحو.
قال أبو سعيد ثم وجدت بخط أبي أحمد الجريري عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب عن محمد بن سلام في ترتيب النحويين
من البصريين حماد بن الزبرقان وكان يونس يفضله.
وقال اليزيد في الكسائي وأصحابه.
كنا نقيس النحو فيما مضى ... على لسان العرب الأول
فجاءنا قوم يقيسونه ... على لغى أشياخ قطربل
فكلهم يعمل في نقص ما ... به يصاب الحق لا يأتل
إن الكسائي وأشياعه ... يرقون في النحو إلى أسفل
ثم إن اليزيدي رثى الكسائي ومحمد بن الحسن الفقيه صاحب أبي حنيفة وكانا قد خرجا مع الرشيد إلى خراسان فماتا في الطريق فقال:
تضرمت الدنيا فليس خلود ... وما قاضي القضاة ترى من بهجة سيبيد
لكل امرئ منا من الموت منهلٌ ... وليس له إلا عليه ورود
ألم تر شيئاً شاملاً ينذر البلى ... وإن الشباب الغض ليس يعود
سيأتيك ما أفنى القرون التي خلت ... فكن مستعداً فالفناء عتيد
أسيت على قاضي القضاة محمد ... فأذريت دمعي والفؤاد عميد
وقلت إذا ما الخطب أشكل من لنا ... بإيضاحه يوماً وأنت فقيد
وأقلقني موت الكسائي بعده ... وكادت بي الأرض الفضاء تميد
فأذهلني عن كل عيش ولذةٍ ... وأرق عيني والعيون هجود
هما عالمانا أوديا وتخرما ... وما لهما في العالمين نديد
فحزني أن تخطر على القلب خطرةٌ ... بذكرهما حتى الممات جديد
وكان أبو محمد اليزيدي الغاية في قراءة أبي عمرو وبروايته يقرأ أصحابه وكان عدلياً معتزلياً فيما يزعم العدلية ويروون أبياتاً يخاطب بها المأمون وهي:
يا أيها الملك الموحد ربه ... قاضيك بشر بن الوليد حمار
ينفي شهادة من يدين بما به ... نطق الكتاب وجاءت الآثار
ويعد عدلاً من يقول برأيه ... شيخٌ تحيط بجمه الأقدار
عند المريسي اليقين بربه ... لو لم يشب توحيده إجبار
لكن من جمع المحاسن كلها ... كهلٌ يقال لشيخه مردار
هو عيسى بن صبيح وكان يعرف بأبي موسى بن المردار وكان من الزهاد.
وأما سيبويه ويكنى أبا بشر واسمه عمرو بن عثمان بن قنبر مولى بني الحارث بن كعب بن عمرو بن علة بن خالد بن مالك بن أدد. وسيبويه بالفارسية رائحة التفاح وأخذ النحو عن الخليل وهو أستاذه وعن يونس وعيسى بن عمر وغيرهم وأخذ أيضاً اللغات عن أبي الخطاب الأخفش وغيره وعمل كتابه الذي لم يسبقه إلى مثله أحد قبله ولم يلحق به من بعده.
وقال محمد بن يزيد أبو العباس المبرد قال يونس بن حبيب وقد ذكر عنده سيبويه: أظن هذا الغلام يكذب على الخليل. فقيل له: قد روى عنك أشياء فانظر فيها فنظر فقال: صدق في جميع ما قال هو قولي.
ومات سيبويه قبل جماعة قد كان أخذ عنهم كيونس وغيره وقد كان يونس مات في سنة ثلاث وثمانين ومائة. وذكر أبو زيد النحوي اللغوي كالمفتخر بذلك بعد موت سيبويه قال: كل ما قال سيبويه وأخبرني الثقة فأنا أخبرته. ومات أبو زيد بعد سيبويه بنيف وثلاثين سنة ويقال أنه نجم من أصحاب الخليل أربعة عمرو بن عثمان سيبويه والنضر