بأن الأفشين على دين المجوسية وأنه كاتب المرزبان حتى عصني، وأنه ... وأنه ... حتى أوغر قلب المعتصم على الأفشين، وهم به بعد أخذ المرزبان، فجمع بينه وبينه.
وأَخْبَرَنِي موسى بْن جعفر أخو نفس قال: كنت حاضراً والمعتصم خلف سوق الأفشين، وابن أبي دواد والقواد حضور، فأقيم المرزبان فضرب بالسياط بين يدي الأفشين، قال: فرأيت المرزبان يصيح آب يطلب الماء فلم يسق، فسمعت المعتصم يقول: يا كفار يطلب رجل في هذه الحال الماء فلا يسقى! فسقوه الماء فلم يكن إِلَّا ساعة حتى مات. ونوظر الأفشين، فَقَالَ: المعتصم: هاتوا احتجوا عليه، فَقَالَ: ابن أبي دواد: كاتب المرزبان يا أمير المؤمنين. فَقَالَ: الأفشين: أنتم قلتم لي كاتبه وأطمعه فإنك ملك وهو ملك ففعلت. قَالَ: ابن أبي دواد: هو يعَبْد الأصنام وهو أغلف، وأخرج من خزائنه تماثيل. فَقَالَ: الأفشين: هذه سماجات يلعب بها كما يلعب العجم، قال: فأخرج ابن أبي دواد حقة فيها سم من خزائنه، ودعا برجل فاستحلفه أنه أمره أن يسم المعتصم. فحلف الرجل؛ فاستحل المعتصم دمه وقتله.
قَالَ: وكان سبب العداوة بين ابن أبي دواد وبين الأفشين: أن الأفشين أراد قتل أبي دلف القاسم بْن عيسى فاستجار بابن أبي دواد فجاء إِلَى الأفشين برسالة من المعتصم: يقول لك أمير المؤمنين قد بلغني أنك تريد أن تحدث على القاسم بْن عبسي حادثة. ووالله لئن فعلت لأقتلنك. ولم يكن المعتصم أرسله ولا قَالَ: له شيئاً. فرهب الأفشين أن يقتل
أبا دلف وجاء ابن أبي دواد إِلَى المعتصم فقال: يا أمير المؤمنين، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس الكذاب من أصلح بين الناس فَقَالَ: خيراً ونما خيراً وقد أديت عنك رسالة أحييت بها أهل بيت من المسلمين، وكففت بها أسياف خلق من العرب.
بلغني أن الأفشين هم بقتل القاسم بْن عيسى، فأديت عنك إليه كذا وكذا، فحقنت دم الرجل، ونعشت عياله، وكففت غضبان عجلان ومن تبعها أن تغضب له، ويشق عليك منها ما تغتم به، والرجل في يديك. فَقَالَ: المعتصم: قد أحسنت. ووجه إِلَى القاسم بْن عيسى فخلصه من يده وأطلقه. فوجه الأفشين إِلَى ابن أبي دواد: لا تأتني ولا تقربني! فَقَالَ: للرسول: تؤدي عني كما أديت إلي? قَالَ: نعم، فَقَالَ لَهُ: قل له ما آتيك تعززاً من ذلة ولا تكثراً من قلة، وإنما رفعتك دولة فإن جئتك فلها وإن قعدت فعنك. وكان قتل المرزبان والغضب على الأفشين بسر من رأى، سنة خمس وعشرين ومائتين في آخرها.
قَالَ: أَبُو العيناء ما رأيت رئيساً قط أنطق من ابن أبي دواد.
قَالَ: المازني حين قدم من البصرة حَدَّثَنِي عَن البصرة، قال: عَن أيها ? قال: من فيضها إِلَى صحرائها.
