أَخْبَرَنِي الحارث بْن مُحَمَّد، عَن مُحَمَّد بْن سعيد، عَن مُحَمَّد بْن عُمَر، قال: ولد عَبْد الرحمن بْن يزيد بْن حارثة في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومات بالمدينة سنة ثلاث وتسعين؛ ويكنى أبا مُحَمَّد. ثم
أَبُو بكر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حزم الأنصاري
... ولما عزل عُمَر بْن عَبْد العزيز عَبْد الرحمن بْن يزيد بْن حارثة استعمل أبا بكر بْن عَمْرو بْن حزم، ثم عزل عُمَر بْن عَبْد العزيز سنة أربع وتسعين، وولي عُثْمَان بْن حيان المري لليلتين بقيتا من شوال؛ فأقر أبا بكر بْن عَمْرو بْن حزم على القضاء، وقد ولي أَبُو بكر الإمارة بعد عُثْمَان بْن حيان؛ وله قضايا كثيرة، وأخبار في إمارته.
حَدَّثَنَا علي بْن حرب؛ قال: حَدَّثَنِي إسماعيل بْن ريان الطائي، عَن ابن إدريس؛ قال: سمعت داود الطائي ينشد هَذَا الشعر لعبيد الله بْن عَبْد اللهِ بْن عقبة.
وحَدَّثَنَا إسماعيل بْن إسحاق؛ قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بْن عَبْد اللهِ؛ قال: أَخْبَرَنَا أَبُو إدريس؛ قال: أنشدني قاسم بْن معن، وعَبْد الرحمن بْن أبي الزناد هذه الأبيات لعبيد الله بْن عَبْد اللهِ بْن عتبة؛ وأحدهما يزيد على الآخر؛ قَالَ: علي بْن حرب في حديثه: كان عراك بْن مالك، وأَبُو بكر ابن حزم، وعبيد الله بْن عَبْد اللهِ يتجالسون بالمدينة زماناً؛ ثم إن ابن حزم ولي أمرها، وولي عراك القضاء؛ فكانا يمران بعبيد الله فلا يسلمان
.. عليه، ولا يقفان، وكان ضريراً فاخبر بذلك فأنشأ يقول:
ألا أبلغا عنّي عراك بْن مالكٍ ... ولا تدعا أن تثنيا بأبي بكر
فقد جعلت تبدو شواكل منكما ... كأنكما بي موقران من الصّخر
وطاوعتما بي داعكاً ذا معاكةٍ ... لِعُمَرَي لقد أورى وما مثله يوري
فلولا اتقاء الله بقياي فيكما ... للمتكما لوماً أحرّ من الجمر
فمسّا تراب الأرض منها خلقتما ... وفيها المصير والمعاد إِلَى الحشر
ولا تأنفا أن تسألا وتسلّما ... فما حشي الإنسان شرّاً من الكبر
ولو شئت أدلي فيكما غير واحد ... علانيةً أو قَالَ: عندي في السّر
فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ... تضاحكت حتى يستلجّ ويستشري
أنشدني حماد بْن إسحاق الموصلي، عَن أبيه؛ لحكيم بْن عكرمة الدئلي في أبي بكر بْن عَمْرو بْن حزم:
وعجبت أن ركب ابن حزم بغلة ... فركوبه فوق المنابر أعجب
وعجبت أن جعل ابن حزم حاجباً ... سبحان من جعل ابن حزم يحجب
وكان سبب هجاء الأحرص بْن مُحَمَّد الأنصاري ابن حزم، فيما أَخْبَرَنَا حماد، عَن أبيه، أن أخا أم جعفر، التي يشبب بها الأحوص، ويُقَالُ لَهُ: أيمن، استعدى أبا بكر بْن حزم على الأحوص، وكان ابن حزم يبغض الأحوص؛ فأحضره، وقَالَ لَهُ: شهرت أخت الرجل؛ قال: ما فعلت؛ فقال: قد أشكل علي أمركما، وأعطاهما صوتين، ثم قال: اجتلدا بين يدي، وكان الأحوص قصيراً دميما، وكان أيمن طويلاً، فضربه حتى صرعه، وأثخنه. ويزعمون: أن الأحوص أحدث؛ وقَالَ: أيمن في ذلك:
لقد منع المعروف من أمّ جعفر ... أشمّ طوال الساعدين غيور
علاك بفرع السّوط حتى اتّقيته ... بأصفر من ماء الصّفاق يفور
فَقَالَ: الأحوص:
إذا أنا لم أغفر لأيمن ذنبه ... فمن ذا الذي يغفر له ذنبه بعدي
أريد انتقام الذنب ثم يردّني ... يد لأدانيه مباركة عندي
ولما رأى تحامل ابن حزم عليه امتدح الوليد، ثم شخص إِلَى الشام يمدحه؛ فدخل عليه، فأنشده؛ فلما بلغ إِلَى هذين البيتين:
لا ترثين لحزميٍّ رأيت به ... ضرّاً ولو أُلقى الحزمي في النّار
النّاخسين بمروان بذي خشب ... والدّاخلين على عُثْمَان بالدّار
فَقَالَ: الوليد: صدقت؛ والله لقد أغفلنا ابن حزم؛ ثم دعا كاتبه، وقال: اكتب عهد عُثْمَان بْن حيان المري على المدينة، واعزل ابن حزم، واكتب إليه أن يستصفي أموال ابن حزم، وأن يسقطوا من الديوان.
ولابن حزم قضايا كثيرة.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن، عَن النميري، عَنْ عَبْدِ الوهاب الثقفي،
عن يحيى بْن سعيد؛ قال: جلد أَبُو بكر بْن حزم، إِذ كان قاضياً على المدينة، عَبْداً قذف حرة، أو حراً، ثمانين، فبلغني أن عَبْد اللهِ بْن عامر بْن ربيعة حين بلغه ذلك قال: أدركت الناس من زمان عُمَر إِلَى اليوم، فما رأيت أحداً جلد فِيْهِ إِلَّا أربعين قبل أبي بكر.
قال: وَحَدَّثَنَا القعنبي؛ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ العزيز بْن أبي حازم، أنه بلغه أن أبا بكر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حزم قتل مسلماً بذمي قتله غيلة.
حَدَّثَنِي الأحوص بْن المفضل بْن غسان؛ قال: حَدَّثَنِي أبي؛ قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَر؛ قال: أَخْبَرَنِي عَبْد الرحمن بْن يزيد بْن غفيلة، وابن أبي سبرة، وعَبْد اللهِ بْن جعفر: أنهم حضروا أبا بكر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حزم يقل الوكالة من الخصم وهو حاضر المصر لا علة به.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن سعد الحدار، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُمَر؛ قال: حَدَّثَنِي
قدامة بْن موسى؛ سمع رجلاً يقول لسالم بْن عَبْد اللهِ: إن أبا بكر بْن حزم قضى باليمين مع الشاهد؛ فقال: أصاب أَبُو بكر.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن، عَن النميري، عَن أبي سلمة أيوب بْن عُمَر، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَر، أن ابن أبي فروة قال: رأيت الأحوص حين وقفه أَبُو بكر بْن حزم على البلس وإنه ليصبح:
ما من مصيبة نكبة أعيابها ... إلاّ تعظّمني وترفع شاني
وتزول حين تزول عَن متخمّطٍ ... تخشى بوادره على الأقران
إني إِذَا خفي الّلئام رأيتني ... كالبدر لا يخفى بكلّ مكان
أَخْبَرَنِي الحارث بْن مُحَمَّد، عَن مُحَمَّد بْن سعد، عَن مُحَمَّد بْن عُمَر الواقدي، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن جعفر، عَنْ عَبْدِ الواحد بْن أبي عون؛ قال: لما ولي الوليد بْن عَبْد الملك استعمل عُمَر بْن عَبْد العزيز على المدينة، ثم عزله، واستعمل عُثْمَان بْن حيان المري، فاستقضى أبا بكر بْن مُحَمَّد بْن حزم، وكانت ولاة البلدان إليهم القضاء، يولون من أرادوا، وكان لا يركب القاضي مركباً، ولا يذهب في حاجة إِلَّا استأذن أمير البلد، لأن يطيب له الرزق، فأتى أَبُو بكر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حزم عُثْمَان بْن حيان صبيحة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، وعنده أيوب بْن سلمة المخزومي؛ وكان بينهما شيء؛ فَقَالَ لَهُ: أصلح الله الأمير؛ إني أريد أن أحيي هذه الليلة، فإن رأيت أن تأذن لي في التصبح غداً فعلت؛ فقال: افعل راشداً، فلما قام أَبُو بكر قَالَ: أيوب بْن سلمة لعثمان: إنه والله ما به إحياء ليلته، وما أراد إِلَّا أن يرائيك؛ فقال: دعه والله لئن لم يبكر بالناس لأضربنه مائة سوط؛ قَالَ: أيوب: فانصرفت وقد نلت من أبي بكر حاجتي؛ قال، وكان له عدواً: فبكرت قبل طلوع الفجر إِلَى مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا السمع في دار مروان؛ فقلت لنفسي: أترى المري باكر أبا بكر بالضرب ? فدخلت الدار؛ فإذا أَبُو بكر بْن مُحَمَّد في مجلس المري، والمري بين يديه، والحداد يضرب القيود في رجل المري، وإذا الوليد بْن عَبْد الملك قد مات، وصار الأمر إِلَى سليمان بْن عَبْد الملك، فكتب إِلَى أبي بكر بْن مُحَمَّد بولايته على المدينة، وبأمره يشد عُثْمَان في الحديد، فلما رآني قال: يا بْن سلمة:
ولّوا على أدبارهم كشفاً ... والأمر يحدث بعده الأمر
فلما أصبح دعا بقوارير فيها شراب من بيت ابن حيان؛ فَقَالَ: لقوم عنده: ما هَذَا ? قالوا: الخمر؛ قال: كنت تشرب من هَذَا ? قال: نعم؛ فضربه الحد؛ وجاء عَبْد اللهِ بْن عَمْرو بْن عُثْمَان بالبينة؛ أنه قَالَ لَهُ: يا لوطي؛ فضربه حداً آخر.
قال: وولي يزيد بْن عَبْد الملك على المدينة عَبْد الرحمن بْن الضحاك بْن قيس، وخرج عُثْمَان بْن حيان مع مسلمة بْن عَبْد الملك، حين قتل ابن المهلب، وحمل رأسه إِلَى يزيد؛ فقال: ما تحب أن أفعل بك ? قال: تقيدني من ابن حزم؛ قال: لا أقدر على ذلك، ولكني أوليك المدينة؛ قال: إذاً يقال: ضربه في سلطانه، ولكن أكتب إِلَى عَبْدِ الرحمن بْن الضحاك: أما بعد، فإذا جاءك كتابي، فانظر فيما ضرب ابن حزم عُثْمَان بْن حيان؛ فإن كان ضربه في أمر بين فلا تلتفت إليه، وإن كان في أمر مشكل يخلف فِيْهِ فأمض الحد أيضاً، وإن كان لا يختلف فِيْهِ فأقده منه؛ فقدم بالكتاب على عَبْد الرحمن، فرمي به؛ قال: وأي شيء حمل ما لا ينفعك ? ما ضربك إِلَّا في أحد هذين؛ فَقَالَ لَهُ عثمان: إنك إن أردت أن تحسن أحسنت؛ قال: الآن أصبت المطلب؛ فأرسل إِلَى أبي بكر، فلم يسأله عَن شيء، وضربه حدين، وانصرف أَبُو المغراء عُثْمَان بْن حيان يقول: لا والله ما قربت النِّسَاء منذ يوم ضربني ابن حزم إِلَى يومي هَذَا؛ ثم عزل ابن الضحاك، وأغرم أربعين ألف دينار، فأتى به إِلَى دار ابن حزم، فنهى ابن حزم حاريته أن يعرضوا له بحرف يكرهه، وأمر له بها، وغير ذلك مما يحتاج إليه.