وجه الحق ، ولا يخلص اليه منها فمثله في الشّبهات الواهية كالذباب في نسج العنكبوت لا يتمكن على ضعفه ان يتخلص منه . وخباط جهالات : كثير الخبط فيها . وروى جهلات[1]جمع جهلة : فعلة من الجهل . والعشوة : مصدر قولك عشوت ضوء النّار اذا تبيّنته على ضعف واراد : انّه لا يستنتج نور الحقّ في ظلمات الشّبهات الَّا على ضعف لنقصان ضوء بصيرته . ولم يعضّ على العلم بضرس قاطع : كناية عن عدم اتقانه للقوانين الشرعيّة ، واصله انّ الانسان يمضغ الشيء ثم لا يجيد مضغه .
واذ راؤه للروايات تصفّحها وقراءتها مع عدم فهمها والانتفاع بها ، وكونه لا يحسب العلم في شيء مما انكره ، اى : لا يعدّه شيئا ولا يدخله في الحساب بل ينكره كسائر ما انكره ، وأراد علم الاصولين وغيرهما دون الفروع . وروى يحسب بكسر السين من الحساب وهو : الظنّ اى : لا يظن العلم الذى هو وراء اعتقاده فضيلة يجب اعتقادها . واستعار وصف الصراخ ، والعجيج ، وهو : رفع الصوت لنطق الدّماء ، والمواريث بلسان حالها متظلَّمة شاكية . ويحتمل ان يريد اهل الدّماء فحذف المضاف : والى اللَّه اشكو ، او ابرأ . وقوله : ليس فيهم ، الى آخره ، اى : اذا فسر الكتاب على وجهه رخص عندهم واطرحوه لمخالفته اغراضهم ، واذا حرّف عن مواضعه ووافق اغراضهم شروه بأغلى ثمن .
ولا انكر من المعروف لقلَّته وعدمه بينهم ، ولا اعرف من المنكر لكثرة وجوده والفهم له .
17 - ومن كلام له عليه السّلام فى ذمّ اختلاف العلماء في الفتيا ترد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه ، ثمّ ترد تلك القضيّة بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه ، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الَّذى استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعا ، وإلههم واحد ونبيّهم واحد وكتابهم واحد أفأمرهم اللَّه تعالى بالاختلاف فأطاعوه أم نهاهم عنه فعصوه أم أنزل اللَّه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه أم كانوا شركاءه فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى أم أنزل اللَّه سبحانه
[1]بزيادة - وجهالات - في ش .
دينا تامّا فقصّر الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عن تبليغه وأدائه ، واللَّه سبحانه يقول : * ( ( وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ ) ) * وقال : * ( ( ويَوْمَ نَبْعَثُ ) ) * وذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضا ، وأنّه لا اختلاف فيه فقال سبحانه : * ( ( ولَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيه اخْتِلافاً كَثِيراً ) ) * . وإنّ القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق ، لا تفنى عجائبه ، ولا تنقضي غرائبه ولا تكشف الظَّلمات إلَّا به .
أقول : فى هذا الفصل تصريح بانّه عليه[1]السّلام كان يرى إنّ الحقّ في جهة ، وانّه ليس كلّ مجتهد في الفروع مصيبا كما يراه الجمهور من الاصوليين ، والمسألة مشهورة في اصول الفقه .
وقوله : ترد ، الى قوله : جميعا : صورة حالهم التي ينكرها ، وهو قوله : والههم ، الى قوله : واحد شروع في بطلان ما يرونه ، وهو صغرى ضمير تقدير كبراه وكلّ قوم كانوا كذلك فلا يجوز ان يختلفوا في حكم شرعىّ ، وتكون آرائهم المختلفة صائبة . وقوله : فأمرهم اللَّه ، الى آخره : بيان للصغرى وتقديره انّ ذلك الاختلاف امّا ان يكون بأمر من اللَّه أطاعوه فيه ، أو بنهى منه عصوه فيه ، او بسكوت عن الأمرين ، وعلى التقدير الثالث فجواز اختلافهم في دينه . والحاجة الى ذلك امّا ان يكون مع نقصانه او مع تمامه . وتقصير الرّسول في أدائه وعلى الوجه الاوّل فالاختلاف انّما يجوز على أحد وجهين : امّا ان يكون ذلك الاختلاف تماما لذلك النقصان ، او على وجه أعم من ذلك وهو كونهم شركاؤه فى الدين فعليه ان يرضى بما يقولون ، ولهم ان يقولوا اذ شأن الشّريك ذلك ، فهذه وجوه خمسة . وحصر الاقسام الثلاثة الاخيرة ثابت بحسب استقراء وجوه الحاجة الى الاختلاف ، والاقسام كلها باطلة . واشار الى بطلانها ببقية الكلام .
امّا بطلان الاوّل فلانّ مستند الدّين هو كتاب اللَّه وهو يصدّق بعضه بعضا ، فلا اختلاف فيه فلا يكون مبدءا للاختلاف فليس اختلافهم مستندا الى الكتاب فلا يكون من الدين . وامّا الثّانى فلانّ عدم جواز المعصية للَّه بالاختلاف مستلزم لعدم جواز
[1]بزيادة - الصلاة - في ش .
الاختلاف . وامّا الثالث وهو نقصان دين اللَّه فلقوله تعالى : * ( ( وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ ) ) *[1]. وامّا الرابع والخامس فظاهر البطلان ولا يمكن دعواهما ، فلذلك لم يحتج الى بطلانهما ، ثمّ نبّههم الى[2]انّ القرآن واف بجميع المطالب ، اذا تدبّروا معناه فيحرم عليهم قول لا يستند اليه وذلك في قوله : ظاهره انيق اى : حسن معجب بأنواع البيان ، وباطنه عميق لا ينتهى الى جواهر اسراره الَّا اولو الألباب ، ولا تفنى الامور المعجبة منه ولا تنقضى النكت الغريبة فيه ولا تكشف ظلمات الشبه الَّا به .
18 - ومن كلام له عليه السّلام قاله للأشعث بن قيس وهو على منبر الكوفة يخطب ، فمضى في بعض كلامه شيء اعترضه الأشعث فقال : يا أمير المؤمنين هذه عليك لا لك فخفض عليه السّلام إليه بصره ثم قال : ما يدريك ما علىّ ممّا لى عليك لعنة اللَّه ولعنة اللَّاعنين ، حائك بن حائك منافق ابن كافر واللَّه لقد أسرك الكفر مرّة والإسلام أخرى فما فداك من واحدة منهما ما لك ولا حسبك ، وإنّ امرأ دلّ على قومه السّيف ، وساق إليهم الحتف ، لحرىّ أن يمقته الأقرب ، ولا يأمنه الأبعد .
قال السّيد : يريد عليه السّلام انّه أسر في الكفر مرّة وفي الاسلام مرّة ، وامّا قوله عليه السّلام : دلّ على قومه السّيف فأراد به حديثا كان للأشعث مع خالد بن الوليد باليمامة غرّ فيه قومه ومكر بهم حتّى اوقع بهم خالد وكان قومه بعد ذلك يسمّونه « عرف النّار » وهو : اسم للغادر عندهم .
اقول : روى انّه عليه السّلام كان في خطبته يذكر امر الحكمين ، فقام اليه رجل من أصحابه ، وقال : نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها فما ندرى ايّ الأمرين ارشد فصفق عليه السّلام احدى يديه على الاخرى وقال : هذا جزاء من ترك العقدة ، فظنّ الاشعث انّه
[1]سورة الانعام - 38
[2]في نسخة ش : على .
اراد هذا جزائىّ فقال : الكلمة فأشار الى جهله بقوله : وما يدريك اذ ليس للجاهل ان يعترض على مثله بما لا يعلمه ، واستحقّ اللَّعن لانّه كان من المنافقين . واستعار له ولأبيه لفظ الحائك لأنّ كندة معروفة بالحياكة وهى مظنّة نقصان العقل . وقيل : لانّ الاشعث وأباه كانا ينسجان في اوّل أمرهما برود اليمن ، وعيّره بها لدناءتها . قوله : ولقد أسرك ، الى قوله : حسبك : تأكيد لنقصان فطنته وانّه وجد نفسه مرّتين في الأسر[1]ولم يعقل وجه الخلاص . وما فداك اى : لم ينجك من الوقوع ولا يحمل على الفداء بعد الأسر ، لانّه فدى نفسه كما نقل .
