بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 109


الحق فلربّما ولعلّ ولقلَّما أدبر شيء فأقبل قال الشريف :
أقول : إنّ في هذا الكلام الأدنى من مواقع الإحسان مالا تبلغه مواقع الاستحسان ، وإنّ حظَّ العجب منه أكثر من حظَّ العجب به ، وفيه - مع الحال الَّتى وصفنا زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان ، ولا يطَّلع فجّها إنسان ، ولا يعرف ما أقول إلَّا من ضرب في هذه الصّناعة بحقّ ، وجرى فيها على عرق . * ( ( وما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ) ) * .
اقول : الذمّة : العهد . والزّعيم : الكافل . والمثلات : العقوبات . والحجز : المنع . وتقحّم فى الأمر : رمى بنفسه فيه . واشار الى وجوب الاعتبار لوجوب التّقوى . وانّ العبرة بما تفعله الدنيا من عقوبة من اغترّ بها وتبدّل حالاتها عليهم مستلزمة في المعتبر تصوّر مثل ذلك في نفسه ، وذلك مستلزم لافاضة تقوى اللَّه عليه ، المستلزمة لتوقّفه وامتناعه من أن يلقى نفسه في تلك الأمور الزّائلة والشّبهات الباطلة ، وهى احوال الدنيا المشبهة للحقّ والعقل ، الخارج من اسر الهوى قوىّ على نقد الحق وتمييزه من الشّبهات ، واكَّد ذلك برهن ذمّته وكفالته به .
ثم نبهّهم على انّهم في الشبهات مغمورون ليبادروا الى تقوى اللَّه وهو قوله : ( الا وانّ بليّتكم قد عادت ) ، واراد بالبليّة : ما هم عليه من اختلاف الأهواء عن الشبهات الَّتى يلقيها اليهم الشّيطان ، وذلك أمر يشبه ما كانوا عليه حين بعثة الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله ، ثم توعّدهم بعاقبة ذلك ونزول ثمرته بهم ، والبلبلة : الاختلاط . والغربلة : نخل الدقيق وغيره ، وذلك اشارة الى ما يفعله بنو اميّة بهم من خلط بعضهم ببعض ، ورفع اراذلهم وحط أكابرهم ، كما يفعل بالقدر سائطها . ولفظ الغربلة : مستعار لالتقاط احادهم بالقتل والاذى كما فعلوا بكثير من الصّحابة والتّابعين .
وقوله : وليسبقنّ ، الى قوله : سبقوا ، : اشارة الى ما علمه من اسرار القدر في تقصير من كان له سبق في الدّين ، وتقدّم رتبة فيه ، او الى سبق من كان قصر فيه في اوّله أو سبق من كان قاصرا في اوّل الاسلام عن الخلافة والامارة في آخر الزّمان اليها ، وبقصر من سبق اليها عن بلوغها . ثم اشار الى ذلك الاخبار انّه مما أخبر به النّبى صلَّى اللَّه عليه وآله ،


