إني إِذَا خفي الّلئام رأيتني ... كالبدر لا يخفى بكلّ مكان
أَخْبَرَنِي الحارث بْن مُحَمَّد، عَن مُحَمَّد بْن سعد، عَن مُحَمَّد بْن عُمَر الواقدي، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن جعفر، عَنْ عَبْدِ الواحد بْن أبي عون؛ قال: لما ولي الوليد بْن عَبْد الملك استعمل عُمَر بْن عَبْد العزيز على المدينة، ثم عزله، واستعمل عُثْمَان بْن حيان المري، فاستقضى أبا بكر بْن مُحَمَّد بْن حزم، وكانت ولاة البلدان إليهم القضاء، يولون من أرادوا، وكان لا يركب القاضي مركباً، ولا يذهب في حاجة إِلَّا استأذن أمير البلد، لأن يطيب له الرزق، فأتى أَبُو بكر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حزم عُثْمَان بْن حيان صبيحة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، وعنده أيوب بْن سلمة المخزومي؛ وكان بينهما شيء؛ فَقَالَ لَهُ: أصلح الله الأمير؛ إني أريد أن أحيي هذه الليلة، فإن رأيت أن تأذن لي في التصبح غداً فعلت؛ فقال: افعل راشداً، فلما قام أَبُو بكر قَالَ: أيوب بْن سلمة لعثمان: إنه والله ما به إحياء ليلته، وما أراد إِلَّا أن يرائيك؛ فقال: دعه والله لئن لم يبكر بالناس لأضربنه مائة سوط؛ قَالَ: أيوب: فانصرفت وقد نلت من أبي بكر حاجتي؛ قال، وكان له عدواً: فبكرت قبل طلوع الفجر إِلَى مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا السمع في دار مروان؛ فقلت لنفسي: أترى المري باكر أبا بكر بالضرب ? فدخلت الدار؛ فإذا أَبُو بكر بْن مُحَمَّد في مجلس المري، والمري بين يديه، والحداد يضرب القيود في رجل المري، وإذا الوليد بْن عَبْد الملك قد مات، وصار الأمر إِلَى سليمان بْن عَبْد الملك، فكتب إِلَى أبي بكر بْن مُحَمَّد بولايته على المدينة، وبأمره يشد عُثْمَان في الحديد، فلما رآني قال: يا بْن سلمة:
ولّوا على أدبارهم كشفاً ... والأمر يحدث بعده الأمر
فلما أصبح دعا بقوارير فيها شراب من بيت ابن حيان؛ فَقَالَ: لقوم عنده: ما هَذَا ? قالوا: الخمر؛ قال: كنت تشرب من هَذَا ? قال: نعم؛ فضربه الحد؛ وجاء عَبْد اللهِ بْن عَمْرو بْن عُثْمَان بالبينة؛ أنه قَالَ لَهُ: يا لوطي؛ فضربه حداً آخر.
قال: وولي يزيد بْن عَبْد الملك على المدينة عَبْد الرحمن بْن الضحاك بْن قيس، وخرج عُثْمَان بْن حيان مع مسلمة بْن عَبْد الملك، حين قتل ابن المهلب، وحمل رأسه إِلَى يزيد؛ فقال: ما تحب أن أفعل بك ? قال: تقيدني من ابن حزم؛ قال: لا أقدر على ذلك، ولكني أوليك المدينة؛ قال: إذاً يقال: ضربه في سلطانه، ولكن أكتب إِلَى عَبْدِ الرحمن بْن الضحاك: أما بعد، فإذا جاءك كتابي، فانظر فيما ضرب ابن حزم عُثْمَان بْن حيان؛ فإن كان ضربه في أمر بين فلا تلتفت إليه، وإن كان في أمر مشكل يخلف فِيْهِ فأمض الحد أيضاً، وإن كان لا يختلف فِيْهِ فأقده منه؛ فقدم بالكتاب على عَبْد الرحمن، فرمي به؛ قال: وأي شيء حمل ما لا ينفعك ? ما ضربك إِلَّا في أحد هذين؛ فَقَالَ لَهُ عثمان: إنك إن أردت أن تحسن أحسنت؛ قال: الآن أصبت المطلب؛ فأرسل إِلَى أبي بكر، فلم يسأله عَن شيء، وضربه حدين، وانصرف أَبُو المغراء عُثْمَان بْن حيان يقول: لا والله ما قربت النِّسَاء منذ يوم ضربني ابن حزم إِلَى يومي هَذَا؛ ثم عزل ابن الضحاك، وأغرم أربعين ألف دينار، فأتى به إِلَى دار ابن حزم، فنهى ابن حزم حاريته أن يعرضوا له بحرف يكرهه، وأمر له بها، وغير ذلك مما يحتاج إليه.
وكان ابن الضحاك بعد ذكر ما صنع بابن حزم، وما صنع به ابن حزم يتعجب.
وأنشدت لحكيم بْن عكرمة الدئلي في أبي بكر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حزم:
رأيت ابن حزم بين بردٍ ومطرف ... وذلك من مستظرفات العجائب
يرول ويمري الطّرف وهو كأنه ... لعَمْرو بْن سعدٍ أو حضير الكتائب
أَخْبَرَنِي الحارث بْن مُحَمَّد، عَن مُحَمَّد بْن سعد؛ قال: أَبُو بكر بْن مُحَمَّد ابن عَمْرو بْن حزم، أمه كبشة بنت عَبْد الرحمن بْن زرارة، وخالته عَمْرَةبنت عُمَر: توفي أَبُو بكر بالمدينة سنة عشرين ومائة، وهو ابن أربع وثمانين سنة.
أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن منصور الرمادي؛ قال: حَدَّثَنَا حرملة بْن يحيى؛ قال: حَدَّثَنَا ابن وهب؛ قال: حَدَّثَنِي مالك بْن أنس؛ قال: كان أَبُو بكر بْن حزم على قضاء المدينة؛ قال: وولي المدينة أميراً، فَقَالَ لَهُ قائل: ما أدري كيف أصنع بالاختلاف؛ فَقَالَ: أَبُو بكر: يا ابن أخي إِذَا وجدت أهل المدينة
على أمر مستجمعين عليه، فلا تشك أنه الحق.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن مُحَمَّد بْن حسن؛ قال: حَدَّثَنَا تميم بْن المنتصر؛ قال: حَدَّثَنَا يزيد بْن هارون؛ قال: أَخْبَرَنَا ابن أبي ذئب، عَن سليمان ابن أبي سليمان؛ قَالَ: شهدت لأمي عند أبي بكر بْن مُحَمَّد فأجاز شهادتي لها.
أَخْبَرَنِي أَحْمَد ابن علي؛ قال: حَدَّثَنَا أَبُو الطاهر السرحي؛ قال: حَدَّثَنَا ابن وهب، عَن الليث بْن سعد؛ أنه بلغه عَن القاسم بْن مُحَمَّد؛ أنه أتى إِلَى أبي بكر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حزم، وهو وال في شهادة عنده لرجل، فسأله عنها أَبُو بكر بْن حزم، ولم يذكرها القاسم عنده، فلما كان بعد ذلك ذكر شهادته، فأتى إِلَى أبي بكر بْن حزم، فأخبره أنه قد ذكرها، ثم أخبره بها؛ فأجاز أَبُو بكر شهادته، وقال: إنما أنت فنستجيز شهادتك، وإن كان غير القاسم ما أجزنا شهادته لرضاهم به.
أَخْبَرَنِي أَحْمَد بْن علي؛ قال: حَدَّثَنَا أَبُو الطاهر؛ قال: سمعت ابن وهب يحدث، عَن ابن أبي ذئب؛ قال: كان أَبُو بكر بْن حزم يؤم الناس بالمدينة، فكان إِذَا مر بآية رحمة، أو آية فيها ذكر النار، سمع لمن خلفه جلبة؛ فصلى ذات يوم، فلما سمعها أخذ بعضادتي المقصورة، ثم قال: شاهت الوجوه! ألم تستمع إِلَى قول الله تبارك وتعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: 204] ? قَالَ: ابن أبي ذئب: فقلت له: لقد أفلحت أمة يكون إمامهم فقيهاً.
أَخْبَرَنِي أَبُو إبراهيم الزهري؛ قال: حَدَّثَنَا يحيى بْن سليمان الجعفي؛ قال: حَدَّثَنِي ابن وهب؛ قال: حَدَّثَنِي مالك بْن أنس، عَن ربيعة؛ قال: رأيت أبا بكر بْن حزم، وهو قاض يقضي في المسجد، وهو على رأسه حرس معهم سياط؛ فقلت لمالك: وما شأن السياط ? قال: يذبون الناس بها.
وقال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى بْن أبي بكر؛ قال: أَخْبَرَنَا ابن وهب؛ قال: قَالَ: مالك: قَالَ: ربيعة: رأيت أبا بكر بْن حزم إِذ كان قاضياً يستند إِلَى عمود، وعنده حرس، معهم سياط وما عنده أحد من الناس يقضي بينهم.
حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن أبي خيثمة؛ قَالَ: سمعت يحيى بْن معين يقول: مات أَبُو بكر
ابن عَمْرو بْن حزم سنة عشرين ومائة.
وأَخْبَرَنِي ابن أبي خيثمة؛ قال: سمعت مصعباً يقول: كان مالك يرى مُحَمَّد ابن عَمْرو بْن حزم مقنعاً.
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد الزعفراني؛ قال: حَدَّثَنَا الحجاج بْن مُحَمَّد، عَن ابن جريج؛ قال: أَخْبَرَنِي عِمْرَان بْن موسى، عَن أبي بكر بْن حزم: أجاز شهادة قاذف.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ المخرمي؛ قال: حَدَّثَنَا حسين بْن مُحَمَّد؛ قال: حَدَّثَنَا ابن أبي ذئب، عَن سليمان؛ أنه شهد لأمه عند أبي بكر بْن مُحَمَّد فقبل شهادته. فحَدَّثَنَا عَبْدُ الملك بْن زنجويه؛ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزاق؛ قَالَ مَعْمَر: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن أبي بكر، عَن أبيه؛ أنه كان يقول: ما بقي من أهل الدعوة غيري؛ يعني أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: اللهم اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار.
ثم:
أَبُو طوالة عَبْد اللهِ بْن عَبْد الرحمن ابن مَعْمَر بْن حزم الأنصاري
... ولما ولي أَبُو بكر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حزم إمرة المدينة استقضى أبا طوالة، عَبْد اللهِ بْن عَبْد الرحمن؛ وكان عزل عُثْمَان بْن حيان عَن المدينة، وولاية أبي بكر إمرتها لسبع بقين من شهر رمضان وأَبُو طوالة ممن حمل عنه العلم وله روايات كثيرة، سمع من أنس بْن مالك.
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسماعيل بْن مُحَمَّد بْن نبيه السهمي؛ قال: حَدَّثَنِي كثير ابن جعفر بْن أبي بكير، أخو إسماعيل بْن جعفر، عَن أبي طوالة، عَن أنس بْن مالك؛ قال: قَالَ: رجل: يا رسول الله إني أحبك، قَالَ: استعد للفاقة.
وحَدَّثَنِي كثير؛ أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن شبيب؛ قال: حَدَّثَنِي كثير بْن جعفر قال: كنت أحضر أبا طوالة، وكان مُحَمَّدبْن عِمْرَان يرسل إليه، فيسأله عَن شيء من أمر القضاء؛ فيقول له: إِذَا أردت هَذَا فعليك بالغدوات، فإن للقلب جماماً بالغدوات.
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أبي علي العبسي؛ قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن صالح العذري؛ قال: حَدَّثَنِي شيخ من آل حزم؛ قال: قَالَ: أَبُو طوالة: ليت لنا أخلاق آبائنا في الجاهلية مع إسلامنا.
أَخْبَرَنِي الحارث، عَن ابن سعد، عَن مُحَمَّد بْن عُمَر؛ قال: أَبُو طوالة اسمه عَبْد الرحمن، وقَالَ: عَبْد اللهِ بْن مُحَمَّد بْن عمارة: اسم أبي طوالة الطفيل. توفي أَبُو طوالة قديماً في آخر سلطان بني أمية.
حَدَّثَنَا أَبُو بكر الرمادي؛ قال: حَدَّثَنَا علي بْن عَبْد اللهِ؛ قال: حَدَّثَنَا عبيد بْن أبي قرة؛ قال: سمعت عَبْد اللهِ بْن عَبْد العزيز الِعُمَرَي قال: لما حضرت أبا طوالة الوفاة جمع بنيه فقال: يا بني اتقوا الله، فإن لم تتقوه فوالله ما أبالي ما صنع بكم. ثم
سلمة بْن عَبْد اللهِ بْن سلمة بْن عُمَر بْن أبي سلمة المخزومي
وتوفي سليمان بْن عَبْد الملك، واستخلف عُمَر بْن عَبْد العزيز؛ فأقر أبا بكر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حزم على المدينة، وأقر أَبُو بكر أبا طوالة على القضاء، ثم توفي عُمَر بْن عَبْد العزيز، واستخلف يزيد بْن عَبْد الملك، فاستعمل على المدينة عَبْد الرحمن بْن الضحاك بْن قيس الفهري، فاستقضى سلمة بْن عُمَر بْن أبي سلمة بْن عَبْد الأسد المخزومي.
حَدَّثَنَا إسماعيل بْن إسحاق القاضي؛ قال: حَدَّثَنَا إسماعيل بْن أبي أويس؛ قال: حَدَّثَنِي أخي، عَن سليمان بْن بلال، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَر، عَن داود ابن الحصين؛ أنه نصر سلمة بْن عَبْد اللهِ المخزومي، وهو قاضي المدينة أتي بغلام فشهد فتصاغره؛ فسأل القاسم وسالما عَن إجازته شهادته؛ فكلاهما قال: إن كان أنبت الشعر فأجز شهادته.