وأَخْبَرَنِي عيسى بْن أبي عباد الكاتب ثابت بْن يحيى قال: لما وقع الحريق في الكرخ قَالَ: ابن أبي دواد للمعتصم: يا أمير المؤمنين هَلْ لك في مكرمة لم يسبقك غليها خليفة ويعجز خليفة عَن أن يقتدي بك ? قال:
تخلف على التجار ما احترق لهم فينتشر الصوت، ويبلغ العدو سعة المال عندك وبذلك إياه؛ فيرهبك في أقاصي الأرض. قال: وكم ? قال: عشرة ألف ألف، وتجمعها في وقت قليل، قال: أفعل؛ فأمر له فحملت مع ابن أبي دواد، وانحدر إِلَى مدينة السلام.
فأَخْبَرَنِي عيسى بْن أبي عباد قال: رأيته جالساً في مسجد مدينة المنصور والقضاة والفقهاء حوله، وإسحاق بْن إبراهيم صاحب الشرطة قائم، والناس والبدر مصبوبة، والصيارف معهم الشواهين والقضاة يستحلفون الناس على ما ذهب لهم. فمن حلف دفع إليه ما يحلف عليه، قال: فوالله لقد حلف قوم ولم يذهب لهم ما حلفوا عليه. وداوم الجلوس نحو جمعة حتى فرق المال، وانصرف إِلَى سر من رأى، وقيل بل كان المال خمسة ألف ألف. وذلك في سنة خمس وعشرين ومائتين.
أَخْبَرَنِي إبراهيم بْن أبي عُثْمَان قال: قَالَ: مُحَمَّد بْن عَبْد الرحمن الكوفي سألت ابن أبي دواد حاجة، فإني يوماً عنده وخرج الناس والدواة بيني وبينه فجذبتها وكتبت على رأس الثلث:
كفاك مذكراً وجهي بأمري ... وحسبك أن أراك وأن تراني
فقضى حاجتي.
وقَالَ: يعقوب بْن إسحاق الكندي: كنا عند ابن أبي دواد فذكر الهشامي صاحب الجزيرة بالأندلس فقال: كان متوارياً عندي أربعة أشهر.
قَالَ: أَبُو خالد المهلبي: فحدثت المتوكل بهَذَا فَقَالَ: قد كان الناس يقولون إنه يميل إِلَى الأموية، وكان فصيحاً شاعراً.
أنشدني جرير بْن أَحْمَد بْن أبي دواد، قال: أنشدني أبي لنفسه:
سر من را أسر من بغداد ... فارم بغداد عامداً ببعاد
حبذا مسرحاتها ليس تخلو ... أبداً من طريدة وطراد
وديار كأنما نسج الده ... ر عليها محبر الأبراد
واذكر المشرف المطل من الت ... ل على الصادرين والوراد
وإذا روح الرعاة فلا تن ... س تداعى فراقد الأولاد
يا ابن عم النبي لا أنس إِلَّا ... حَيْثُ خيمت من جمع البلاد
أنت نور الربيع تفتقر الأر ... ض إليه لحاضر ولباد
فإذا خيمت ركابك أرضاً ... أزعجت خيفة قلوب العباد
زدتها فاستزدت بهجة دنيا ... ك فوافيتما على ميعاد
أنشدني أَبُو مالك قال: أنشدني أبي لنفسه يرثي أَحْمَد بْن شهاب الأنباري كاتبه:
إن المشيب نعى إليّ شبابي ... وجدت بموتي ميتة الأتراب
طوراً أعاد وتارة أنا عائد ... أو دافن حباً من الأحباب
فَإِلَى متى ألقى وأسمع ناعياً ... أوشك بقرع يد المنية بابي
لا بد من موت وبعث بعده ... ومواقف تخشى وعرض كتاب
وجلا فيا حزناً لبعد مسافتي ... وقليل زادي واقتراب ذهابي
أنشدني جرير قال: أنشدني أَبُو حسان الزيادي قال: أنشدني أَبُوك لنفسه:
أعاينت في طول من الأرض أو عرض ... كبغداد داراً إنها جنة الأرض
صفا العيش في بغداد واخضرعوده ... وعيش سواهاغيرصاف ولاغض
تنام بها عين الغريب ولا أبت ... غريباً بأرض السلم يطمع في الغمض
لقد منيت بالبغض مني وبالقلى ... وما أصبحت أهلاً لهجر ولا بغض
أَخْبَرَنِي جرير قال: سمعت أبي يقول قَالَ: المأمون لأبي: ما اسم أبيك ? قال: قلت هو اسمه أَبُو دواد بْن جرير شاعر خطيب كان أَحْمَد ابن أبي دواد يستخلف ابنه أبا الوليد على القضاء. ثم فلج أَحْمَد بْن أبي دواد فمكث أَبُو الوليد على القضاء سنة سبع وثلاثين ومائتين، فأشخص المتوكل إليه يحيى بْن أكثم إِلَى سر من رأى وولاه قضاء القضاة وعزل أبا الوليد وأخذت أمواله وأموال أبي دواد.