صفحه 110


واقسم انّه لم يكتم منه وشمة اى : كلمة مما اخبره به وتعيّن عليه ان يؤثره عنه . والوشمة بالشين المعجمة : الكلمة ، وانّه لم يكذب فيه ، وهذا المقام مقام بيعة الخلق له ، وهذا اليوم اى : يوم اجتماعهم عليه ، واستعار لفظ الخيل : بوصف الشماس ، وخلع اللجم للخطايا باعتبار ورودهم بها النار بسرعة كالفرس الجموح براكبه المتقحم[1]به فى المهالك . ولفظ المطايا : بضد تلك الأوصاف للتّقوى الموصلة لصاحبها الى الجنّة كراكب المطيّة الذّلول يصل الى غايته بها بسهولة واختيار .
وقوله : حقّ وباطل ، اى : في الوجود فلكل واحد منهما اهل كقول النّبى صلَّى اللَّه عليه وآله : « كلّ ميسر لما خلق له » . وقوله : فلئن امر الباطل اى : كثر الى قوله : ولعلّ ، كالاعتذار لنفسه ولأهل الحقّ في قلَّته ، وتوبيخ لأهل الباطل على كثرته . وفي قوله : ربّما ولعلّ ترجّ ، واطماع لعود الحقّ الى الكثرة بعد قلَّته ترغيبا في لزومه كيلا يضمحل بالتّخاذل عنه ، والاحسان في كلام السيد : مصدر أحسن اذا فعل حسنا ، ومواقع الاحسان : الكلمات الحسنة منه[2]، ومواقع الاستحسان : الكلم المستحسنة له ، لأنّها لا تبلغ محاسن كلامه ولا تحيط بها . وقوله : وان حظَّ الى قوله : به ، اى : انّ تعجب الفصحاء من حسنه أكثر من عجبهم بأنفسهم باستخراج محاسنه ، لأنّ فيه محاسن لا يمكنهم التعبير عنها ، وان تعجبوا منها .
ومن هذه الخطبة : شغل من الجنّة والنّار أمامه ، ساع سريع نجا ، وطالب بطىء رجا ، ومقصّر في النّار هوى . اليمين والشّمال مضلَّة ، والطَّريق الوسطى هى الجادّة عليها باقى الكتاب وآثار النّبوّة ، ومنها منفذ السّنّة ، وإليها مصير العاقبة ، هلك من ادّعى ، وخاب من افترى . من أبدى صفحته للحقّ هلك ، وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره لا يهلك على التّقوى سنخ أصل ، ولا يظمأ عليها زرع قوم . فاستتروا ببيوتكم ، وأصلحوا ذات بينكم ، والتّوبة من ورائكم ، ولا يحمد حامد إلَّا ربّه ، ولا يلم لائم إلَّا نفسه .


[1]نسخة ش : المقتحم
[2]نسخة ش : له .


صفحه 111


اقول : معنى القضيّة الأولى انّ من كانت الجنّة والنّار امامه كان له بهما شغل عن غيرهما ، وشغله بهما ملاحظتهما والهمّة بما يكون وسيلة اليهما ، واستعار لفظ الامام لهما : باعتبار كونهما غايتين ينتهى اليهما ، وبناء الفعل للمفعول اذ الغرض ذكر الشغل دون المشغل . وقوله : ساع ، الى قوله : النار : قسمة للناس بالنسبة الى ما وجب عليهم من الشغل المشار اليه الى ثلاثة اقسام ووجه القسمة انّ الناس امّا طالبون للَّه ولما عنده ، او غير الطَّالبين ، والطَّالبون امّا مجتهدون في الوصول اليه ، او متأنّون ، والاوّل هم السابقون المقرّبون . والثالث المقصّرون الذين وقف بهم الشيطان حيث اراد ، وظاهر كونهم فى النار . وامّا الثاني فذو وصفين يتجاذبانه من جهتى السّفالة والعلوّ فسلوكه الى اللَّه وان ضعف جاذب له الى الجنّة ، ويد الشّيطان جاذبة له الى النّار الَّا انّ رجاءه للَّه ومسكنه به اذا انضاف الى حركته البطيئة في سبيل اللَّه كانت السّلامة عليه اغلب .
وانّما خصّ الثاني بالرجاء لانّه عمدته دون عمله لضعفه ، ونحوه قوله تعالى : * ( ( فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِه ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ الله ) ) *[1]. وقوله : اليمين والشمال[2]الى آخره ، الجادّة : اشار باليمين والشمال الى طرفى الافراط والتفريط من الفضائل النفسانية ، والطرق الوسطى الى العدل منهما . وهو الحصول على نفس الفضيلة من غير انحراف عنها الى اطراف الرذائل منها وهى الصراط المستقيم في الدنيا[3]، والجادّة الواضحة لمن اهتدى وعليها باقى الكتاب الكريم من المقاصد الالهية : وآثار النبوّة ، ومنقذ السنّة : اى طريقها ومخرجها واليها تصير عاقبة الخلق في الدّنيا والآخرة ، فانّ من العدل بدأت السنّة وانتشرت في الخلق ، واليه مرجع امورهم وعواقبها .
قوله : هلك من ادّعى : تعريض لمعاوية ودعواه الامامة ، واللَّفظ عام ، خرج على سبب خاص اى : هلك من ادّعى ما ليس له بحق وخاب من كذب في دعواه ، والخيبة : دعاء او خبر بعدم حصول الخير في الآخرة . وقوله : من ابدى ، الى قوله : قدره ، أراد من


[1]سورة فاطر - 32
[2]بزيادة - مضلة - في نسخة ش
[3]في ش : والاخرة .


صفحه 112


تجرّد لاظهار الحق في مقابلة كل باطل سمعه او رآه من الجاهلين وحملهم على مرّ الحق وصعبه في كلّ وقت كان في مظنّة الهلاك بأيديهم وألسنتهم ، وكانّه ايماء الى نفسه في معرض الاعتذار في مقابلة معاوية وغيره على باطلهم ، وجهل المرء بقدره ومرتبته من النّاس جهل فاحش لاستلزامه رذائل صعبة كالعجب والكبر ونحوهما من المهلكات .
وقوله : لا يهلك ، الى قوله : قوم : فالسنخ الاصل وذلك لانّ التّقوى كالارض الحرّة لا يهلك ما غرس من اصل ، وكالماء العذب ما يظمأ عليه ما زرع وهو ترغيب فيها لغاية ما يثمره من الخير الاخروى ، وامرهم بالاستتار ببيوتهم اى : لزومها قطعا لمادة الفتنة من الاجتماع للمنافرات والمفاخرات ، ونبّههم على الرجوع الى التّوبة وانّها مقبولة منهم وكونها وراء لهم باعتبار رجوع العاصى اليها عمّا هو متوجّه بقلبه اليه من المعصية . وقيل : وراء بمعنى : امام والاوّل اشبه .
16 - ومن كلام له عليه السّلام فى صفة من يتصدى للحكم بين الأمة وليس لذلك بأهل إنّ أبغض الخلائق إلى اللَّه رجلان : رجل وكله اللَّه إلى نفسه فهو جائر عن قصد السّبيل ، مشغوف بكلام بدعة ، ودعاء ضلالة ، فهو فتنة لمن افتتن به ، ضال عن هدى من كان قبله ، مضلّ لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته ، حمّال خطايا غيره ، رهن بخطيئته . ورجل قمش جهلا موضع في جهّال الأمّة عاد في أغباش الفتنة ، عم بما في عقد الهدنة قد سمّاه أشباه النّاس عالما وليس به ، بكَّر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير ممّا كثر ، حتّى إذا ارتوى من آجن ، واكتنز من غير طائل ، جلس بين النّاس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره ، فإن نزلت به إحدى المبهمات هيّأ لها حشوا رثّا من رأيه ، ثمّ قطع به ، فهو من لبس الشّبهات في مثل نسج العنكبوت : لا يدرى أصاب أم أخطأ : فإن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب ، جاهل خبّاط جهالات عاش ركَّاب عشوات لم يعضّ على العلم بضرس قاطع يذرى الرّوايات إذراء الرّيح الهشيم لا مليء واللَّه بإصدار ما ورد عليه ، ولا هو أهل لما فوّض إليه لا يحسب العلم


صفحه 113


في شيء ممّا أنكره ، ولا يرى أنّ من وراء ما بلغ مذهبا لغيره ، وإن أظلم أمر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه ، تصرخ من جور قضائه الدّماء ، وتعجّ منه المواريث إلى اللَّه أشكو من معشر يعيشون جهّالا ، ويموتون ضلَّالا ليس فيهم سلعة أبور من الكتاب إذا تلى حقّ تلاوته ، ولا سلعة أنفق بيعا ولا أغلى ثمنا من الكتاب إذا حرّف عن مواضعه ، ولا عندهم أنكر من المعروف ، ولا أعرف من المنكر .
أقول : البغض من اللَّه يعود الى علمه بمخالفة العبد لأوامره ، واطلاقه مجازا إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه .
ووكَّله اللَّه الى نفسه ، جعل اعتماده عليها ، ومشغوف : معجب .
والقمش : الجمع . والموضع بكسر الضاد : المسرع اى : انّه يسرع في جهالّ الامة الى ما يسرعون اليه . وروى موضع بفتحها اى : انّه ليس من اشراف الناس واغباش الفتنة : اوائل ظلماتها ، وروى غار اى : غافل في ظلمات الخصومات لا يهتدى لوجه تخليصها . وروى اغطاش الفتنة والغطش ايضا : الظلمة . والهدنة : الصلح اى : اعمى البصيرة عن وجه المصلحة في المصالحة بين الناس ، واشباه الناس : الجهّال المشبّهون للكاملين[1]فى الصورة الحسّية دون الصّورة التمامية الَّتى هى كمال العلوم ، ومكارم الاخلاق . وروى جمع منوّنا على انّ الجملة بعده صفة له ، « وما » مصدرية او بمعنى : الَّذى ، وجمع بمعنى : مجموع . وروى مضافا ويقدر أن بعد ما على طريقة قولهم : تسمع بالمعيدى خير من أن تراه[2]. واستعار وصف التبكير : للسبق في اوّل العمر الى جميع الشبهات ، والآراء الباطلة . واستعار لفظ الماء الآجن : للجهل والاعتقادات الفاسدة ، ووصف الارتواء لتملَّيه منها ، والمبهمات : القضايا الملتبسة التي تدقّ فيها الحق . والحشو : الكلام الكثير لا فائدة فيه . والرثّ : الضعيف . ونسج العنكبوت : مثل للامور الواهية ، ووجه التمثيل انّ ذهن الجاهل اذا قصد حلّ مبهمة[3]كثرت عليه الشبهات فيلتبس على ذهنه


[1]في ش : الكامل
[2]مثل يضرب . مجمع الامثال 1 - 129
[3]في ش : مهمة .


صفحه 114


وجه الحق ، ولا يخلص اليه منها فمثله في الشّبهات الواهية كالذباب في نسج العنكبوت لا يتمكن على ضعفه ان يتخلص منه . وخباط جهالات : كثير الخبط فيها . وروى جهلات[1]جمع جهلة : فعلة من الجهل . والعشوة : مصدر قولك عشوت ضوء النّار اذا تبيّنته على ضعف واراد : انّه لا يستنتج نور الحقّ في ظلمات الشّبهات الَّا على ضعف لنقصان ضوء بصيرته . ولم يعضّ على العلم بضرس قاطع : كناية عن عدم اتقانه للقوانين الشرعيّة ، واصله انّ الانسان يمضغ الشيء ثم لا يجيد مضغه .
واذ راؤه للروايات تصفّحها وقراءتها مع عدم فهمها والانتفاع بها ، وكونه لا يحسب العلم في شيء مما انكره ، اى : لا يعدّه شيئا ولا يدخله في الحساب بل ينكره كسائر ما انكره ، وأراد علم الاصولين وغيرهما دون الفروع . وروى يحسب بكسر السين من الحساب وهو : الظنّ اى : لا يظن العلم الذى هو وراء اعتقاده فضيلة يجب اعتقادها . واستعار وصف الصراخ ، والعجيج ، وهو : رفع الصوت لنطق الدّماء ، والمواريث بلسان حالها متظلَّمة شاكية . ويحتمل ان يريد اهل الدّماء فحذف المضاف : والى اللَّه اشكو ، او ابرأ . وقوله : ليس فيهم ، الى آخره ، اى : اذا فسر الكتاب على وجهه رخص عندهم واطرحوه لمخالفته اغراضهم ، واذا حرّف عن مواضعه ووافق اغراضهم شروه بأغلى ثمن .
ولا انكر من المعروف لقلَّته وعدمه بينهم ، ولا اعرف من المنكر لكثرة وجوده والفهم له .
17 - ومن كلام له عليه السّلام فى ذمّ اختلاف العلماء في الفتيا ترد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه ، ثمّ ترد تلك القضيّة بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه ، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الَّذى استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعا ، وإلههم واحد ونبيّهم واحد وكتابهم واحد أفأمرهم اللَّه تعالى بالاختلاف فأطاعوه أم نهاهم عنه فعصوه أم أنزل اللَّه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه أم كانوا شركاءه فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى أم أنزل اللَّه سبحانه


[1]بزيادة - وجهالات - في ش .


صفحه 115


دينا تامّا فقصّر الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عن تبليغه وأدائه ، واللَّه سبحانه يقول : * ( ( وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ ) ) * وقال : * ( ( ويَوْمَ نَبْعَثُ ) ) * وذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضا ، وأنّه لا اختلاف فيه فقال سبحانه : * ( ( ولَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيه اخْتِلافاً كَثِيراً ) ) * . وإنّ القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق ، لا تفنى عجائبه ، ولا تنقضي غرائبه ولا تكشف الظَّلمات إلَّا به .
أقول : فى هذا الفصل تصريح بانّه عليه[1]السّلام كان يرى إنّ الحقّ في جهة ، وانّه ليس كلّ مجتهد في الفروع مصيبا كما يراه الجمهور من الاصوليين ، والمسألة مشهورة في اصول الفقه .
وقوله : ترد ، الى قوله : جميعا : صورة حالهم التي ينكرها ، وهو قوله : والههم ، الى قوله : واحد شروع في بطلان ما يرونه ، وهو صغرى ضمير تقدير كبراه وكلّ قوم كانوا كذلك فلا يجوز ان يختلفوا في حكم شرعىّ ، وتكون آرائهم المختلفة صائبة . وقوله : فأمرهم اللَّه ، الى آخره : بيان للصغرى وتقديره انّ ذلك الاختلاف امّا ان يكون بأمر من اللَّه أطاعوه فيه ، أو بنهى منه عصوه فيه ، او بسكوت عن الأمرين ، وعلى التقدير الثالث فجواز اختلافهم في دينه . والحاجة الى ذلك امّا ان يكون مع نقصانه او مع تمامه . وتقصير الرّسول في أدائه وعلى الوجه الاوّل فالاختلاف انّما يجوز على أحد وجهين : امّا ان يكون ذلك الاختلاف تماما لذلك النقصان ، او على وجه أعم من ذلك وهو كونهم شركاؤه فى الدين فعليه ان يرضى بما يقولون ، ولهم ان يقولوا اذ شأن الشّريك ذلك ، فهذه وجوه خمسة . وحصر الاقسام الثلاثة الاخيرة ثابت بحسب استقراء وجوه الحاجة الى الاختلاف ، والاقسام كلها باطلة . واشار الى بطلانها ببقية الكلام .
امّا بطلان الاوّل فلانّ مستند الدّين هو كتاب اللَّه وهو يصدّق بعضه بعضا ، فلا اختلاف فيه فلا يكون مبدءا للاختلاف فليس اختلافهم مستندا الى الكتاب فلا يكون من الدين . وامّا الثّانى فلانّ عدم جواز المعصية للَّه بالاختلاف مستلزم لعدم جواز


[1]بزيادة - الصلاة - في ش .


صفحه 116


الاختلاف . وامّا الثالث وهو نقصان دين اللَّه فلقوله تعالى : * ( ( وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ ) ) *[1]. وامّا الرابع والخامس فظاهر البطلان ولا يمكن دعواهما ، فلذلك لم يحتج الى بطلانهما ، ثمّ نبّههم الى[2]انّ القرآن واف بجميع المطالب ، اذا تدبّروا معناه فيحرم عليهم قول لا يستند اليه وذلك في قوله : ظاهره انيق اى : حسن معجب بأنواع البيان ، وباطنه عميق لا ينتهى الى جواهر اسراره الَّا اولو الألباب ، ولا تفنى الامور المعجبة منه ولا تنقضى النكت الغريبة فيه ولا تكشف ظلمات الشبه الَّا به .
18 - ومن كلام له عليه السّلام قاله للأشعث بن قيس وهو على منبر الكوفة يخطب ، فمضى في بعض كلامه شيء اعترضه الأشعث فقال : يا أمير المؤمنين هذه عليك لا لك فخفض عليه السّلام إليه بصره ثم قال : ما يدريك ما علىّ ممّا لى عليك لعنة اللَّه ولعنة اللَّاعنين ، حائك بن حائك منافق ابن كافر واللَّه لقد أسرك الكفر مرّة والإسلام أخرى فما فداك من واحدة منهما ما لك ولا حسبك ، وإنّ امرأ دلّ على قومه السّيف ، وساق إليهم الحتف ، لحرىّ أن يمقته الأقرب ، ولا يأمنه الأبعد .
قال السّيد : يريد عليه السّلام انّه أسر في الكفر مرّة وفي الاسلام مرّة ، وامّا قوله عليه السّلام : دلّ على قومه السّيف فأراد به حديثا كان للأشعث مع خالد بن الوليد باليمامة غرّ فيه قومه ومكر بهم حتّى اوقع بهم خالد وكان قومه بعد ذلك يسمّونه « عرف النّار » وهو : اسم للغادر عندهم .
اقول : روى انّه عليه السّلام كان في خطبته يذكر امر الحكمين ، فقام اليه رجل من أصحابه ، وقال : نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها فما ندرى ايّ الأمرين ارشد فصفق عليه السّلام احدى يديه على الاخرى وقال : هذا جزاء من ترك العقدة ، فظنّ الاشعث انّه


[1]سورة الانعام - 38
[2]في نسخة ش : على .