وكان ظنيناً، وأعطاه خاتماً، فلما أراه أخذه، وابتلعه، فجاء إِلَى سعد، فأخبره؛ فقال: علي بابن السوداء؛ فلما أتاه، قال: ابتلع خاتمي؛ قال: يا سيدي ابتلعته من الفرق وما جئتك حتى أسهلني ثلاثين من الفرق.
أَخْبَرَنِي الأحوص بْن المفضل بْن غسان؛ قال: حَدَّثَنِي أبي؛ قال: حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن مسعر، عَن ابن عيينة، أن سعد بْن إبراهيم كان لا يجيز شهادة من يبول قائماً.
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرحمن بْن مُحَمَّد بْن منصور أَبُو السعيد الحارثي؛ قال: سعيد ابن عامر قال: حَدَّثَنَا جويرية بْن أسماء؛ قال: تقدم رجلان إِلَى سعد بْن إبراهيم، فأمر بأحدهما أن يضرب؛ فَقَالَ: لأي شيء ضربتني ? فقال: لسماجتك وكان المضروب يسمى ابن سلم؛ فَقَالَ: الشاعر:
ضرب الحاكم سعد ... ابن سلم في السماجة
فقضى الله لسعد ... من أمير كلّ حاجة
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن شبيب؛ قال: حَدَّثَنِي يعقوب بْن حميد؛ قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الملك بْن عَبْد العزيز، عَن يوسف بْن أبي سلمة الماجشون؛ قال: قَالَ لي: أبي لما عزل سعد بْن إبراهيم عَن القضاء: يا بني تعجل بنا عسى
أن نروح مع سعد بْن إبراهيم؛ فإن القاضي إِذَا عزل لم يزل الناس ينالون منه؛ فخرجنا حتى إِذَا جئنا دار سعد بْن إبراهيم بالقبليه؛ فإذا صوت عال؛ فَقَالَ لي: أبي: يا بني إني أرى قد عجل على أبي إسحاق؛ فدخلنا؛ فإذا داود ابن سلم يقول: أطال الله بقاءك، يا أبا إسحاق، وفعل بك، وفعل، وكان سعد قد جلد داود بْن سلم أربعين سوطاً، فأقبل علي أبي؛ فقال: لم نر مثل أربعين سوطاً في ظهر لئيم. وهو الذي يقول فِيْهِ الشاعر:
جلد العادل سعد ... ابن سلم في السماجة
فقضى الله لسعد ... من إمام كل حاجة
وكان ابن سلم هَذَا سن على العمال والولاة إِذَا عزلوا؛ فلما ولي سعد أمر به فضرب. وزعم ابن أبي خيثمة عَن أبي هشام الرفاعي أن هذين البيتين لابن رهيمة.
فأَخْبَرَنِي هارون بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الملك، عَن زبير بْن أبي بكر، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مُحَمَّد بْن أبي سلمة الِعُمَرَي؛ قال: كان سعد بْن إبراهيم قد حكم على إنسان بالمدينة إِذ كان قاضياً، فلما عزل عَن القضاء جاء ذلك الإنسان
فوضع يده على ثفر دابته وجعل يحرك الثفر؛ فَقَالَ لَهُ سعد: ما تريد ? قال: ألجمها فسكت عنه، ثم استقضى بعد ذلك؛ فدعا بذلك الإنسان، فجلده عشرين سوطاً، ثم عزل سعد؛ فاستقضى ابن حزم؛ فجاء ذلك الإنسان إِلَى منزل سعد يدق عليه الباب قبل أن يعلم سعد أن ابن حزم قد استقضى؛ فَقَالَ لَهُ سعد: من هَذَا ? قَالَ: ساعي ابن حزم؛ ثم استقضى سعد بعد ذلك فجلده عشرين سوطاً؛ ثم عزل سعد بعد ذلك؛ فلقي ذلك الإنسان؛ فلم يكلمه الرجل؛ فَقَالَ لَهُ سعد: مالك لا تصنع بعض ما كنت تصنع ? قال: هيهات: درست التوراة بعدك، فوجدت بين كل سطرين منها سعد ابن إبراهيم قاض.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن، عَن النميري، عَن ابن سلمة الغفاري، عَن الهيثم بْن حميد بْن حفص بْن دينار؛ قال: كان سعد بْن إبراهيم عند ابن هشام يوماً، واختصم عنده ابن لمُحَمَّد بْن مسلمة، وآخر من بني حارثة، فَقَالَ: ابن مُحَمَّد أنا ابن قاتل كعب بْن الأشرف؛ فقال: والله ما قتل إِلَّا غدراً، فانتظر سعد أن يغيرها ابن هشام فلم يفعل حتى قام؛ فلما استقضى سعد قَالَ: لمولاه شعبة، وكان يحرسه، أعطي الله عهداً يا شعبة: لئن أنلتك الحارثي لأوجعنك ضرباً؛ قَالَ: شعبة: فصليت معه الصبح، ثم جئت سعداً،
فلما نظر إليه سعد قال: شق القميص، ثم قال: أنت القائل: إنما قتل الأشرف غدراً ? ثم ضرب خمسين ومائة، وحلق رأسه ولحيته، ثم قال: والله لا أفرتنك الضرب ما كان لي سلطان.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن يوسف الأزدي؛ قال: حَدَّثَنَا المفضل بْن عَبْد الرحمن أَبُو غسان المهلبي قال: حَدَّثَنَا وهب بْن جرير؛ قال: حَدَّثَنَا جويرية؛ قال: حَدَّثَنِي الصباح بْن ناجية، وكان قد كتب لسعد بْن إبراهيم، أن رجلاً جاء يطلب حقاً، معه شاهد ورجل، فشهد على شهادة مروان ابن أبان بْن عثمان؛ قَالَ: له سعد: من شهودك ? قال: هَذَا، وهَذَا يشهد على شهادة مروان بْن أبان؛ قال: هَلْ لك شاهد غير مروان ? قال: لا؛ قال: قد والله أرى أبطل الله ما تطلب، فرجع إِلَى مروان، فأخبره، فبعث إليه ابناً له يُقَالُ لَهُ: عَبْد الملك؛ حتى انتهى إِلَى سعد في مجلسه؛ فقال: إن أبي أرسلني يقول: لم ترد شهادتي ? فوالله لأنا خير منك، وأبي خير من أبيك، وجدي خير من جدك؛ فرفع رأسه؛ وقال: من هَذَا ? وهو أعرف به فقلنا: هَذَا ابن مروان بْن أبان؛ فقال: يا بني قل لأبيك: يرحم الله أباك وجدك، فأما أنت فلست بخير من أحد، وأما مسألتك إياي: لم رددت
شهادته، فإن أمير المؤمنين يزيد بْن عَبْد الملك كتب إلينا أن نرد شهادة الحمقى، وإن أباك من الحمقى.
أَخْبَرَنِي أَبُو إبراهيم أَحْمَد بْن سعد بْن إبراهيم بْن سعد بْن إبراهيم؛ قال: حَدَّثَنِي سليمان بْن عَبْد العزيز بْن أبي ثابت الزهري؛ قال: كان ولد إبراهيم ابن عَبْد الرحمن بْن عوف أربعة عباداً؛ يسمون أوتاد المسجد، يصلي كل رجل منهم في زاوية، فكان إبراهيم يقول:
أنت وهبت صالحاً ومسوراً ... والأقنفين والغلام الأزهرا
يريد بالأقنف المنقلب الأذن.
أَبُو إبراهيم الزهري، عَن يحيى بْن معين، عَن سعيد بْن عامر، عَن شعبة؛ قَالَ: كان سعد بْن إبراهيم يصوم الدهر، ويختم على كل ثلاثة أيام، أو كل يوم وليلة.
حَدَّثَنِي أَبُو إبراهيم الزهري، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن مُحَمَّد الزهري؛ قال: حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عيينة؛ قال: حَدَّثَنِي إبراهيم بْن سعيد؛ قال: إن كان أبي سعد بْن إبراهيم يتجنى فلا يطلق حقوقه حتى يختم القرآن.
قال: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن أبي خيثمة؛ قال: حَدَّثَنَا يعقوب؛ قال: حَدَّثَنِي أبي؛ قال: سرد سعد الصوم قبل أن يموت بأربعين سنة.
حَدَّثَنَا عباس الدوري؛ قال: حَدَّثَنَا سعيد بْن عامر، عَن شعبة؛ قال: كان سعد بْن إبراهيم يقرأ القرآن في كل ثلاث.