وكان الواثق فيما أَخْبَرَنِي الحرث بْن أبي أسامة قبل ذاك تغير لابن أبي دواد وذلك في سنة ثلاثين ومائتين، ووقف أصحابه للناس في المدن فصحح عليهم الناس الخيانة والفجور بكل بلد. وأطلق الواثق بعض من كان في السجون ممن حبس ابن أبي دواد ونادى مناد في أسواق بغداد في ستة أنفس من أصحابه أحدهم قرابة لابن أبي دواد من جاء بواحد منهم فله مائة ألف درهم، وفي سنة سبع وثلاثين أخذ المتوكل كل أمواله. ورده وابنه إِلَى بغداد، فدخل بغداد في شعبان ثم توفي بعد ذلك.
أنشدني أَبُو خالد يزيد بْن مُحَمَّد المهلبي لنفسه:
تزوّد من معاشك للمعاد ... وتقوى الله فاعلم خير زاد
ولا تجمع من الدنيا كثيراً ... فبعض الجمع أسرع للنفاد
وقل لمطالب الدنيا رويداً ... أما وعظتك في ابن أبي دواد
أقام يدير الآفاق حيناً ... ويصطنع الصنائع في العباد
فأصلح أمره عشرين عاماً ... فكان صلاحه سبب الفساد
فبدل من فوائده الرزايا ... وكان الأولياء هم الأعادي
فحسبك من صروف الدهر دينا ... مواعظ لو توافق ذا فؤادي
وقد مدحت الشعراء ابن أبي دواد وهجوه بشعر كثير جداً. فممن مدحه أَبُو تمام الطائي وعلي بْن الجهم، ثم هجاه علي بْن الجهم. وكان مُحَمَّد بْن عَبْد الملك يعاديه، ويطعن في نسبه ويهجوه بشعر ينفيه من إياد.
وذكر إسحاق الموصلي قال: كنت يوماً عند الواثق وهو بالنجف فدخل عليه أَحْمَد بْن أبي دواد فقعدنا نتحدث ولم يكن خرج الواثق بعد، فَقَالَ لي أَحْمَد: أعجبني بيتان! قلت: أنشدني فما أعجبك ففيه السرور. فأنشدني:
ولي نظرة لو كان بحبل ناظر ... بنظرته أنثى لقد حبلت مني
فإن لدت ما بين تسعة شهر ... إِلَى نظرتي ابناً فإن ابنها إبني
فقلت أجاد.
ولكن أنشدك بيتين أرجو أن تستحسنهما وأنشدته:
ولما رمت بالطرف غيري ظننتها ... كما آثرت بالطرف تؤثر بالقلب
وإني بها في كل حال لواثق ... ولكن سوء الظن من شدة الحب
قَالَ: أحسنت والله وخرج الواثق فَقَالَ: لنا: فيم أنتما ? فحَدَّثَنَاه فأمر لكل واحد منا بجائزة وخلع.
أنشدني جرير بْن أَحْمَد بْن أبي دواد قال: كتب عَبْد الرحمن بْن عَبْد اللهِ
ابن عَائِشَة إِلَى أبي الوليد أخي:
أبا الوليد والكريم يسعف ... ويعتفي بصحبه ويلطف
قد رهن السيف وبيع المصحف ... وغلق الرهن وقل المسلف
إذكار حال لا السؤال الملحف
فأقرأه أبي فقال: ليس هَذَا إلحاف! هَذَا خمش الوجوه، ليس هَذَا تعريض. وكان أَبُو الوليد نحيلاً.
أَخْبَرَنِي أَبُو خالد المهلبي قال: حَدَّثَنِي المستعين قال: بلغني أن أبا الوليد ابن أبي دواد شكا إِلَى خبازه نفاذ الخبز فَقَالَ لَهُ: إنما أخبز شيئاً يسيراً لا يملأ التنور، فأمر ببراشيخ يقطع نصف التنور.
قَالَ: أَبُو خالد: وحَدَّثَنِي عباس بْن جرير قال: حَدَّثَنِي أَبُو حسان الزيادي قال: كنا يوماً ببغداد مع أبي الوليد بْن أبي دواد، وعلى المائدة أرغفة بعدد الرجال، فدخل قوم فدعا لهم بخبز فأتى بأرغفة على عددهم، ثم احتجنا إِلَى خبز فصاح يا غلمان هاتوا خبزاً! فلم يأتوا بشيء، ثم عاد فلم يأتوا بشيء، ثم عاد فلم يأتوا بشيء، فقلت أنا لأسهل: ويلكم إن لم يكن حواري فهاتوا من أخباز العيال، فلم يأتوا بشيء، فأكلنا ورفعت المائدة وقمنا، فقلت للغلمان ويلكم يأمركم أَبُو الوليد أن تأتوا بخبز فلم تأتوا وقلنا هاتوا من خبز العيال فلم تأتوا فقالوا: ليس يعطينا العيال من خبزهم لأنهم قد أخذ منهم غير مرة فلم يرد عليهم.
أَخْبَرَنِي أَحْمَد بْن أبي زهير عَن زبير قَالَ: بعث إِلَى المتوكل: بيعة ولاة
العهود قد كتبها أَبُو الوليد بْن أبي دواد فيها: هَذَا ما أشهد عليه عَبْد اللهِ جعفر الإمام المتوكل في صحة من عقله وجواز من أمره، فقلت له: من كتب هَذَا الكتاب ? أمير المؤمنين يناظر فيمن يبايع له حتى يقول في صحة عقله وجواز أمره ?
لقد جاء مروان بْن مُحَمَّد من أرمينية إِلَى الشام لم يحفظ الناس بسيفه في بيت شعر قاله يزيد بْن الوليد:
فإن أقتل أنا وولي عهدي ... فمروان أمير المؤمنينا
ثم غضب المتوكل على يحيى بْن أكثم ونفاه إِلَى مكة، واستقضى:
جعفر بْن عَبْد الواحد بْن جعفر
بن سليمان بْن علي بْن عَبْد اللهِ بْن العباس بْن عَبْد المطلب، ثم صرف وولي:
جعفر بْن مُحَمَّد بْن عمار البرجمي
ثم ولي:
مُحَمَّد بْن رزين البصري
ثم:
الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الملك
بن أبي الشوارب بْن عَبْد اللهِ بْن أبي عُثْمَان بْن عَبْد اللهِ بْن خالد بْن أسد بْن أبي العيص بْن أمية بْن عَبْد شمس.
صرف الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن أبي الشوارب ثم ولي:
عَبْد الرحمن بْن نايل بْن نجيح
ثم أعيد:
الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن أبي الشوارب
ثم توفي فولي أخوه:
علي بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الملك بْن أبي الشوارب
وكان ممن ولي قضاء سر من رأى من هؤلاء ولم يرسم بقضاء القضاة
مُحَمَّد بْن رزين
وعَبْد الرحمن بْن نايل
فقط ثم اضطرب أمر علي بْن مُحَمَّد بْن أبي الشوارب في قضاء قضاة عامة أيام المعتمد، إِلَى إن توفي إسماعيل بْن إسحاق فجئ به وقلد قضاء مدينة المنصور ثم توفي.
قضاة النواحي المتفرقة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الملك بْن زنجويه قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزاق بْن همام ابن نافع قال: قلت لمَعْمَر إن أبي أَخْبَرَنِي أن وهب بْن منبه ولي القضاء في