مُحَمَّد بْن أبي رجاء
ثم قدم المأمون فاستقضى مُحَمَّد بْن أبي رجاء الخراساني منزل مدينة المنصور من أهل الرأي.
أَخْبَرَنِي إبراهيم بْن أبي عُثْمَان عَن أبي عَبْد اللهِ الحواري قال: كان مُحَمَّد بْن أبي رجاء من أعلم أصحاب أبي يوسف بالحساب والدقائق، وكان حسن المقايسة حسن الإدخال، وكل شيء.
قَالَ: ابن سماعة كتبنا إِلَى مُحَمَّد ابن أبي رجاء بالرقة، هو من إدخال ابن أبي رجاء عليهم. وفي كتب ابن سماعة ذكره إِلَّا أنه لم يكن له علم بالأصول.
أنشدني عَبْد اللهِ بْن أبي الدنيا قَالَ: أنشدني مُحَمَّد بْن أبي رجاء - قَالَ: أَبُو بكر وليس هو القاضي عندي-:
المرء يجمع والزمان يفرق ... ويظل يرتق والخطوب تخرق
ولمن يعادي عاقلاً خير له ... من أن يكون له صديق أحمق
فارغب بنفسك أن تصادق أحمقاً ... إن الصديق على الصديق يصدق
وزن الكلام إِذَا نطقت فإنما ... يبدي العقول أو العيوب المنطق
مات مُحَمَّد بْن أبي رجاء سنة سبع ومائتين، في جمادي، فضم عمله إِلَى مُحَمَّد بْن أبي سماعة.
عكرمة بْن طارق السرخسي
استعفى مُحَمَّد بْن سماعة سنة ثمان ومائتين، واستقضى المأمون مكانه عكرمة بْن طارق السرخسي من أصحاب أبي يوسف.
حَدَّثَنِي جعفر بْن مُحَمَّد الفريابي قال: حَدَّثَنَا مزاحم بْن سعيد المروزي قَالَ: حَدَّثَنَا يعقوب بْن إبراهيم أَبُو يوسف عَن مُحَمَّد بْن إسحاق عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن أبي بكر: أن أم رسول الله توفيت ورَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابن ست سنين بالأَبُواء.
ثم عزل عكرمة بْن طارق في سنة أربع وعشرين ومائتين: فاستقضى مكانه:
إسماعيل بْن حماد بْن أبي حنيفة
وقد تقدم ذكره ثم عزل إسماعيل بْن حماد، فاستقضى مكانه:
عَبْد الرحمن بْن إسحاق
وقد تقدم ذكره ثم عزل الواثق عَبْد الرحمن بْن إسحاق سنة ثمان وعشرين ومائتين واستقضى مكانه:
عَبْد اللهِ بْن مُحَمَّد بْن أبي يزيد الخليجي
نسبته في سواد لبسته ... أشبه شيء بلون خلقته
كأنني بالحبال قد نصبوا ... فِيْهِ الخليجي فوق بغلته
أكرم به من فتى مناسبة ... بين أجاوينه وقصعته
ما عذب الله أمّة سلفت ... فيما سمعنا بمثل صورته
يصطلح الناس حين يقعد للحك ... م فراراً من هول طلعته
لو لم يدنفه كف قانصه ... لطار منها على رعيته
كان المجان ببغداد، ونقبوا الموضع الذي يجلس فِيْهِ بالشرقية، ويستند إليه حتى انسرقت شانه وتحدث الناس بذلك، وكان فِيْهِ كبروتيه. وكان من أصحاب ابن أبي دواد يمتحن الناس جاءته امرأة مُحَمَّد بْن معاوية الأنماطي المعروف بابن فالح المحدث فقالت: إن زوجي لا يقول بقول أمير المؤمنين في القرآن، ففرق بينه وبينها، ولكنه كان يضبط صفته.
أَخْبَرَنِي إبراهيم ابن أبي عُثْمَان عَن الحواري: أن ابن الخليجي كان قد ولي مظالم الجبل، ثم أخبر ابن أبي دواد المعتصم أنه مستقل بالقضاء، واستشهد ابن الجهم في مال عظيم فلم يقبله، وكان حين ولي قضاء الشرقية يظهر العفة.