امّا أسر الكفر له فلأنّ مرادا لمّا قتلت أباه خرج ثائرا بدمه فاسر ، ففدى نفسه بثلاثة آلاف بعير . وامّا اسر الإسلام له فلانّه لما ارتدّ بحضر موت بعد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله بعث اليه ابو بكر بزياد بن ابيه ، ثم بعكرمة بن ابى جهل في جيش من المسلمين فالتجأ الى حصن قومه فاسره زياد وقدم به على ابى بكر فاستبقاه وزوّجه اخته امّ فروة ، وله قصّة طويلة اشرنا اليها في الاصل[2]. وقوله : وانّ امرأ ، الى قوله : الأبعد : اشارة الى غدره بقومه حين حصرهم زياد فطلب الأمان لنفسه ، ولنفر يسير من قومه ، فظنّ الباقون أنّه أخذ الأمان لجميعهم ، فخرجوا فقتلوا صبرا . والحتف : الهلاك .
وامّا قول السّيّد انّه اراد حديثا كان للأشعث مع خالد بن الوليد باليمامة فلم اقف على شيء من ذلك في وقائع خالد باليمامة ، وحسن الظن به يقتضى صدق نقله . وامّا استعارتهم لعرف النّار فلأنّ العرف : عبارة عن كلّ عال مرتفع . ولمّا كان الغدر طباعا له وهو مستلزم للنّار صار كالعلم على النار قائدا لمن أتبعه اليها كاعلام الطريق[3].
19 - ومن خطبة له عليه السّلام فإنّكم لو عاينتم ما قد عاين من مات منكم لجزعتم ووهلتم وسمعتم وأطعتم ولكن
[1]نسخة ش هكذا : لنقصان فطنته اذ اوقع نفسه مرتين
[2]شرح نهج البلاغة الكبير 1 - 325
[3]فى ش : كالاعلام للطريق .
محجوب عنكم ما قد عاينوا ، وقريب ما يطرح الحجاب ، ولقد بصّرتم إن أبصرتم ، واسمعتم إن سمعتم ، وهديتم إن اهتديتم ، بحقّ أقول لكم لقد جاهرتكم العبر وزجرتم بما فيه مزدجر ، وما يبلَّغ عن اللَّه بعد رسل السّماء إلَّا البشر .
أقول : الوهل بالتّحريك : الفزع . وروى وهلعتم ، والهلع : افحش الجزع ، واعلم أنّ الإنسان ما دام ملتحفا بجلباب البدن فانّه محجوب بظلمات هيأته ومعارضات أوهامه وخيالاته عن مشاهدة عالم الغيب ، وذلك الحجاب أمر قابل للزّيادة والنّقصان ، والنّاس فيها على مراتب ولو قد نضى[1]هذا الجلباب وطرح عن اعين بصائرهم ذلك الحجاب ، لشاهدوا من احوال الآخرة وأهوالها ما شاهده من دخل اليها كقوله تعالى : * ( ( فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ) *[2]فجزعوا حينئذ وفزعوا وسمعوا الدّاعى للَّه واطاعوا . وقوله : ولكن ، الى قوله : الحجاب : اشارة الى سبب غفلتهم وهو الحجب المذكورة والتّهديد بقرب زواله بالموت ، وما مصدريّة في موضع رفع بالابتداء . وقوله : ولقد بصرتم ، الى قوله : اهتديتم : تنبيه على طريق الهداية وانّها قد اوصلت اليهم ما ينتفع به لو انتفعوا به ، ومجاهرة العبر لهم وضوحها وظهور دلالتها ، وما فيه مزدجر كالنواهى المؤكَّدة بالوعيدات الهائلة والعقوبات الحاضرة كقوله تعالى : * ( ( ولَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الأَنْباءِ ما فِيه مُزْدَجَرٌ ) ) *[3]قوله : وما يبلَّغ الى آخره ، أي : ليس في الامكان طريق وراء ما جذبتم به الى اللَّه على ألسنة رسله ، وليس يمكن ان تبلَّغكم رسالاته بعد رسل السّماء وهم الملائكة الَّاهم ، فلا عذر لكم في التّخلَّف عن دعوتهم . وباللَّه التوفيق .
20 - ومن خطبة له عليه السّلام فإنّ الغاية أمامكم وإنّ وراءكم السّاعة تحدوكم ، تخفّفوا تلحقوا فإنّما ينتظر بأوّلكم آخركم .
[1]في ش : ولو قد نضى عنهم هذه الجلباب
[2]سورة ق - 22 .
[3]سورة القمر - 4 .
قال السّيّد : أقول : إنّ هذا الكلام لو وزن ، بعد كلام اللَّه سبحانه وبعد كلام رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، بكلّ كلام لمال به راجحا ، وبرّز عليه سابقا . فأمّا قوله عليه السّلام : « تخفّفوا تلحقوا » فما سمع كلام أقلّ منه مسموعا ولا أكثر محصولا وما أبعد غورها من كلمة وأنقع نطفتها من حكمة ، وقد نبّهنا في كتاب « الخصائص » على عظم قدرها وشرف جوهرها .
أقول : أراد بالغاية حال الآخرة من جنّة تطلب ، او نار تهرب عنها ، ممّا هو متوجّه اليه وغاية للانسان ينتهى اليها ، وبذلك الاعتبار صدق عليها انّها أمام ، واستعار لفظه لها ، والساعة : القيامة والموت ، وكونها وراء باعتبار كونها مهروبا منها ، والمهروب منه خلف الهارب ، فاستعار لفظه لها ووصفها بصفة السائق وهو الحداء . واشار بالتّخفيف الى الزّهد الحقيقى الَّذى به يتخفّف المسافر الى اللَّه من أثقال الدّنيا ، وأوزارها المانعة من الصّعود الى حضرته المقدّسة ، وبذلك يلحق المسافر بمنازل السّابقين الأوّلين . والكلمتان في قوّة شرط وجزاء . وقوله : فانّما ينتظر باوّلكم آخركم ، اي : انّما ينتظر بالقيامة الكبرى على اوّلكم ، ومن سبق منكم ووصول كلّ الى ما يستحقّه من كمال رحمة او عذاب لحوق الآخرين الَّذين لم يموتوا . ووصف الانتظار مستعار لكمال مطلوب اللَّه سبحانه من الخلق باسمهم ، وهو وصولهم الى ساحل عزّته اذ كان نظر عنايته اليهم واحدا ، واستعار السّيّد لفظ النّطفة ، وهو الماء القليل الصّافى لما فيها من الحكمة . وباللَّه التّوفيق .
21 - ومن خطبة له عليه السّلام ألا وانّ الشّيطان قد ذمر حزبه ، واستجلب جلبه . ليعود الجور إلى أوطانه ، ويرجع الباطل إلى نصابه . واللَّه ما أنكروا علىّ منكرا ، ولا جعلوا بينى وبينهم نصفا . وإنّهم ليطلبون حقّا هم تركوه ، ودما هم سفكوه ، فلئن كنت شريكهم فيه فإنّ لهم لنصيبهم منه ، ولئن كانوا ولَّوه دونى فما التّبعة إلَّا عندهم ، وإنّ أعظم حجّتهم لعلى أنفسهم يرتضعون أمّا قد فطمت ويحيون بدعة قد أميتت يا خيبة الدّاعى من دعا وإلام أجيب وإنّى
لراض بحجّة اللَّه عليهم ، وعلمه فيهم ، فإن أبوا أعطيتهم حدّ السّيف وكفى به شافيا من الباطل ، وناصرا للحقّ ، ومن العجب بعثهم إلىّ أن أبرز للطَّعان وأن أصبر للجلاد : هبلتهم الهبول لقد كنت وما أهدّد بالحرب ، ولا أرهّب بالضّرب ، وإنّى لعلى يقين من ربّى ، وغير شبهة من دينى .
أقول : ذمّر بالتخفيف والتّشديد : حثّ . والجلب : الجماعة من النّاس تجمع وتؤلَّف ، والنصاب : الأصل ، والمنكر الَّذى إدّعوه عليه قتل عثمان . والسكوت عن النكير على قاتليه . ولمّا كان عليه السّلام بريئا من دمه صدق انّهم ما أنكروا عليه منكرا فعله ، وتركهم لذلك الحقّ ، وسفكهم لذلك الدّم هو مشاركتهم فيه ، فإنّ المشهور انّ طلحة كان من المحرّضين على قتله والسّاعين في ذلك . قوله : فلئن كنت ، الى قوله قبلهم : اقامة للحجّة على دفع مقالتهم ، وتقديرها انّهم دخلوا في قتل عثمان ، وكلّ من دخل فيه بالاستقلال او الشّركة فليس له ان يطلب غيره بدمه[1]او يطلب شريكه دون نفسه . واستعار لفظ الارتضاع : لطلبهم منه عليه[2]السّلام ما كانوا يعهدونه من الصّلات من عثمان ، ولفظ الأم : للخلافة ، فبيت المال لبنها ، والمسلمون أولادها المرتضعون ، ووصف الفطم : لمنعه عليه[3]السّلام لهم من ذلك ، والبدعة الَّتى يحيونها هو التّفضيل اذ كان بخلاف سنّة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله . واماتتها : تركها . قوله : يا خيبة الدّاعى ، الى قوله : اجيب : خرج مخرج التّعجّب من عظم خيبة الدّعاة الى قتاله ومن دعا . والى ما اجيب : استفهام على سبيل الاستحقار للمدعوّين لقتاله النّاصرين للدّاعى ، اذ كانوا عوامّ الناس ، وللمدعوّ اليه وهو الباطل الَّذى دعوا لنصرته ، ويحتمل ان يكون لتعظيم المدعوّ الى قتالهم يعنى نفسه عليه[4]السّلام . والمدعوّ اليه وهو الحرب ، وحجّة اللَّه امره الصّادر بقتال الفئة الباغية كقوله تعالى : * ( ( فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما ) ) *[5]الآية ، وكلّ
[1]عبارة - دخل فيه بالاستقلال او الشركة فليس له ان يطلب غيره - غير موجودة في نسخة ش
[2]فى ش بزيادة : الصلاة
[3]نسخة ش بزيادة : الصلاة
[4]بزيادة : الصلاة . في ش
[5]سورة الحجرات - 9 .
أمر للَّه او نهى له فهو حجّة له ، وكلّ حجّة للحقّ فهى حجّة اللَّه[1]. والهبول : الثواكلّ ، وهو ممّا تدعوا به العرب . قوله : لقد كنت وما اهدّد بالحرب اى : من حيث كنت لا اخشى من وعيد الحرب واليقين من اللَّه بما وعد المتّقين ، وذلك مؤكَّد لعدم خشيته من الحرب والقتال . وباللَّه التّوفيق .
22 - ومن خطبة له عليه السّلام أمّا بعد فإنّ الأمر ينزل من السّماء إلى الأرض كقطرات المطر : إلى كلّ نفس بما قسم لها من زيادة أو نقصان ، فإذا رأى أحدكم لأخيه غفيرة في أهل أو مال أو نفس ، فلا تكوننّ له فتنة : فإنّ المرء المسلم مالم يغش دناءة تظهر فيخشع لها إذا ذكرت ، وتغرى بها لئام النّاس ، كان كالفالج الياسر الَّذى ينتظر أوّل فوزة من قداحه توجب له المغنم ، ويرفع بها عنه المغرم ، وكذلك المرء المسلم البرىء من الخيانة ينتظر من اللَّه إحدى الحسنيين إمّا داعى اللَّه فما عند اللَّه خير له ، وإمّا رزق اللَّه فإذا هو ذو أهل ومال ، ومعه دينه وحسبه ، إنّ المال والبنين حرث الدّنيا ، والعمل الصّالح حرث الآخرة ، وقد يجمعهما اللَّه لأقوام ، فاحذروا من اللَّه ما حذّركم من نفسه ، واخشوه خشية ليست بتعذير ، واعملوا في غير رياء ولا سمعة ، فإنّه من يعمل لغير اللَّه يكله اللَّه لمن عمل له نسأل اللَّه منازل الشّهداء ، ومعايشة السّعداء ، ومرافقة الأنبياء . أيّها النّاس إنّه لا يستغنى الرّجل ، وإن كان ذا مال ، عن عشيرته ، ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم ، وهم أعظم النّاس حيطة من ورائه ، وألمّهم لشعثه ، وأعطفهم عليه عند نازلة إذا نزلت به . ولسان الصّدق يجعله اللَّه للمرء في النّاس خير له من المال يورّثه غيره .
اقول : مدار الفصل على تأديب الفقراء بترك الحسد ( ونحوه . وفيه تأديب للاغنياء
[1]في ش هكذا جاء بعد الآية : وكل امر للَّه او نهى له وكل حجة للخلق فهى حجة اللَّه .