قال الأصمعي: رآني أعرابي وأنا أكتب كل ما يقول فقال: ما تدع شيئاً إلا نمصته. أي نتفته. وقال له بعض الأعراب وقد رآه يكتب: كل شيء ما أنت إلا الحفظة تكتب لفظ اللفظة. وقال له آخر: أنت حتف الكلمة الشرود.
قال أبو العيناء: توفي الأصمعي بالبصرة وأنا حاضر في سنة ثلاث عشرة ومائتين وصلى عليه الفضل بن إسحاق. وسمعت عبد الرحمن ابن أخيه في جنازته يقول: إنا لله وإنا إليه من الراجعين. فقلت: ما عليه لو استرجع كما علمه الله.
ويقال مات الأصمعي في سنة سبع عشرة ومائتين أو سنة ست عشرة والله أعلم وأحكم.
؟
ذكر أخبار أبي عبيدة
كان أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي تيم قريش لا تيم الرباب وهو مولى لهم ويقال هو مولى لبني عبيد الله بن معمر التيمي.
وحدثنا أبو بكر بن مجاهد قال حدثنا الكديمي أو أبو العيناء الشك من أبي سعيد قال: قال رجل لأبي عبيدة: يا أبا عبيدة قد
ذكرت الناس وطعنت في أنسابهم فبالله إلا عرفتني من كان أبوك وما أصله. فقال: حدثني أبي أن أباه كان يهودياً بباجروان.
وكان أبو عبيدة من أعلم الناس بأنساب العرب وبأيامهم وله كتب كثيرة في أيام العرب وحروبها مثل كتاب مقاتل الفرسان وكتب في الأيام معروفة.
قال أبو العباس المبرد: كان أبو عبيدة عالماً بالشعر والغريب والأخبار والنسب وكان الأصمعي يشركه في الغريب والشعر والمعاني وكان الأصمعي أعلم بالنحو منه، وكان أبو عبيدة والأصمعي يتقارصان كثيراً ويقع كل واحد منهما في صاحبه.
أخبرنا أبو بكر بن السراج قال حدثنا أبو العباس المبرد قال حدثنا التوزي قال سألت أبا عبيدة عن قول الشاعر:
وأضحت رسوم الدار قفراً كأنها ... كتابٌ تلاه الباهلي ابن أصمعا
فقال: هذا يقول له في جد الأصمعي كان يقرأ الكتب على المنبر كما يقرأه الخراساني. قال التوزي: فسألت الأصمعي عن هذا فتغير وجهه ثم قال: هذا كتاب عثمان ورد على ابن عامر فلم يوجد له من يقرؤه إلا جدي.
ويروى أنه قيل لأبي عبيدة: أن الأصمعي يقول: بينا أبى يساير سلم بن قتيبة على فرس له. فقال أبو عبيدة: سبحان الله والحمد لله والله أكبر المتشبع بما لم يؤت كلابس ثوبي زور والله ما ملك أبو الأصمعي قط دابة إلا في ثوبه.
وحمل أبو عبيدة والأصمعي إلى الرشيد فاختار الأصمعي لمجالسته لأنه كان أحسن منشأ منه وأصلح لمجالسة الملوك.
قال أبو العباس محمد بن يزيد قال أبو عبيدة: لما حملت إلى الرشيد أنا والأصمعي تغدينا عند الفضل بن يحيى فجاؤونا بأطعمة والله ما سمعت بها قط وإذا بين يدي الأصمعي سمك كنعد وكامخ شبت. فقال لي: كل من هذا يا أبا عبيدة فإنه كامخ طيب. قال فقلت: والله ما فررت من البصرة غلا من الكامخ والكنعد.
وحدثنا أبو علي الصفار قال حدثنا محمد بن يزيد قال حدثنا التوزي عن أبي عبيدة قال سمعت ابن دأب يقول: فخرج حمزة كأنه جملٌ محجوم. فصاح به صائح، يا أبا الوليد ما المحجوم؟ قال
الذي به عضاض. قال: فرفعت رأسي فقلت له: للمحجوم ثلاثة مواضع اخترت لحمزة شرها. قال أبو العباس: الحجم حجم الشيء الذي له لَمْس يقال رأيتُ حجم صرته فعلمت ما فيها أي لمستها. قال أبو العباس وثلاثة المواضع التي يحتمل المحجوم أحدها هو الذي له جسم ولحم يقال جمل محجوم إذا كان جسيماً والمحجوم الذي كان المحجم على فيه يمنعه من الكلام، والمحجوم من العضاض.
وممن اختص بالأخذ عنه حتى نسب إليه التوزي ودماذ أبو غسان ويقال أنه مات سنة ثمان ومائتين وقيل سنة تسع ومائتين والله أعلم وأحكم؟ وبعد هذه الطبقة أبو عمر الجرمي وأبو عثمان المازني واليهما انتهى النحو في زمانهما وفي عصرهما التوزي والزيادي والرياشي وأبو حاتم السجستاني.
أخبار أبي عمر الجرمي
أبو عمر اسمه صالح بن إسحاق وهو مولى لجرم بن زمان وجرم من قبائل اليمن.
قال أبو العباس محمد بن يزيد هو مولى لجبلة بن أنمار بن إراش بن الغوث، قال أبو العباس: كان أبو عمر الجرمي أغوص على الاستخراج من المازني وكان المازني أحد منه.
وأخذ أبو عمر النحو عن الأخفش وغيره وقرأ كتاب سيبويه على الأخفش ولقى يونس بن حبيب ولم يلق سيبويه وأخذ اللغة عبد أبي عبيدة وأبي زيد والأصمعي وطبقتهم وكان ذا دين وأخاً ورع وقد روى عن محدثي أهل البصرة.
حدثنا أبو بكر بن السراج قال حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد قال حدثنا أبو عمر الجرمي عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي عن محمد بن إسحاق عن يونس عن الزهري في قول الله عز وجل: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له). قال: معناه ما الذي علمناه شعراً وما ينبغي له أن يبلغ عنا شعراً. قال الزهري: وكان رسول الله صلى الله عليه لا يقول من الشعر إلا ما قد قيل قبله.
وحدثنا أبو مزاحم الخاقاني قال حدثنا ابن أبي سعد قال
حدثنا مسعود بن عمرو قال حدثني أبو عمر النحوي صالح بن إسحاق الجرمي قال: ما رأيت فقيهاً قط أفصح من مزاحم قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثني مسعود بن عمرو قال حدثني أبو عمر الجرمي قال: رأيت يونس النحوي ومر بحلقة من حلاق المسجد فقام إليه رجل فسأله عن قول الله جل ذكره (وإنى لهم التناوش من مكان بعيد) قال فقال بيده التناول وأنشد:
وهي تنوش الحوض نوشاً من علا ... نوشاً به تقطع أجواز الفلا
أخبار أبي عثمان المازني
وهو بكر بن محمد من بني مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن كعب بن علي بن بكر بن وائل. وقد كان أشخص إلى الواثق وكان السبب في ذلك أن جارية غنت.
أظليم إن مصابكم رجلاً ... أهدى السلام تحية ظلم
فرد بعض الناس عليها نصب رجلاً وظن أنه خبر إن وإنما
هو مفعول المصدر ومصابكم في معنى إصابتكم وظلم خبر إنّ فقالت: لا أقبل هذا أو لا أغيره وقد قرأته كذى على أعلم الناس بالبصرة أبي عثمان المازني فتقدم بإحضاره.
قال أبو العباس محمد بن يزيد حدثني المازني قال: لما قدمت سر من رأى دخلت على الخليفة فقال لي: يا مازني من خلفت وراءك؟ فقلت: خلفت يا أمير المؤمنين أخية لي أصغر مني أقيمها مقام الوالد. فقال لي: فما قالت حين خرجت. قلت: طافت حولي وقالت وهي تبكي أقول لك يا أخي كما قالت بنت الأعشى لأبيها:
تقول ابنتي حين جد الرحيل ... أرانا سواءٌ ومن قد يتم
أبانا فلا رمت من عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم
ترانا إذا أضمرتك البلاد ... نُجفى ويقطع فينا الرحم
قال لي: فما قلت لها؟ قال قلت: أقول لك أخية كما قال جرير لابنته:
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
فقال: لا جرم إنها ستنجح. وأمر لي بثلاثين ألف درهم.
وفي غير هذه الرواية أنه لما أدخل عليه قال له: بسمك. يريد ما اسمك. قال المازني: وكأنه أراد أن يعلمني معرفته بإبدال الباء مكان الميم في هذه اللغة. فقلت: بكر بن محمد المازني. قال: أمازن شيبان أم مازن تميم؟ قلت: مازن شيبان. فقال: حدثنا، قلت: يا أمير المؤمنين هيبتك تمنعني عن ذلك وقد قال الراجز:
لا تقلواها وادلواها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غدوا
قال: فسره لنا، قلت: لا تقلواها لا تعنفانها في السير، يقال قلوته إذا سرت به سيراً عنيفاً، ودلوت إذا سرت سيراً رفيقاً، ثم أحضر التوزي فكان في دار الواثق وكان التوزي يقول إن مصابكم رجلٌ ويظن أن مصابكم مفعول به ورجل خبر. فقال المازني: كيف تقول إن ضربك زيداً ظلمٌ. فقال التوزي: حسبي. وفهم.
وكان دِماذ أبو غسان صاحب أبي عبيدة قد قرأ من النحو إلى باب الواو والفاء ومن قول الخليل وأصحابه أن ما بعدها ينتصب بإضمار أن فنبأ فهمه عنه. قال عبد الله بن أبي سعد حدثنا عبد الله بن ماهان المروزي قال حدثنا عبد الله بن جبان النحوي قال كتب دماز إلى المازني: