أهون على ما قد قضيت بسنة ... أو بالكتاب برغم أنف الراغم
وقضيت فيما لم أجد أثراً به ... بنظائر معروفة ومعالم
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن عَمْرو، قال: حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن مُحَمَّد، قال: قَالَ: حَدَّثَنَا ابن فضيل، قال: سمعت ابن شُبْرُمَةَ يقول:
إذا قضيت بمر الحق مجتهداً ... أهون علي بما قَالَ: الضغابيس
أَخْبَرَنِي ابن أبي عثمان، عَن الْحَسَنِ بن هارون، عَن مزاحم بْن زفر، قال: خرج ابن شُبْرُمَةَ ذات يوم من القصر فقام إليه أَبُوْحَنِيْفَةَ ومعه ابن عم لابن شُبْرُمَةَ يستعين به، ويستزيده فَقَالَ لَهُ أَبُوْحَنِيْفَةَ: تخوفت أن يكون كما قَالَ: الأول:
من الناس من يغشى الأباعد نفعه ... ويشقى به حتى الممات أقاربه
هَذَا فلان، وقرابته وحقه، قد جفوته، فَقَالَ ابن شُبْرُمَةَ: وأراك تروي الشعر قال: نعم! ومن شعرك أروي حَيْثُ تقول:
أقضي بما في كتاب الله مجتهداً ... وبالنظائر أقضي والمقاييس
إذا قضيت بمر الحق مجتهداً ... فلست أجهل أقوال الضغابيس
وقَالَ: الْحَسَن بْن هارون أيضاً أَخْبَرَنِي أَبُو خريمة بْن مزاحم بْن زفر قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن حسين التميمي، قَالَ: كان رجل منا يأتي ابن شُبْرُمَةَ يناله، فأطال الاختلاف إليه حتى دخل عليه ذات يوم فقال:
أقول له لما تبين شخصه ... أما لبني عم لديك نصيب
فَقَالَ لَهُ ابن شُبْرُمَةَ: بكر على الغداة ففعل، فأدخله على عيسى بْن موسى، فولاه قطائع السواد، ومسلحتها فكان أصحاب القطايع يسألون في حوائجهم وقطعانهم من يشفعون به عليه، فيُقَالُ: هو من ناحية ابن شُبْرُمَةَ فيستشفعون به، فجعلت كتب ابن شُبْرُمَةَ تأتيه في حوائج الناس،
فكلما ورد عليه كتابه قال: وما أنا وابن شُبْرُمَةَ ? فبلغه ذلك فغضب ودخل على عيسى، فَقَالَ لَهُ: إن الرجل الذي أشرت به قد أتاني عنه ما أكره، وقد أنهيت ذلك إليك فرفع عيسى رأسه إِلَى إسحاق الأزرق فَقَالَ لَيْسَ لك قطعة في السواد ? قَالَ: بلى. قَالَ: فدونك الرجل اكتب إِلَى وكيلك في قطيعتك يعامله حتى تعرف أمانته من خيانته، فعامله على ألف دينار فدخل عيسى على إسحاق، فأعلمه أنه قد قبض من وكيله الألف دينار، وعامله على قطيعته، فبعث إليه عيسى رسولاً، فقدم به عليه وأمر به فضرب خمسة وسبعين سوطاً، وأقيم على المسطبة، فخرج عليه ابن شُبْرُمَةَ، وهو عليها، فوقف ناحية وقال: يا غلام اذهب إليه فقل له يقول لك ابن شُبْرُمَةَ:
بلى لكم عندي جوامع جمة ... وضرب لمن خان الأمير صليب
جواباً لقوله: أنشدني طلحة بْن عَبْد اللهِ التيمي، قال: أنشدني أَبُو عَبْد الرحمن العلائي لابن شُبْرُمَةَ:
يا خليلي إنما الخمر ذنب ... وأَبُو جعدة الطلاء المريب
ونبيذ الزبيب ما اشتد منه ... فهو للخمر والطلاء نسيب
حرمت هذه فلا شك فيها ... ولهَذَا معرة وذنوب
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن عَمْرو، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عِمْرَان، قال: حَدَّثَنِي يحيى بْن السري العائدي، قال: مدح رؤبة بْن العجاج ابن شُبْرُمَةَ فقال:
لما سألت الناس أين المكرمه ... والعز والجرثومة المقدمه
وابن فاروق الأمور المبهمه ... تتابع الناس على ابن شبرمه
فأعطاه مائة درهم، وأعطاه رءوسهم مائة درهم.