فأَخْبَرَنِي أَبُو الأحوص القاضي مُحَمَّد بْن الهيثم؛ قال: حَدَّثَنَا أصبغ بْن الفرج، عَن ابن عيينة، ورواه يعقوب بْن إبراهيم بْن سعد، عَن أبيه، وحديث يعقوب أتم: أن الوليد بْن يزيد كان أمر بقبة من حديد، أن نعمل وتركب على ظهر الكعبة وأركانها، ونخرج لها أجنحة لتظله إِذَا حج، وطاف هو ومن أحب من أهله، وفتياته ويطوف الناس من وراء القبة، فحملها على الإبل من الشام، ووجه معها قائداً من قواد أهل الشام في ألف فارس، وأرسل معه مالاً يقسمه في أهل المدينة، فقدم بها، فنصبت في مصلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ففزع أهل المدينة، وقالوا: إِلَى من نفزع ? فقالوا: إِلَى سعد بْن إبراهيم، فأتوه، وأخبروه الخبر، وكان على قضاء المدينة؛ فأمرهم أن يضربوها بالنار؛ فقالوا: لا نطيق ذلك؛ معها قائد في ألف فارس، فدعا مولى له؛ فقال: هات الجراب، فأتاه بجراب فِيْهِ درع عَبْد الرحمن التي شهد فيها بدراً، فصبها عليه، وقال: هلم بغلتي، فركبها فما تخلف يومئذ قرشي، ولا أنصاري، حتى أتاها، وقال: علي بالنار، فأضرمها بالنار ثم قال: ليس إِلَّا هَذَا؛ لا الله إذاً حتى نصنع بها كما صنع
بالعجل لنحرقنه، ثم لننسفنه في اليم نسفاً؛ فغضب القائد؛ فقيل له: هَذَا قائد أمير المؤمنين والناس معه، لا طاقة لك به، فانصرف إِلَى الشام؛ قَالَ: سعد ابن إبراهيم: وشبع عبيد أهل المدينة من الناطف من حديدها؛ قَالَ: إبراهيم: فكتب الوليد إِلَى سعد: أن استخلف عبيد الله بْن عُمَر على القضاء وأقدم علينا، فولي عبيد الله، وركب إِلَى الشام، وأقام بباب الخليفة أياماً لا يؤذن له حتى أضر به طول المقام، فبينما هو ذات عشية إِذَا هو بفتى في صفراء سكران؛ فقال: ما هَذَا ? قالوا: هَذَا خال أمير المؤمنين، سكران، يطوف في المسجد، فَقَالَ: لمولىً له: هلم السوط، فأتاه به، وقال: علي به، فأبى به فضربه في المسجد ثمانين سوطاً، وركب بغلته، ومضى راجعاً إِلَى المدينة، وأدخل الفتى على الوليد مجلوداً؛ فقال: من فعل هَذَا به ? قالوا: مدني كان في المسجد؛ فَقَالَ: علي به، فلحق على مرحلة، فرد، فدخل عليه سعد؛ فَقَالَ لَهُ: يا أبا إسحاق ماذا فعلت بابن أخيك? فقال: يا أمير المؤمنين إنك وليتنا أمراً من أمورك، وإني رأيت حقاً لله ضائعاً؛ سكران يطوف في المسجد، وفيه الوفود ووجوه الناس، فكرهت أن يرجع الناس عنك بتعطيل الحدود، فأقمت عليه الحد؛ قال: جزاك الله خيراً، وأمر له بمال وصرفه إِلَى المدينة، ولم يذاكره شيئاً من أمر القبة.
هَذَا اقتصاص حديث يعقوب عَن أبيه.
وأنشدنا أَحْمَد بْن أبي خيثمة لموسى شهوات يهجو سعد بْن إبراهيم:
قل لسعد وجه العجوز لقد كن ... ت لما قد أتيت سعدٌ مخيلا
إن تكن ظالما جهولا فقد كا ... ن أَبُوك الأدنى ظلوماً جهولا
وقَالَ: موسى يهجوه:
لعن الله والعباد ثطيط ال ... وجه لا يرتجى قبيح الجرار
يتّقي النّاس فحشه وأذاه ... مثل ما يتّقون بول الحمار
لا يغرّنك سجدة بين عينيه ... حذارا منها ومنها حذاري
إنها سجدة بها يخدع النّا ... س عليها من سجدة بالدّبار
وقَالَ: موسى أيضاً يهجوه؛ أنشدنيها عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن، عَن النميري:
هلال بْن يحيى غرّة لا خفا بها ... على النّاس في عسر الزمّان وفي اليسر
وسعد بْن إبراهيم ظفر موسّخ ... متى يستريح الناس من وسخ الظّفر
وأنشدني هذين البيتين أَحْمَد بْن أبي خيثمة عَن مصعب للحزين الدئلي.