حيان بْن بشر الأسدي
عزل الخليجي واستقضى حيان بْن بشر الأسدي فأمر أن يقيم الخليجي للناس فأقامه في مسجد الشرقية فادعيت عليه دعاوي، وكان حيان بْن بشر رجلاً صالحاً كتب الناس عنه الحديث، ولي سنة سبع وثلاثين ومائتين. وتوفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ بْن المؤذن
لما توفي حيان بْن بشر، استقضى مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ من أهل السواد وكان من أهل الرأي، ولي قضاء المدائن.
أنشدني أَبُو مالك الأيادي قال: أنشدني حامد الضرير المدائني يمدح ابن المكبر السمرقندي، وكان على معونة المدائن، ويهجو مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ ابن المؤذن وكان قاضيها:
يا راكباً إما رحلت ميمماً ... باب الخليفة والخطوب تنوب
فاقصد لخير الناس فاهتف باسمه ... يا من إليه يلجأ المكروب
يا أَحْمَد بْن أبي دواد إنما ... بك نستجير إِذَا تلم خطوب
واقر السلام على الإمام وقل له ... والرأي منه مخطئ ومصيب
إن الأمير مُحَمَّد بْن مكبر ... في مثل دهرك في الولاة غريب
لو كان قاضينا على مثل الذي ... أمسى عليه يفرج المكروب
لا تنس أن بعضده وبفخذه ... بعض الهنات لخصره مكتوب
أَبُو حسان الزيادي الْحَسَن بْن عثمان
استقضى أَبُو حسان الزيادي الْحَسَن بْن عُثْمَان بعد مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ
المؤذن، وكان أَبُو حسان فهماً قد عمل الكتب وكان عالماً بأيام الناس، وحدث وكتب الناس عنه علماً كثيراً، وكان كريماً واسعاً.
حَدَّثَنِي أَبُو سهل الرازي القاضي قال: حَدَّثَنِي أَبُو حسان الزيادي قال: جاءني رجل من أهل خراسان فأودعني بدرة دراهم، فأخذتها مضمومة ثم سرقت بما فيها، وكان قد عزم على الخروج إِلَى مكة. ثم بدا له فعاد فطلبها مني فاعتمدت وقلت له: تعود غداً. ثم فزعت إِلَى الله ودعوته وركبت بغلتي في الغلس ولا أدري أين أتوجه ? وعبرت الجسر وأخذت نحو المخرم وما في نفسي أحد أقصده فاستقبلني رجل راكب، وقَالَ لي: إليك بعثت. قلت ومن بعث بك ? قال: دينار بْن عَبْد اللهِ، فأتيته وهو جالس فَقَالَ لي: ما حالك ? قلت: وما ذاك ? قال: ما نمت الليلة إِلَّا أتاني آت فَقَالَ لي: أَبُو حسان! قال: فحدثته حديثي، فدعا بعشرين ألف درهم فدفعهما إلي فرجعت فصليت في مسجدي الغداة، وجاء الرجل فقضيته وأنفقت الباقي.
حَدَّثَنِي أَبُو مالك الإيادي قال: مات أَبُو حسان الزيادي سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وله تسع وثمانون سنة وأشهر، ومات هو وحسن ابن علي بْن الجعد في وقت واحد.
أنشدني ابن أبي حكيم لنفسه:
سر بالكرخ والمدينة قوم ... مات في جمعة لهم قاضيان
لهف نفسي على الزيادي منهم ... ثم لهفي على فتى الفتيان
أَبُو هشام مُحَمَّد بْن يزيد الرفاعي
استقضى أَبُو هشام مُحَمَّد بْن يزيد بْن رفاعة في سنة ثلاث وأربعين
ومائتين. ومات أَبُو هشام في سنة تسع وأربعين ومائتين.
واستقضى مكانه:
أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عيسى البرني
ثم ولي:
إسماعيل بْن إسحاق
بعد البرني في سنة ثمان وخمسين ومائتين. جمع له الجانب الغربي. ثم توفي إسماعيل بْن إسحاق في سنة اثنتين وثمانين ومائتين. ثم ولي:
أَبُو خازم عَبْد الحميد بْن عَبْد العزيز بْن عَبْد الحميد بْن خازم
في سنة ثلاث وثمانين ومائتين. وهو ينتمي إِلَى كندة من الفقهاء بمذهب أهل العراق بصرى. ولي قبل ذاك قضاء دمشق وفلسطين، فولي قضاء الكوفة وقد تقدم ذكره في قضاة الكوفة. ثم توفي أَبُو خازم في سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
ونقل:
أَبُو عَمْرو مُحَمَّد بْن يوسف بْن يعقوب
عن قضاء مدينة المنصور إِلَى الشرقية وقد تقدم ذكره ثم صرف أَبُو عَمْرو مُحَمَّد بْن يوسف في شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين.
وقلد:
عَبْد اللهِ بْن علي بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الملك بْن أبي الشوارب
قضاء الشرقية. والجانب الشرقي، من مدينة السلام، وأعمال مُحَمَّد بْن يوسف بهرموق والدبيس، وطريق خراسان والمدائن والهروانات والروابي، وما يسقي الفرات، وإليه قضاء سر من رأى، وطريق الموصل. وعظم أمره فمكث منذ وقت تقلد قضاء هذه النواحي إِلَى أن أصابه الفالج فاستخلف على عمله ابنه:
مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ
فلم يزل والياً إِلَى غرة صفر سنة إحدى وثلاثمائة ثم صرف فأعيد:
مُحَمَّد بْن يوسف
على قضاء الشرقية والجانب الشرقي من مدينة السلام والمدائن والهروانات وسقى الفرات من طريق الكوفة.
فمكث مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ بعد أن صرف نحو أربعين يوماً، ثم توفي ومكث عَبْد اللهِ بْن علي بعد وفاته نيفاً وتسعين يوماً ثم توفى في رجب سنة إحدى وثلثمائة.
وخلفه على الأعمال التي بقيت في يده، ابن له يُقَالُ لَهُ:
الْحَسَن بْن عَبْد اللهِ بْن علي.
أخبار قضاء القضاة بسر من رأى وبغداد
أول من ولي قضاء القضاة ببغداد، أَبُو يوسف يعقوب بْن إبراهيم.
ثم علي بْن ظبيان.
ثم علي بْن حرملة التيمي
ثم يحيى بْن أكثم وقد تقدم ذكرهم أولاً.
ثم ولي أَحْمَد بْن أبي دواد بْن جرير الإيادي قضاء القضاة للمعتصم والواثق وبعض أيام المتوكل. وكان يمتحن الناس في القرآن ويضرب ويقتل عليه وأفسد الخلفاء في هَذَا الوقت في المذهب.
وكان أول سبب دخوله على المأمون ما:
حَدَّثَنِي به أَبُو العيناء مُحَمَّد بْن القاسم قال: جاء رسول المأمون إِلَى يحيى بْن أكثم ومعه جلساؤه ومنهم ابن أبي دواد أن ائتني أنت ومن في مجلسك فقاموا إليه، وقام ابن أبي دواد في طيلسان ونعل، فاعترض في الكلام وخلى بقلب المأمون فَقَالَ: من يكون الرجل ? قال: رجل من إباد، قال: وما أخرك عَن مجلسي والاتصال بي ? قال: حبسه القدر وبلوغ الكتاب أجله. قال: لا، اعلمن ما كان لي مجلس نظر لا تشهده، فشق ذاك على يحيى بْن أكثم فلما ولي المعتصم مصر قَالَ: المأمون ليحيى بْن أكثم: انظر لأخي رجلاً فطناً يسدده إِذَا سها ويؤنسه إِذَا خلى ويجمعه إِذَا ظهر. قال: لا أعرفه إِلَّا واحداً أنت به ضنين، قال: ومن هو ? قال: ابن أبي دواد قال: تفجعني به قال: تؤثر أخاك، فأذن له، على نفس تنزع إليه.
فأَخْبَرَنِي أَبُو العيناء قال: سمعت ابن أبي دواد يقول: خرجت مع المعتصم فما سرنا إِلَّا منزلين حتى قَالَ لي: المعتصم: رأيت في ليلتي هذه بأني متعمم بالشمس وكأن القمر في حجري، فقلت له: أمسك عليك ولا نسمعها منك؛ فإنها مفسرة قال: فطردنا عَن الخلافة والله يسوقها إلينا.
أَخْبَرَنِي أَبُو العيناء قال: سمعت ابن أبي دواد يقول: دخلت على المأمون وفي يده كأس من شراب في آخر أيامه، فقال: ما تقول في أبي بكر وعُمَر ? فقلت: إماماً عدل. قال: أنت تقول ذاك ? قال: قلت: فأنت والله تقوله. إِذَا وفقك الله. قال: إنك عندي لحلال الدم. قال: قلت: والله إن لدمي أحرم عليك مما في يديك. قال: فقلت لابن أبي دواد: سبحان الله خليفة يجاوب هذه المجاوبة، وهو سكران ? قال: وكان وقت الظهر ولم يكن العصر أي كان أول شرابه.
أَخْبَرَنِي أَبُو العيناء قال: حَدَّثَنِي أَبُو يعقوب بْن سليمان بْن أبي جعفر قال: دخل ابن أبي دواد على المأمون يوماً فقال: ما أكلت يا أَحْمَد ? قال: أكلت خبزاً ولبناً، قال: سبحان الله رجل مرطوب مشرب حمرة رقيق الجلدة يأكل اللبن ? ترياق يا غلام! فأني به فأكثر له منه، ثم قَالَ: لغلامه: اذهب به فأضجعه وألق عليه المطارف، فإذا ارفض عرقاً فأتني به.
حَدَّثَنِي موسى بْن جعفر أخو نفس الكاتب قال: كان أَحْمَد ابن أبي دواد حين ولي المعتصم الخلافة عادي الأفشين وحرض عليه المعتصم وكان جسوراً مقداماً لا يبالي ما يصنع، فلم يزل يخبر المعتصم
بأن الأفشين على دين المجوسية وأنه كاتب المرزبان حتى عصني، وأنه ... وأنه ... حتى أوغر قلب المعتصم على الأفشين، وهم به بعد أخذ المرزبان، فجمع بينه وبينه.
وأَخْبَرَنِي موسى بْن جعفر أخو نفس قال: كنت حاضراً والمعتصم خلف سوق الأفشين، وابن أبي دواد والقواد حضور، فأقيم المرزبان فضرب بالسياط بين يدي الأفشين، قال: فرأيت المرزبان يصيح آب يطلب الماء فلم يسق، فسمعت المعتصم يقول: يا كفار يطلب رجل في هذه الحال الماء فلا يسقى! فسقوه الماء فلم يكن إِلَّا ساعة حتى مات. ونوظر الأفشين، فَقَالَ: المعتصم: هاتوا احتجوا عليه، فَقَالَ: ابن أبي دواد: كاتب المرزبان يا أمير المؤمنين. فَقَالَ: الأفشين: أنتم قلتم لي كاتبه وأطمعه فإنك ملك وهو ملك ففعلت. قَالَ: ابن أبي دواد: هو يعَبْد الأصنام وهو أغلف، وأخرج من خزائنه تماثيل. فَقَالَ: الأفشين: هذه سماجات يلعب بها كما يلعب العجم، قال: فأخرج ابن أبي دواد حقة فيها سم من خزائنه، ودعا برجل فاستحلفه أنه أمره أن يسم المعتصم. فحلف الرجل؛ فاستحل المعتصم دمه وقتله.
قَالَ: وكان سبب العداوة بين ابن أبي دواد وبين الأفشين: أن الأفشين أراد قتل أبي دلف القاسم بْن عيسى فاستجار بابن أبي دواد فجاء إِلَى الأفشين برسالة من المعتصم: يقول لك أمير المؤمنين قد بلغني أنك تريد أن تحدث على القاسم بْن عبسي حادثة. ووالله لئن فعلت لأقتلنك. ولم يكن المعتصم أرسله ولا قَالَ: له شيئاً. فرهب الأفشين أن يقتل