حَدَّثَنِي عُمَر بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الحكم، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْن أَحْمَد ابن مزيد عَن الهيثم بْن عدي، قال: لما ولي عَبْد اللهِ بْن شُبْرُمَةَ القضاء ركب لحاجة له، فلما أراد النزول عَن البغل وثبت قدمه، فحمل إِلَى منزله في محفة فدخل الناس يعودونه، ودخلت فيمن دخل عليه، فدخل عليه رجل من بني سليط يكنى أبا المثنى، فلما رآه ابن شُبْرُمَةَ قال: مرحباً ههنا ارتفع فرفعه معه على السرير فأنشأ ابن المثنى يقول:
أفول غداة أتاني الخبير ... فدس أحاديثه هيثمه
لك الويل من مخبر ما يقول ... أبن لي وعد عَن الحمحمه
فَقَالَ: خرجت وقاضي العراق ... منفكة رجله مؤلمه
فقلت وضاقت عليّ البلاد ... وخفت المجللة المعظمه
فغزوان حر وأم الوليد ... إن الله عافى أبا شبرمه
جزاء لمعروفه عندنا ... وما عتق عَبْد له أو أمه
قَالَ: الهيثم فلم أزل من غزوان وأم الوليد في عجب وهو جاري، ما أعرف له عَبْد ولا أمة، فلما خرج قلت لأبي المثنى: ما غزوان وأم الوليد ? فَقَالَ: استر على سنوران في البيت.
وزعم لي ابن أبي سعد، عَن مُحَمَّد لابن عِمْرَان الضبي، أن يحيى بْن نوفل الحميري، قَالَ: هذه الأبيات. وقَالَ: يحيى بْن نوفل في ابن شُبْرُمَةَ:
لما رأيت الدهر قد ... أزمت بواحده الأوازم
وتتابعت في الأهل والم ... ال المصيبات العظائم
ونفى الكرى عني جوى ... هم أجنته الحيازم
قلبت بالعزم الأمو ... ر لتكفيف الهم العزائم
فذكرت أن أخا السما ... حة والمواصلة المداوم
والحافظ الحرمات م ... ني حَيْثُ شيعت المحارم
قَالَ ابن شُبْرُمَةَ: الموف ... ق إن بعد الحق ظالم
أنف أبي لا يقر ... بأن تورده المظالم
فصل إِذَا شغب الألد ... وفيض الحجج المخاصم
لا ينثني لملامة ... إن لامه في الحق لائم
يقظان في طلب العلا ... إِذ غيره عَن تلك نائم
وسماحة جداً إِذَا از ... دحمت حدود القوم زاحم
من آل حسان الذي ... ن هم الذوائب والدعائم
المانعون المستجير ... بهم إِذَا ما عاد حارم
حتى يؤديه العهود ... مسلماً والعرض سالم
لم يقبلوا خيساً ولم ... يشتمهم بالغدر شائم
فهم وإن رغمت لذا ... ك أنوف أقوام رواغم
أهل الحملة حين يف ... دح من تحملها المغارم
والمشرب العذب الذي ... يروي بحمته الحوائم
وهم الأساة الفاصلون ... إِذَا تنافرت الأقادم
وهم المساميح الصرا ... جيح المساعير المطاعم
في العام لا تحنو على ... أولادها فِيْهِ الروائم
وإذا معد حصلت ... فهم من الريش القوادم
وهم إِذَا ما الحرب شب ... ضرامها الأسد الضراغم
قوم حصونهم عتاق الخي ... ل والبيض الصوارم
تلك المكارم والمآ ... ثر حين تعتد المكارم
لا يرجون مالاً وما ... ل الدين والدنيا الدراهم
وأنشدنا عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن عَن ابن شُبْرُمَةَ:
حتى متى أنت، في دنياك مشتغل ... وعامل الله عَن دنياه مشغول
وقَالَ ابن شُبْرُمَةَ:
ليس بالعين يبصر الحكم كم من ... فاتح العين قلبه مشدود
غيرته عجوزه ثم قالت ... خالف الناس فالخلاف يزيد
وقَالَ: عقبة بْن مكرم الضبي:
بلوتك في الأمور أبا نعيم ... فنعم أخو الشدائد والرخاء
إذا قَالَ: الوفاء لحال دهر ... فأنت هناك من أهل الوفاء
(هَذَا آخر الجزء الثالث من الأصل والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا مُحَمَّد النبي وآله أجمعين، يتلوه في الجزء الرابع: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن القاسم بْن مهرويه، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ اليعقوبي، قَالَ: حَدَّثَنَا الهيثم بْن عتبي قال: قيل لابن شُبْرُمَةَ من أشعر الناس، قال: الفرزدق.
الجزء الرابع من كتاب أخبار القضاة
تأليف: القاضي أبي بكر مُحَمَّد بْن خلف بْن حيان بْن صدقة وكيع، لأَحْمَد بْن يعقوب الأصبهاني
فيه:
تمام أخبار قضاة الكوفة
تمام أخبار عَبْد اللهِ بْن شُبْرُمَةَ
مُحَمَّد بْن عَبْد الرحمن أبي ليلى
غيلان بْن جامع المحاربي
الحجاج بْن عاصم المحاربي
منصور بْن المعتمر
ابن أبي ليلى الثانية
عَبْد الرحمن بْن عَبْد اللهِ بْن عيسى بْن أبي ليلى
شريك بْن عَبْد اللهِ
القاسم بْن معن
نوح بْن دراج
حفص ابن عبان البجعي
الْحَسَن بْن زِيَاد اللؤلؤي
عاصم بْن عامر البجلي
إسماعيل بْن حماد بْن أبي حنيفة
بكر بْن عَبْد الرحمن بْن عَبْد اللهِ
عثمان بْن مُحَمَّد المسروري
جعفر بْن عَبْد الرحمن بْن عمار الرحمي
أَحْمَد بْن بديل السامي
إبراهيم بْن أبي ليلى بْن إسحاق ابن إبراهيم
زلبي العبس
القاسم بْن منصور التميمي
إبراهيم بْن إسماعيل ثانية
أَبُو خارم عَبْد الحميد بْن عَبْد العزيز
الْحَسَن بْن إسماعيل الموصلي
قضاة أهل الشام
أَبُو الدَّرْدَاء فضالة بْن عبيد الأنصاري
النعمان بْن بشير
بلال بْن أبي الدَّرْدَاء
أَبُو إدريس الخولاني
زرعة بْن ثوب المقري
عَبْد اللهِ بْن عامر النحمي
عَبْد الرحمن بْن قيس العقلي
عَبْد الرحمن بْن الحسحام العذري
صالح بْن عَبْد اللهِ العبسي
نمير بْن أوس الأشعري
يزيد بْن أبي ملك الهمداني
الحرث بْن مُحَمَّد الأشعري
مُحَمَّد بْن لبيد الأسلمي
عَبْد الرحمن بْن عَمْرو الأوزاعي
زِيَاد بْن أبي ليلى العياني
خلافة بني هاشم
كلثوم بْن عَبْد اللهِ الحكمي
سالم بْن عَبْد اللهِ المجازي
المساور الخراساني
تمام بْن يزيد الأزدي
سلمة بْن عُمَر العنبلي
يحيى بْن حمزة
عَبْد الرحمن بْن يزيد بْن أبي علك
عُمَر بْن أبي بكر
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
وحسبنا الله ونعم الوكيل)
تمام أخبار ابن شُبْرُمَةَ
حَدَّثَنِي القاسم بْن مهرويه: قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ اليعقوبي قَالَ: حَدَّثَنِي الهيثم قال: قيل لابن شُبْرُمَةَ من أشعر الناس قال: الفرزدق، فقيل له إن أردنا الجاهليين فقال: وهل كان أجهل منه.
حَدَّثَنِي عَبْدُ بْن عَمْرو بْن أبي سعد قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن علي بْن سويد الأهوازي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الملك بْن مروان بْن قيراط قَالَ: حَدَّثَنَا ابن فضيل عَن ابن شُبْرُمَةَ قال: جاءني شيطان الفرزدق في النوم فَقَالَ: تقتلني تكون أشعر الناس قلت فلا فذهب وتركني.
أَخْبَرَنِي ابن أبي الدنيا قال: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَر قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَان عَن ابن شُبْرُمَةَ قال: وقف علينا الفرزدق فقلنا له: أي الشراب أعجب إليك؟ قال: أقربه إِلَى الثمنين فسقيناه ماء.
أَخْبَرَنِي ابن أبي سعد عَن مُحَمَّد بْن عِمْرَان عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن يعقوب عَن سُفْيَان عَن ابن شُبْرُمَةَ قَالَ: قدم علينا الفرزدق وكنا أخواله وقدم جرير على قيس وكانت أحزابه فأهدت قيس لجرير جزراً فحمل عليها طعاماً وبعث به إِلَى أهله وأهديت إِلَى الفرزدق جزراً فَقَالَ: باليطة اجعل عليها السفر.
أَخْبَرَنِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن صعصعة قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عباد قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَان قال: سمعت ابن شُبْرُمَةَ يقول: ما أعرفني لجيد الشعر حَيْثُ يقول:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن كانت النعماء فهم جزوبها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
وإن قَالَ: مولاهم على كل حادث ... من الأمر ردوا فضل أحلامكم ردوا
أَخْبَرَنِي مُحَمَّد الوراق قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْن عُمَر الهيتي قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن إبراهيم قال: دخل ابن شُبْرُمَةَ الكوفة فنظر إِلَى حائك يصنع وهو يتمثل:
فرعاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فِيْهِ وهو حثل أسحم
وكأنها فِيْهِ نهار مشرق ... وكأنه ليل عليها مظلم
فَقَالَ ابن شُبْرُمَةَ: له: عندك من هَذَا شيء؟ قَالَ: نعم.
ثم أنشده:
أخطط في ظهر الحصير كأنني ... أسير يخاف القتل والهم يفرج
ألا ربما ضاق الفضاء بأهله ... وأمكن من بين الأسنة مخرج
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن أبي سعد أن مُحَمَّد بْن حميد حدثهم قال: حَدَّثَنَا جرير قال: قَالَ ابن شُبْرُمَةَ:
كن للأقارب ما حييت مواسياً ... ولدى الجوار تحية وسلاما
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن عُمَر قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن يحيى القشيري قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حسان قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الربيع البجلي قال: كان ابن شُبْرُمَةَ وجماعة يسمرون عند عيسى بْن موسى فربما أخر عنهم الإذن وربما أمروا بالانصراف قبل أن يصلوا وكان لعيسى حاجب يدعى عياضاً فَقَالَ ابن شُبْرُمَةَ: